7:55 مساءً / 13 أبريل، 2026
آخر الاخبار

حين تعود المدارس… يعود الوطن إلى نبضه: رحلة التعافي التربوي بعد الانقطاع ، بقلم : د. تهاني رفعت بشارات

حين تعود المدارس… يعود الوطن إلى نبضه: رحلة التعافي التربوي بعد الانقطاع ،

حين تعود المدارس… يعود الوطن إلى نبضه: رحلة التعافي التربوي بعد الانقطاع ، بقلم : د. تهاني رفعت بشارات

في هذا الصباح الذي يشبه ولادةً جديدة، لا تعود المدارس مجرد أبنيةٍ تفتح أبوابها، بل تعود الحياة نفسها لتجري في عروق الوطن. تعود الضحكات إلى الممرات، وتستيقظ الأرواح الصغيرة من سباتها الطويل، كأنها طيورٌ اشتاقت إلى فضاء التحليق. إن عودة الطلبة إلى مدارسهم وجامعاتهم بعد انقطاعٍ ليس بالقصير، ليست حدثاً عابراً في روزنامة الأيام، بل هي لحظة إنسانية عميقة، تختزل في طياتها الأمل، والقلق، والحنين، وبدايات التعافي.

هذه العودة ليست تعليميةً فحسب، بل هي عودة الإنسان إلى ذاته، وعودة الطفل إلى شعوره بالأمان، وعودة المجتمع إلى توازنه المفقود. فطلابنا لا يدخلون الصفوف بذات الوجوه التي غادروها، بل يحملون في أعينهم حكاياتٍ صامتة، وتجارب لم تُروَ، وقلوباً تحتاج قبل المعرفة إلى احتواء. وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية… حكاية التربية في زمن التعافي.

إن المدرسة اليوم مطالبة بأن تعيد تعريف دورها، لا كمؤسسةٍ تلقينية، بل كحاضنةٍ إنسانية تُرمّم ما تصدّع في نفوس الطلبة قبل عقولهم. فالأيام الأولى ليست للامتحانات، ولا للسباق الأكاديمي المحموم، بل هي مساحة لإعادة بناء الثقة، وبث الطمأنينة، وفتح نوافذ الحوار. على المعلم أن يكون أذناً تسمع قبل أن يكون صوتاً يُملي، وأن يكون قلباً يحتوي قبل أن يكون عقلاً يُقيّم. فالتعليم في هذه المرحلة لا يُقاس بكمّ المعلومات، بل بقدرتنا على إعادة إشعال رغبة التعلم في نفوس الطلبة.

أما الأسرة، فهي الجسر الذي يعبر عليه الأبناء من اضطراب المرحلة إلى استقرارها. دورها اليوم لا يقل أهمية عن دور المدرسة، بل يتكامل معه في أدق التفاصيل. فالأبناء بحاجة إلى حضنٍ يُطمئنهم، لا إلى ضغطٍ يُرهقهم. بحاجة إلى من يستمع إليهم دون أحكام، ويُشعرهم أن تعثرهم ليس فشلاً ، بل خطوة في طريق التعافي. إن المقارنات القاسية، والتوقعات المرتفعة، قد تُطفئ فيهم ما تبقى من حماس، بينما كلمة طيبة، أو نظرة ثقة، قد تعيد بناء عالمهم من جديد.

وفي خضم هذه المرحلة، يبرز الصبر كأعظم القيم التربوية. فالتعلم بعد الانقطاع ليس سباقاً يُحسم بالسرعة، بل مسارٌ طويل من الاستعادة التدريجية. بعض الطلبة سيحتاجون وقتاً أطول، وبعضهم سيخطو بخطى متعثرة، لكن جميعهم قادرون على النهوض إذا وجدوا من يؤمن بهم. إن التفهم هنا ليس خياراً، بل ضرورة، لأن لكل طالبٍ قصته الخاصة، وظروفه التي لا تُرى.

ولغة الحوار تظل المفتاح الذهبي لكل الأبواب المغلقة. حين يشعر الطالب أن صوته مسموع، وأن رأيه محترم، فإنه يتحول من متلقٍ سلبي إلى شريكٍ في العملية التعليمية. الحوار لا يعني فقط تبادل الكلمات، بل يعني بناء جسور الثقة، وخلق بيئة يشعر فيها الطالب أنه مهم، وأن وجوده له قيمة.

ومن أكثر الفئات التي تستحق عناية خاصة، أولئك الطلبة الذين لم يتمكنوا من متابعة التعلم عن بُعد. هؤلاء ليسوا مقصرين، بل هم ضحايا ظروفٍ قد تكون قاسية أو خارجة عن إرادتهم. التعامل معهم يجب أن يكون قائماً على العدالة الرحيمة، لا على الأحكام الجاهزة. فبدل أن نُحمّلهم عبء الفاقد، علينا أن نمد لهم يد العون، ونمنحهم فرصة عادلة للّحاق، دون أن يشعروا بأنهم أقل من غيرهم.

وفي هذا السياق، يصبح تنظيم الوقت مهارة حياة لا مجرد أداة دراسية. فالعودة تحتاج إلى إيقاعٍ متوازن، يُراعي طاقة الطلبة وقدرتهم على التكيف. تقسيم اليوم إلى فترات قصيرة، وتحديد الأولويات، ومنح النفس حقها من الراحة، كلها عناصر تُسهم في بناء عادات صحية ومستدامة. فالتعلم الحقيقي لا يقوم على التراكم، بل على الاستمرارية.

أما المعلم، فهو بوصلة هذه المرحلة، وروحها النابضة. عليه أن يُشخّص الفاقد التعليمي بعين الخبير، ويعالجه بقلب المربي. ليس المطلوب أن يُعيد كل ما فات دفعة واحدة، بل أن يُعيد بناء الأساس الذي يقوم عليه التعلم. استخدام الأساليب التفاعلية، وربط المعرفة بالحياة، وتقديم التعزيز الإيجابي، كلها أدوات تُعيد للطالب ثقته بنفسه، وتُشعل فيه دافعية التعلم من جديد.

وفي النهاية، لا يمكن لأي طرف أن ينجح وحده. فهذه المرحلة تتطلب شراكة حقيقية بين المدرسة، والأسرة، والمعلم، والطالب نفسه. إنها منظومة متكاملة، إذا اختل فيها جزء، تأثر الكل. أما إذا تكاملت، فإنها تصنع معجزة صغيرة… معجزة عودة الحياة إلى مسارها.

لسنا في سباقٍ لتعويض ما فات، بل في رحلة لإعادة البناء بثقة وهدوء. نُعلّم أبناءنا أن السقوط ليس نهاية، وأن التعثر لا يُلغي القدرة على النهوض. نُعلّمهم أن الأمل ليس فكرة، بل ممارسة يومية، وأن المستقبل يُصنع بالصبر، والإيمان، والعمل.

فلتعد مدارسنا مناراتٍ للحياة، لا مجرد قاعاتٍ للدراسة، ولتكن هذه العودة بدايةً لا لنهاية الانقطاع فحسب، بل لانطلاقةٍ جديدة نحو تعليمٍ أكثر إنسانية، وأكثر عمقاً، وأكثر قدرة على صناعة جيلٍ يعرف كيف ينهض… مهما طال الغياب.

شاهد أيضاً

رئيس الوزراء يبحث مع الاتحاد العام للصناعات سبل الارتقاء بالقطاع الصناعي وتعزيز مساهمته في الاقتصاد الوطني

رئيس الوزراء يبحث مع الاتحاد العام للصناعات سبل الارتقاء بالقطاع الصناعي وتعزيز مساهمته في الاقتصاد الوطني

شفا – بحث رئيس الوزراء محمد مصطفى، خلال لقائه الاتحاد العام للصناعات الفلسطينية برئاسة نصار …