6:27 مساءً / 5 أبريل، 2026
آخر الاخبار

خطواتٌ صغيرة تركض نحو الضوء: حكاية الطفولة الفلسطينية في يوم الطفل الفلسطيني ، بقلم : غدير حميدان الزبون

"خطواتٌ صغيرة تركض نحو الضوء: حكاية الطفولة الفلسطينية في يوم الطفل الفلسطيني

“خطواتٌ صغيرة تركض نحو الضوء: حكاية الطفولة الفلسطينية في يوم الطفل الفلسطيني” بقلم : غدير حميدان الزبون


لن أنسى تلك الأيام التي كنت أخطو فيها بيدي الصغيرة بين كفوف إخوتي وأخواتي، وأعبرُ من قلب مدينة بيت لحم نحو مخيم عايدة الصمود، إذْ تقودنا الطرقات الضيقة إلى مدرسة وكالة الغوث.


تتسابق خطواتنا مع الصباح، وتتمايل حقائبنا الثقيلة مسرعة نحو سرّ الرحلة. يلمع في ذهني حلمٌ كبير يكبر معي.
إنها فلسطين التي لا تبرح مكانها في خيالي، ومفتاحٌ قديم يتدلّى في الذاكرة في حكايةٍ لم تكتمل لبيت جدي في قريتنا المالحة إحدى قرى القدس المهجّرة، وعلمٌ زاهٍ يرفرف في عينيّ قبل أن أراه في السماء.


أعيش عامي السادس مع بداية انتفاضة الحجارة، وأصغي لضجيجٍ يملأ المكان، ضجيجٍ يختلط فيه وقع الأقدام بنداءاتٍ عالية، فتتسارع نبضات القلب، وتتشبث يدي أكثر بيد أختي الأكبر مني.


أمضي نحو المدرسة وأنا أعبر حكايةً أكبر من عمري، أحمل في صدري خوفًا صغيرًا وحلمًا واسعًا، وأواصل الطريق بعينين مفتوحتين على درسٍ أول في الحياة، ليتشكل الوعي باكرًا، وتكبر الطفولة وهي تمسك بخيط الأمل.


تركضُ الخطى الصغيرة فوق ترابٍ يحفظ أسماء العابرين، وتفتحُ العيونُ دهشتها على سماءٍ تختزن حكاياتٍ أطول من العمر.


تنبضُ الأزقةُ بحركةٍ دافئة، وتتعالى ضحكاتٌ تشقّ طريقها بين تفاصيلٍ مشبعةٍ بالذاكرة.


تمضي الطفولةُ في فلسطين كرحلةٍ مكتوبةٍ بالحياة، رحلةٍ تتقاطع فيها البراءة مع التجربة، ويتحوّل فيها اللعبُ إلى لغةٍ تحمل معنى أعمق من مجرد لحظة عابرة.


تحملُ الذاكرةُ الأولى صورًا متداخلة ليدٍ صغيرة تمسك بحقيبةٍ أثقل من وزنها، وعينين تلتقطان تفاصيل المكان بحسٍّ يقظ، وقلبٍ يتعلّم قراءة الإشارات مبكرًا. تنمو الحكاياتُ داخل الأطفال كما تنمو الأشجار، وتمتد جذورها في الأرض، وتعلو أغصانها نحو الضوء.


تتناقلُ الأجيالُ سردياتٍ عن البيوت الأولى، وعن الطرقات التي عبرها الأجداد، وعن أصواتٍ ما زالت تعيش في الأغاني والهمسات.


يتشكّلُ الحاضرُ كلوحةٍ متحركة تعلوها أقلامٌ ترسم الوطن بألوانٍ زاهية، وألعابٌ تُبتكر من تفاصيل بسيطة، ووجوهٌ تتقن صناعة الفرح وسط زخم الأيام.


يتعلّم الطفل الفلسطيني مبكّرا على غير عادة أقرانه من أطفال العالم.


يتعلم كيف يوازن بين ما يراه وما يحلم به، فينسج من يومه حكايةً جديدة، ويمنح اللحظة معنى يستحق أن يُروى. تتحوّلُ الجدران إلى دفاتر، وتصبح الساحات مسارح لخيالٍ واسع، يبتكر من الممكن آفاقًا أبعد.


يمتدُّ المستقبلُ كأفقٍ مفتوح، يحمل في طياته وعودًا تنمو مع كل حلمٍ صغير. تتقدّم الخطواتُ بثبات، وتكبر الأمنيات مع كل تجربة، وتتشكل ملامح الغد في عيونٍ تعرف الطريق.


يكتبُ الأطفالُ فصولهم القادمة بإرادةٍ نابضة، ويمنحون الزمن اتجاهًا جديدًا، فتتلاقى الذاكرة مع الأمل، وتصبح الحكاية استمرارًا لحياةٍ تتجدد.


تزهرُ الطفولةُ في كل زاوية، وتولدُ الضحكاتُ من قلب التفاصيل، وتعلو الأصواتُ بأغنياتٍ تحمل روح المكان. تتجسدُ القدرة على النهوض في كل محاولة، وتُصاغ القوة من لحظاتٍ صغيرةٍ تتراكم حتى تصير معنى كبيرًا. يواصلُ الأطفالُ رسم ملامح أيامهم، ويصنعون من اللحظة مساحةً للحلم، ويحوّلون الذاكرة إلى جسرٍ يعبر نحو غدٍ يليق ببراءتهم.


في يوم الطفل الفلسطيني تتلألأ الحكاياتُ كنجومٍ قريبة، وتُروى القصصُ بصوتٍ يحمل دفء الأرض ونبضها. تتقدّم الكلماتُ لتحتفي بروحٍ تنبض بالحياة، وتستمرُّ الطفولةُ كقصةٍ تُكتب كل يوم، فيتجدد المعنى، ويكبر الأمل، وتبقى الذاكرة حيةً تحمل ملامح الطريق.


تتسلّلُ التفاصيلُ الدقيقة لتغني المشهد أكثر والمزيد من رائحة الخبز في الصباح والتي تُوقظ الحكايات، والعديد من خطوات الأطفال نحو مدارسهم لترسم إيقاع يومٍ جديد، وتستمر أصواتُ اللعب الشعبي في الحارات لتعيد ترتيب الفرح في القلب.


تتشكّلُ علاقةٌ عميقة بين الطفل والمكان، فيحفظُ الحجرُ ملامحه، وتحتضنُ الأشجارُ أسراره، وتُصبح الأرضُ رفيقةً يوميةً تُصغي لكل نبضة.


تتقدّمُ الذاكرةُ كمرآةٍ حية تعكس وجوهًا صغيرة تحمل ملامح الصبر والإصرار. ينمو الإدراكُ مع كل تجربة، وتتفتحُ الروح على معانٍ تتجاوز العمر، فتغدو الطفولة مساحةً للوعي المبكر، ومسارًا يختزن حكمةً تولد من قلب التجربة. تتعانقُ البراءة مع القوة، ويتحوّل الشعورُ إلى طاقةٍ تدفع نحو الاستمرار.


تنبثقُ الأحلامُ كطيورٍ تحلّق في فضاءٍ واسع، لترسم مساراتها فوق حدود الواقع، وتبحث عن أفقٍ يليق بصفائها. يخطّ الأطفالُ ملامح عالمهم الخاص، ويلوّنون دفاترهم بأمنياتٍ واضحة، ويصوغون من خيالهم حقولًا من الضوء. تتقدّمُ الرغبةُ في الحياة كنبضٍ دائم يوقظ فيهم القدرة على تخيّل غدٍ أجمل.


تترسّخُ القيمُ في وجدانهم عبر تفاصيل يومية تتمثّل في التعاون في اللعب، والمشاركة في الحلم، والقدرة على تحويل اللحظات الصغيرة إلى ذاكرةٍ كبيرة.


تتشكّلُ الهُويةُ من كلّ ذلك الوعي المبكّر كخيطٍ متين يربط بين الماضي والحاضر، ويمنح المستقبل جذورًا ثابتة.
يكبرُ الطفل وهو يحمل في داخله حكاية شعب، ويمنحها صوته وصورته وحلمه.


تتواصلُ الحكايةُ، وتكبرُ مع كل طفلٍ يضيف سطرًا جديدًا، وتستمرُّ الطفولةُ كقصيدةٍ مفتوحة، تتجدّد كلماتها مع كل صباح.


يشرقُ الأمل من بين التفاصيل، وتبقى الحياةُ حاضرةً بقوة، لتُعلن نفسها في عيون الأطفال، وتكتب عبرهم قصةً تستحق أنْ تُروى جيلاً بعد جيل.


أيها القارىءالواعي، لقد كان ذلك بقعةَ ضوءٍ تسلّلت من قلب الحكاية لتكشف ملامح شخصيةٍ بطوليةٍ تنبض تحت راية فلسطين.


هناك، إذْ يكبر المعنى في تفاصيلٍ صغيرة، ليتجلّى الطفل الفلسطيني، صغيرُ الحجم، عظيمُ الفِكر، واسعُ الحلم كأفقٍ لا ينتهي.


يمضي بخطاه الواثقة، ويحمل في عينيه حكاية وطن، وفي قلبه نبض قضية.


فارفَعوا له القبعاتِ إجلالًا، وامنحوه من الكلمات ما يليق بمقامه، فهو البداية التي تكتب المستقبل، وهو الحكاية التي تتجدّد، وهو الضوء الذي يقود الطريق.

شاهد أيضاً

مركز الاتصال الحكومي يرصد أهم التدخلات التي نفذتها الحكومة خلال الأسبوع الماضي

مركز الاتصال الحكومي يرصد أهم التدخلات التي نفذتها الحكومة خلال الأسبوع الماضي

شفا – أصَدَر مركز الاتصال الحكومي، اليوم الأحد، تقريرًا يُبرز أهم التدخلات التنموية والإصلاحية التي …