11:30 مساءً / 4 أبريل، 2026
آخر الاخبار

الغابة التي لا يُستجاب فيها الدعاء 61 حين صافح الأرنبُ من لا يملك جزرة… بقلم : د. وليد العريض

الغابة التي لا يُستجاب فيها الدعاء 61 حين صافح الأرنبُ من لا يملك جزرة… بقلم : د. وليد العريض

في تلك الغابة التي كانت تُوزَّع فيها الابتسامات بحسب حجم الفائدة، وتُقاس فيها الأخلاق بميزان المكاسب لا بميزان القيم، كانت العلاقات تُبنى كما تُبنى الصفقات وتُهدم كما تُهدم عند أول خسارة، وكان كل حيوانٍ يعرف جيدًا متى ينحني ومتى يبتسم ومتى يختفي، لأن السؤال لم يكن يومًا: من أنت، بل: ماذا تملك.


وفي زاويةٍ بعيدة من تلك الغابة وقف أرنبٌ بسيط لا يملك شيئًا يُغري ولا شيئًا يُخيف، يمرّ به الجميع دون أن يلتفتوا لأن حضوره لا يضيف ربحًا ولا يدفع ضررًا، حتى صار التجاهل له عادة راسخة، وصار وجوده كأنه اختبار صامت لصدق الآخرين لا ينجح فيه أحد.


وذات يوم مرّ به حيوانٌ لم يكن يبحث عن جزرة ولا يخشى نابًا، فوقف عنده وسلّم عليه وجلس إلى جواره دون حسابٍ أو تقديرٍ مسبق، ولم يسأله عمّا عنده ولم يزنه بميزان الغابة، بل عامله كما يُعامل الكائن حين يكون إنسانًا لا فرصة، وهنا تحديدًا ارتبكت الغابة لا لأن الفعل كبير بل لأنه نادر.


ضحكت الثعالب وهمست الضباع وتثاءبت الغربان وهي تدوّن في دفاترها أن هذه معاملة خاسرة، لأنهم لم يتعلموا إلا لغة الربح والخسارة، لكن ذلك الحيوان لم يكن يكتب في دفاترهم ولم يكن ينتظر شيئًا، لأنه لم يرَ في الأرنب صفقة مؤجلة بل رأى فيه قيمة تستحق أن تُحترم.


وفي تلك اللحظة الصغيرة انكشفت الغابة على حقيقتها لا بما فيها من أنياب بل بما فيها من فراغ، إذ بدا واضحًا أن كثيرًا من اللطف لم يكن سوى طُعم وأن كثيرًا من الودّ كان قناعًا مؤقتًا، وأن الأخلاق التي تُمارس عند الحاجة تختفي عند الاكتفاء، وأن الكرم الذي ينتظر المقابل ليس كرمًا بل حسابًا مؤجلًا.


أما الأرنب فقد لمعت عيناه لا لأنه كسب شيئًا بل لأنه لم يُعامل كشيء، ولأنه شعر للمرة الأولى أنه مرئي في غابة اعتادت أن ترى المصالح لا الكائنات، وهنا حدث التحول الحقيقي لا في المكان بل في المعنى، إذ فهمت بعض الحيوانات أن القيمة لا تُقاس بما نأخذ بل بما نعطي حين لا ننتظر.


ومنذ ذلك اليوم لم تتغير قوانين الغابة كثيرًا ولم تختفِ الحسابات ولم تسقط الصفقات، لكن فكرةً واحدة تسللت بهدوء في الظل، أن المقياس الحقيقي لأي كائن لا يظهر في تعامله مع من يحتاجهم، بل في طريقته مع من لا يملكون له نفعًا ولا يضرّونه بشيء.


وهكذا بقيت تلك اللحظة في غابةٍ لا يُستجاب فيها الدعاء شاهدًا صامتًا، لا لأنها غيّرت النظام بل لأنها كشفت زيفه، وأثبتت أن الأخلاق حين تتحرر من المصلحة تصبح حقيقة، وأن الإنسان لا يُعرف حين يأخذ بل حين يمنح دون سبب.

شاهد أيضاً

رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود أولمرت : إسرائيل ترتكب جرائم ضد الإنسانية وتطهيرا عرقيا في الضفة الغربية

رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود أولمرت : إسرائيل ترتكب جرائم ضد الإنسانية وتطهيرا عرقيا في الضفة الغربية

شفا – قال رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود أولمرت، إن إسرائيل ترتكب جرائم قتل وتطهير …