10:52 صباحًا / 31 مارس، 2026
آخر الاخبار

التشكيل التكراري في كليلة ودمنة ، دراسة تحليلية تطبيقية على قصة الأسد والثور من منظور تكراري ، بقلم : ربا رباعي

التشكيل التكراري في كليلة ودمنة ، دراسة تحليلية تطبيقية على قصة الأسد والثور من منظور تكراري

التشكيل التكراري في كليلة ودمنة ، دراسة تحليلية تطبيقية على قصة الأسد والثور من منظور تكراري ، بقلم : ربا رباعي

مقدّمة
يُعدّ كليلة ودمنة، الذي نقله إلى العربية عبد الله بن المقفع، نصًا سرديًا مؤسِّسًا يقوم على بنية مركّبة تتداخل فيها الحكمة بالحكاية. غير أنّ العنصر الأكثر حضورًا في تشكيل هذه البنية ليس الحدث وحده، بل التكرار بوصفه نظامًا مولِّدًا للمعنى.

فالتكرار في هذا النص لا يأتي عرضًا، ولا يُفهم بوصفه حشوًا بلاغيًا، بل هو آلية واعية لإعادة إنتاج الفكرة، وتكثيفها، وتوجيه المتلقي نحو تأويل محدّد. ومن هنا، فإنّ هذه الدراسة لا تكتفي برصد التكرار، بل تسعى إلى الكشف عن كونه بنية مهيمنة تؤطّر الخطاب كله.

الإشكالية
كيف يتحوّل التكرار في كليلة ودمنة من مجرّد ظاهرة أسلوبيّة إلى مبدأ بنيوي منظِّم للخطاب؟
وكيف يتجلّى هذا التحوّل بوضوح في قصة “الأسد والثور”؟

أولًا: التكرار بوصفه بنية دلالية

يرى عبد القاهر الجرجاني أنّ إعادة اللفظ ليست تكرارًا أجوف، بل هي توكيد للمعنى إذا اقتضاه السياق. غير أنّ التكرار في كليلة ودمنة يتجاوز هذا التصوّر، إذ يصبح:

إعادة للفكرة لا للفظ فقط
وإعادة للصيغة لا للتركيب فقط
وإعادة للبنية لا للحكاية فقط
أي أنّنا إزاء تكرار متعدد المستويات يُنتج شبكة من الإحالات الداخلية.
ثانيًا: تجليات التكرار في بنية النص

  1. التكرار اللفظي بوصفه تثبيتًا للمعنى

يتكرّر المعجم المرتبط بالحذر والعقل والعداوة، في صيغ متقاربة، مثل:
“العاقل لا يُخدع…”
هذا التكرار لا يضيف جديدًا على مستوى المعنى الظاهر، لكنه يُعيد شحن الدلالة، ويُحوّلها إلى ما يشبه القانون الأخلاقي.

  1. التكرار التركيبي بوصفه تأطيرًا للسرد

تتكرّر صيغة:
“زعموا أنّ…”

وهذا التكرار لا يؤدي وظيفة افتتاحية فحسب، بل يخلق إيقاعًا سرديًا ثابتًا، يجعل المتلقي يتوقع بنية الحكمة قبل ورودها.

  1. التكرار الحكائي بوصفه إنتاجًا للمعنى

الحكايات في النص لا تتتابع، بل تتكرّر دلاليًا، إذ تعيد كل حكاية إنتاج الفكرة نفسها ضمن سياق مختلف.
وهنا يصبح التكرار آلية توليد، لا مجرد إعادة.
ثالثًا: التكرار في قصة الأسد والثور — تحليل تطبيقي
تمثّل قصة “الأسد والثور” ذروة التشكيل التكراري، إذ تتكثّف فيها جميع مستوياته.

  1. تكرار فكرة الخطر: من الإشارة إلى اليقين

يبدأ دمنة بإشارة خفيفة إلى خطر الثور، ثم يعيد الفكرة بصيغ متعددة:
مرة بوصفه “عدوًا محتملًا”
ومرة بوصفه “خصمًا خفيًا”
ومرة بوصفه “خطرًا محققًا”

هذا التدرّج التكراري يحوّل الفكرة من احتمال إلى يقين، وهو ما يكشف أنّ التكرار هنا تصاعدي لا دائري.

  1. التكرار الحجاجي: إعادة القول لتغيير الموقف

يعيد دمنة الفكرة ذاتها عبر:

الأمثال
القصص الفرعية
التحذيرات المباشرة

وهنا لا يكون التكرار إعادة شكلية، بل هو إعادة استراتيجية تهدف إلى:
زعزعة ثقة الأسد
إعادة تشكيل وعيه
توجيه قراره

أي أنّ التكرار يتحوّل إلى أداة سلطة خطابية.

  1. التكرار البنيوي: الحكاية داخل الحكاية

كل حكاية فرعية يوردها دمنة ليست سوى نسخة دلالية مكرّرة من الحكاية الكبرى.

فجميعها تعيد إنتاج فكرة واحدة:
“الثقة بالآخر قد تكون مدخلًا للهلاك.”
وهكذا، يصبح النص شبكة من التكرارات المتداخلة.

  1. التكرار بوصفه تفكيكًا للصداقة

العلاقة بين الأسد والثور تقوم في البداية على الثقة، لكن دمنة يعيد تفكيك هذه العلاقة عبر التكرار:
تكرار الشك
تكرار التحذير
تكرار التأويل السلبي
ومع كل تكرار، تتآكل الثقة، إلى أن تنهار تمامًا.

  1. التكرار والإيقاع النفسي

يُحدث التكرار أثرًا نفسيًا عميقًا، إذ يعمل على:

ترسيخ الفكرة

إضعاف المقاومة الذهنية

خلق استجابة تدريجية

وهذا ما يجعل الأسد ينتقل من الطمأنينة إلى الخوف، ثم إلى العنف.

رابعًا: الأبعاد العميقة للتكرار

  1. التكرار كأداة تعليم

إعادة الفكرة تجعلها أكثر رسوخًا.

  1. التكرار كأداة إقناع

تكرار القول يخلق ما يشبه “الحقيقة الخطابية”.

  1. التكرار كأداة جمالية

يُنتج إيقاعًا داخليًا للنص.

  1. التكرار كبنية سلطة

يمنح المتكلم (دمنة) القدرة على توجيه الآخر.

خاتمة

يتّضح أنّ التكرار في كليلة ودمنة ليس ظاهرة عرضية، بل هو جوهر البناء السردي. وفي قصة “الأسد والثور”، يتجلّى هذا التكرار بوصفه قوة فاعلة تُعيد تشكيل الواقع داخل النص، وتوجّه الشخصيات، وتُنتج المعنى.

لقد نجح عبد الله بن المقفع في تحويل التكرار من أداة بلاغية إلى نظام فكري وسردي متكامل، وهو ما يجعل النص قابلًا لقراءات حديثة في ضوء تحليل الخطاب والنقد البنيوي.

المراجع

كليلة ودمنة — عبد الله بن المقفع.
عبد القاهر الجرجاني — دلائل الإعجاز.
صلاح فضل — بلاغة الخطاب وعلم النص.
محمد مفتاح — تحليل الخطاب الشعري.
تزفيتان تودوروف — مدخل إلى الأدب العجائبي.
ألف ليلة وليلة.

  • – ربا رباعي/ الاردن

شاهد أيضاً

قوات الاحتلال تشن حملة اعتقالات واسعة تطال 27 مواطناً بالضفة الغربية

شفا – شنت قوات الاحتلال الإسرائيلي، فجر اليوم الثلاثاء، حملات دهم في مناطق متفرقة بالضفة …