
بيت أمرين… حين تضيق الأرض وتتّسع الروح ، بقلم : سماحه حسون
في بيت أمرين، لا تُقاس المسافات بالكيلومترات، بل بمقدار ما يضيق القلب كلما اقتربت خطوات الغريب من الحقول. هنا، الطريق ليس طريقًا فقط، بل اختبار يومي للثبات؛ ذهابًا وإيابًا، كأن القرية تمشي على خيطٍ مشدود بين الحياة وما يُراد لها.
الاستيطان حول القرية ليس حدثًا طارئًا، بل حالة مستمرة من التمدد البارد، كأنّه زمنٌ آخر يُفرض بالقوة على زمنٍ أقدم، أصدق، وأعمق. المستوطنات لا تكتفي بأن تكون على التلال؛ إنها تحاول أن تنزل إلى تفاصيل الحياة: إلى الماء، إلى الطريق، إلى ظلّ الشجرة، وحتى إلى شعور الأمان البسيط الذي كان يومًا حقًا بديهيًا.
أما قطعان المستوطنين، فهي ليست مجرد وجوهٍ عابرة. هي حضورٌ ثقيل، يقتحم النهار بلا مواعيد، ويترك خلفه ارتباكًا لا يُرى، لكنه يُحسّ في كل حركة، في كل نظرة، في كل بابٍ يُغلق أبكر من المعتاد.
ومع ذلك، لا تُكتب حكاية بيت أمرين بالحزن وحده.
ثمة شيءٌ أعمق من الخوف، شيءٌ يشبه الإصرار الصامت.
أهل القرية لا يعيشون البطولة كفكرة، بل كعادة يومية: أن تذهب إلى أرضك رغم القلق، أن تعتني بشجرتك رغم التهديد، أن تضحك مع جارك رغم كل شيء
في بيت أمرين، تتحول التفاصيل الصغيرة إلى معانٍ كبيرة.
فنجان القهوة على عتبة البيت ليس مجرد عادة، بل إعلان غير مكتوب: نحن هنا، وما زلنا نعيش.
ضحكة طفل في زقاق ضيّق ليست لحظة عابرة، بل مقاومة من نوعٍ آخر، مقاومة تُربك كل محاولات الكسر.
إلى أين تمضي القرية في ظل هذا كله؟
ربما لا تمضي إلى الأمام كما تُحب الخرائط أن تُظهر، لكنها أيضًا لا تعود إلى الوراء.
إنها تمضي في اتجاهٍ مختلف: نحو التمسك، نحو التجذّر، نحو أن تكون أكثر نفسها رغم كل ما يُراد لها أن تكون غير ذلك.
بيت أمرين لا تنتظر خلاصًا مفاجئًا، ولا تعيش على وعود بعيدة.
هي تعرف أن يومها يُصنع هنا، بين بيتٍ مهدد وأرضٍ مُراقبة وسماءٍ مفتوحة على الاحتمالات.
ومع ذلك، تختار أن تُكمل.
لأن القرى، حين تُحاصر، لا تموت بسهولة.
إنها تتقن فنّ البقاء… وتُتقن أكثر كيف تُخفي قوتها في الأشياء البسيطة.
وهكذا، تظلّ بيت أمرين تمشي لا على الطرق فقط بل على معنى أعمق للحياة:
أن تكون موجودًا، رغم كل ما يُراد لك أن تغيب.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة أنباء فلسطينية مستقلة | من قلب الحدث ننقل لكم الحدث .