1:04 صباحًا / 18 مارس، 2026
آخر الاخبار

رؤية شرق أوسطية: القواعد الأمريكية في الشرق الأوسط .. منظومة ردع أم جزء من الصراع؟

رؤية شرق أوسطية: القواعد الأمريكية في الشرق الأوسط .. منظومة ردع أم جزء من الصراع؟

شفا – شينخوا – أثارت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران تساؤلات جدية حول جدوى القواعد العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط، لاسيما في دول الخليج، التي تتعرض لهجمات إيرانية متواصلة منذ بدء الحرب في 28 فبراير الماضي.

ووفق مراقبون، تحدثوا لوكالة أنباء ((شينخوا))، فإن القواعد الأمريكية لعبت طوال العقود الماضية دورا كـ “عنصر ردع” لكن الحرب على إيران أظهرت وجهها الأكثر تعقيدا.

وأوضح المراقبون، أن استخدام بعض هذه القواعد كنقاط انطلاق لعمليات عسكرية ضد إيران حولها إلى “جزء من الصراع”، وبالتالي إدخال الدول المضيفة في دائرة الاستهداف حتى لو لم تكن طرفا مباشراً في النزاع.

وبينما رأى بعض من المراقبين أن وجود القواعد “لا يبرر شن هجمات على دول الخليج واستهداف بنى تحتية مدنية كالمطارات وغيرها”، أكد آخرون أن القواعد الأمريكية “عبء” على المنطقة، ولا توفر الأمن لدول الخليج.

ومع ذلك، اتفقوا على ضرورة قيام دول الخليج ببناء منظومة أمنية أكثر توازنا تقوم على تعزيز القدرات الدفاعية الوطنية، وتوسيع مجالات التعاون الأمني الإقليمي، وتنويع الشراكات الاستراتيجية مع القوى الدولية.

وتتعرض دول الخليج لهجمات بمسيرات وصواريخ إيرانية في إطار رد طهران على الهجوم الأمريكي الإسرائيلي المتواصل على الجمهورية الإسلامية منذ 28 فبراير الماضي، وطالت هذه الهجمات القواعد العسكرية الأمريكية، قبل أن تتوسع لتشمل مطارات وموانئ ومنشآت أخرى في هذه الدول.

  • تساؤلات حول جدوى القواعد الأمريكية

وقال الكاتب الصحفي الإماراتي محمد الحمادي، إن الحرب في المنطقة أعادت طرح تساؤلات جوهرية حول دور القواعد العسكرية الأجنبية ومستقبل الاستراتيجيات الدفاعية في دول الخليج.

وأضاف الحمادي أن القواعد العسكرية الأمريكية توفر من ناحية عنصر ردع إضافي وتعزز التنسيق العسكري والدفاع الجوي، ما يرفع كلفة أي اعتداء محتمل، لكنها من ناحية أخرى قد تجعل الدول المضيفة جزءاً من حسابات التصعيد الإقليمي، وبالتالي عرضة للاستهداف في أوقات التوتر.

وأوضح أن التعامل مع هذه القواعد يجب ألا يقوم على الرفض المطلق أو القبول غير المشروط بل على معيار المصلحة الوطنية والسيادة، مشدداً على ضرورة ضمان عدم استخدام تلك القواعد لزج الدول في صراعات لا تخدم مصالحها أو جعلها طرفاً في حروب لا ترغب فيها.

وشاطره الرأي المحلل السياسي القطري أنس بن زياد بقوله إن الجدل حول القواعد الأمريكية في دول الخليج ليس جديدا لكنه عاد اليوم بقوة مع تصاعد التوترات الإقليمية واتساع رقعة الصراع.

وأشار إلى أن هذه القواعد أُنشئت أساساً في سياق ترتيبات أمنية ظهرت بعد تحولات كبرى في المنطقة، خاصة بعد حرب الخليج، حين اعتبر الوجود العسكري الأمريكي جزءاً من منظومة ردع تهدف إلى حماية الممرات البحرية الحيوية وضمان استقرار تدفقات الطاقة العالمية.

وتابع “غير أن التطورات الأخيرة أظهرت وجها أكثر تعقيدا لهذه المعادلة، فمن ناحية لا يمكن إنكار أن الوجود العسكري الأمريكي لعب دوراً في ترسيخ توازن ردع إقليمي طوال العقود الماضية، وساهم في بناء قدرات دفاعية مشتركة وتبادل معلومات استخباراتية وتطوير أنظمة إنذار مبكر ضد التهديدات الصاروخية والجوية”.

واستدرك “لكن من ناحية أخرى تصاعد الصراعات الإقليمية وتحولت بعض القواعد إلى نقاط انطلاق لعمليات عسكرية جعلها جزءاً من معادلة الصراع نفسها، ففي بيئة جيوسياسية متوترة قد يؤدي وجود قواعد عسكرية لقوة كبرى إلى إدخال الدول المضيفة في دائرة الاستهداف غير المباشر حتى لو لم تكن هذه الدول طرفاً مباشراً في النزاع”.

وذهب إلى الرأي نفسه الخبير السعودي علي الحارثي، بقوله إن القواعد الأمريكية لعبت خلال العقود الماضية دورا مهماً في دعم الاستقرار الإقليمي وحماية الممرات البحرية الحيوية، لكن التطورات الأخيرة، بما في ذلك تصاعد التوترات العسكرية في المنطقة، أعادت طرح تساؤلات حول طبيعة هذا الوجود العسكري وحدوده.

وأوضح الحارثي أن الجدل المتصاعد حول القواعد الأمريكية في الخليج يعكس مرحلة “مراجعة استراتيجية” تمر بها المنطقة في ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة.

وأشار إلى أن بعض الهجمات التي استهدفت مواقع عسكرية ومنشآت طاقة في المنطقة أظهرت أن “القواعد الأجنبية قد تصبح أحياناً جزءاً من حسابات الصراع، وهو ما يدفع إلى التساؤل حول كلفة هذا الوجود مقارنة بالفوائد الأمنية التي يوفرها”.

لكن الدكتور مختار غباشي الأمين العام لمركز (الفارابي للدراسات) في مصر اعتبر أن القواعد الأمريكية “آفة خطيرة” وسبب من أسباب الجدل الدائر بين إيران ودول الخليج، على اعتبار أن إيران تتعرض لـ”عدوان خسيس” من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل، وترد عليه باستهداف المصالح الأمريكية، ومن بينها القواعد العسكرية.

وأكد غباشي أن الحرب الجارية أثبتت أن هذه القواعد العسكرية لا توفر الحماية لدول الخليج، التي اضطرت إلى التدخل لحماية هذه القواعد من الطائرات المسيرة والصواريخ الباليستية التي تنطلق من إيران، على حد قوله.

ورأى أن “هذه القواعد بالمطلق هي للمصلحة الأمريكية الإسرائيلية وليست للدفاع عن الدول المستضيفة”، مذكرا بواقعة استهداف إسرائيل لقادة حركة المقاومة الإسلامية (حماس) في الدوحة، حيث لم تتصدى القاعدة الأمريكية هناك للصواريخ الإسرائيلية، على حد تعبيره.

وفي 9 سبتمبر 2025، نفذ الجيش الإسرائيلي هجوما استهدف قادة حماس أثناء اجتماعهم في الدوحة لمناقشة مقترح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لوقف إطلاق النار في قطاع غزة، وهو الهجوم الذي أدانته قطر والدول الإسلامية بشدة.

وتابع غباشي “أتصور بعد انتهاء هذه الحرب ستكون هناك دراسة متأنية حول مدى حجية وجود هذه القواعد العسكرية، التي تشكل عبئا على دول المنطقة”.

إلا أن الكاتب في صحيفة ((الوطن)) السعودية فهد عريشي رأى أن “وجود المنشآت العسكرية الأمريكية في السعودية يرتبط بشكل أساسي بالشراكة الدفاعية العريقة بين البلدين، حيث يستورد جزء كبير من الأنظمة العسكرية السعودية لاسيما أنظمة الدفاع الجوي من الولايات المتحدة، لذا فإن هذه المنشآت تخدم في المقام الأول أغراضا مثل التدريب المشترك والدعم الفني والصيانة”.

وأكد أن “وجود هذه المنشآت لا يبرر شن هجمات على دول الخليج واستهداف بنى تحتية مدنية كالمطارات وغيرها”، مشيرا إلى أن السعودية أكدت مرارا وتكرارا أنها لن تسمح باستخدام أراضيها أو مجالها الجوي في أي عمل عسكري ضد إيران أو أي دولة مجاورة.

بدوره، أوضح شربل بركات رئيس قسم الأخبار الدولية بصحيفة (الجريدة) الكويتية أنه “من المستبعد جدا أن تنظر دول الخليج إلى القواعد العسكرية الأمريكية كتهديد مباشر”، قبل أن يضيف “ومع ذلك، أبرزت النزاعات الأخيرة حدود الضمانات الأمنية الأمريكية وعدم القدرة على التنبؤ بها، ما يدفع دول الخليج إلى إعادة تقييم استراتيجياتها الدفاعية”.

وأردف أنه “على المدى المتوسط، يتوقع أن تنوع هذه الدول شراكاتها الأمنية مع بروز دول مثل الصين كشركاء واعدين لتعزيز الخيارات الاستراتيجية وبناء بنية أمنية أكثر مرونة وتوازنا”.

لكن رئيس مجلس الشورى الإسلامي (البرلمان) الإيراني محمد باقر قاليباف، أكد أن “الحرب أثبتت أن القواعد الأمريكية لا توفر الأمن لأي دولة، وكل من تكسوه أمريكا سيكون عاريا بكل ما للكلمة من معنى”.

  • ليس خيارا واقعيا

ودعا الخبراء، دول الخليج إلى مقاربة أمنية متعددة المستويات تحقق قدرا أكبر من الاستقلالية والاستدامة للأمن الخليجي، من خلال بناء قدرات ردع ذاتية، وتعزيز التعاون الإقليمي، والحفاظ على الشراكات الدولية.

وحذر أنس بن زياد، من أن الاعتماد الكبير على مظلة أمنية خارجية قد يحد أحيانا من قدرة الدول على صياغة مقاربات أمنية أكثر استقلالية، وقد يربط أمن المنطقة بتقلبات السياسة الدولية.

وأكد أن التحدي الحقيقي أمام دول الخليج يتمثل في إيجاد توازن دقيق بين الاستفادة من التحالفات الدولية القائمة وبين تعزيز قدراتها الدفاعية الذاتية، بما يسمح لها بالحفاظ على أمنها دون أن تصبح جزءاً من صراعات لا ترغب في الانخراط فيها.

بدوره، رأى الحمادي أن الاعتماد الكامل على طرف خارجي لم يعد “خيارا واقعيا”، مشيرا إلى أن النهج الإماراتي مثلا تطور منذ حرب الخليج باتجاه تعزيز القدرات الذاتية بالتوازي مع الحفاظ على التحالفات الدولية.

وأضاف أن الإمارات تعمل على تنويع مصادر التسليح وتطوير صناعاتها الدفاعية تدريجياً، بما يحقق قدراً أكبر من الاستقلالية الاستراتيجية دون التخلي عن الشراكات الأمنية القائمة.

  • مقاربة متعددة المستويات

ورأى بن زياد أن “المرحلة المقبلة قد تشهد تحولات تدريجية في طريقة تفكير دول الخليج بشأن أمنها الإقليمي، فالتجارب الأخيرة أظهرت أن الاعتماد على طرف واحد في منظومة الأمن قد لا يكون كافياً لمواجهة التحديات المعقدة بالمنطقة”.

ورجح أن تسعى دول الخليج إلى “تبني مقاربة متعددة المستويات، أول هذه المستويات يتمثل في تعزيز القدرات الدفاعية الوطنية عبر تطوير الصناعات العسكرية المحلية والاستثمار في أنظمة الدفاع الجوي والصاروخي والتقنيات السيبرانية، فبناء قدرات ردع ذاتية أصبح أحد الاتجاهات البارزة في السياسات الدفاعية الحديثة”.

ويتعلق المستوى الثاني، وفق بن زياد، بـ “تعزيز التعاون الأمني الإقليمي، فدول الخليج تمتلك بالفعل إطاراً مؤسسياً يتمثل في مجلس التعاون الخليجي، وقد يشهد المستقبل مزيداً من التنسيق في مجالات الدفاع المشترك”.

بينما يتعلق المستوى الثالث بـ “استمرار الشراكات الاستراتيجية مع القوى الدولية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، فهذه الشراكات ما تزال تشكل جزءاً مهماً من منظومة الأمن في المنطقة، خاصة في ظل التفوق العسكري والتكنولوجي الذي تمتلكه هذه القوى”.

وأوضح أن “الاتجاه الأكثر واقعية قد لا يكون الاستغناء عن أي من هذه الخيارات، بل الجمع بينها ضمن معادلة متوازنة، فبناء قدرات وطنية قوية، وتعزيز التعاون الإقليمي، والحفاظ على الشراكات الدولية يمكن أن يشكل معاً نموذجاً أكثر استدامة للأمن الخليجي في مرحلة تتسم بتزايد عدم اليقين في النظام الدولي”.

واتفق الحارثي مع سابقه، بقوله إن دول الخليج تسعى اليوم إلى بناء منظومة أمنية أكثر توازنا تقوم على ثلاثة عناصر رئيسة، هي تعزيز القدرات الدفاعية الوطنية، وتوسيع مجالات التعاون الأمني الإقليمي، والحفاظ في الوقت نفسه على الشراكات الاستراتيجية مع القوى الدولية.

وأشار إلى أن التحدي الحقيقي يكمن في تحقيق “توازن دقيق” بين هذه العناصر، بحيث تتمكن دول المنطقة من حماية مصالحها الاستراتيجية، مع تقليل احتمالات انجرارها إلى صراعات دولية لا تشكل بالضرورة أولوية مباشرة لأمنها الوطني.

وتبنى الحمادي الرأى نفسه، بتأكيده أن الدول العربية باتت تميل إلى تنويع علاقاتها الدولية، موضحا أن الأمن الوطني يعتمد أولا على القدرات الذاتية، مع استمرار التعاون مع الولايات المتحدة وقوى دولية أخرى ضمن إطار شراكات متعددة، نظراً لاختلاف مصالح وأولويات القوى الكبرى.

وقال إن الحرب كشفت لدول الخليج أهمية الاستثمار بشكل أكبر في قدراتها العسكرية، لافتا إلى أن هذه الدول اضطرت خلال التصعيد الأخير إلى الاعتماد بدرجة أساسية على إمكاناتها الدفاعية الذاتية، رغم وجود قوى دولية كبرى في المنطقة.

وأوضح الحمادي أن الصراع الحالي قد يدفع الدول العربية نحو “توازن استراتيجي جديد قائم على تنويع الشراكات الأمنية والسياسية دون الانخراط في محاور متصارعة”.

لكن عريشي أوضح أن السعودية على سبيل المثال “لطالما سعت إلى تجنب الاعتماد على مصدر واحد للقدرات العسكرية، وعندما رفضت الولايات المتحدة بيع بعض أنظمة الصواريخ في الماضي، اتجهت السعودية إلى دول أخرى للحصول على تلك الصواريخ، ويعكس هذا استراتيجية أوسع لتنويع الشراكات الدفاعية”، على حد قوله.

ونوه بأنه “منذ العام 2017، أطلقت السعودية برنامجا لتوطين الصناعات العسكرية، بهدف تقليل الاعتماد على المصادر الخارجية وبناء قدرات دفاعية محلية متقدمة”.

وأشار إلى أنه “على المدى البعيد، تسعى السعودية للحفاظ على علاقات متوازنة مع شركائها، مع تعزيز قدراتها الذاتية بما يدعم الاستقرار الإقليمي والتعايش السلمي مع الدول المجاورة، بما فيها إيران”.

أما لويجي مارتينو الباحث بجامعة خليفة الإماراتية فقال إن “الإيرانيين استهدفوا (خلال الحرب الجارية) الإمارات أكثر من إسرائيل، ورغم التفاوت الكبير في الموارد البشرية والجغرافية لصالح إيران، أظهرت الإمارات قدرات ردع ودفاع متطورة”.

وأضاف أن “هذا ليس نتيجة حظ أو اعتماد على الدفاع الذي توفره القواعد الأمريكية على أراضيها بل نتاج نهج حكيم تطور على مر السنين، يجمع بين تحالفات قائمة على الحياد المتوازن في الأزمات الدولية، ورؤية استراتيجية قيادية، تهدف إلى التحول من دولة تستورد القدرات الدفاعية إلى دولة تطور قدرات تكنولوجية متقدمة لأمنها القومي والعسكري”.

وتابع “لقد أثمر هذا المزيج من التحالفات والقدرات الوطنية عن بنية دفاعية متعددة الطبقات تعد من بين الأكثر تطورا في العالم”، مشيرا إلى أن “أبوظبي بنت شكلا من أشكال الردع الشبكي الذي يجمع بين أحدث التقنيات، والتكامل المنهجي، والتحالفات الدولية المتنوعة القائمة على سمعة راسخة وموثوقة”.

شاهد أيضاً

رزكار عقراوي

الجذور الطبقية والسياسية لأزمة اندماج اللاجئين في الدول الاسكندنافية، الدنمارك نموذجاً ، بقلم : رزكار عقراوي

الجذور الطبقية والسياسية لأزمة اندماج اللاجئين في الدول الاسكندنافية، الدنمارك نموذجاً ، بقلم : رزكار …