
رحلة الانسان بين الوهم والحقيقة ، بقلم : ابتهال عبدالوهاب
يولد الانسان نقيا، خفيفا، بلا تاريخ ولا اقنعة.
لا يعرف عن العالم سوى الدهشة، ولا يعرف عن نفسه سوى ذلك النبض الصغير الذي يعلن حضوره في الوجود.
ثم تبدأ الحياة في كتابة سطورها على صفحته البيضاء.
شيئا فشيئا تتراكم التجارب، وتتسرب الاوهام، وتتشكل الاقنعة.
فيتعلم الانسان ان يكون شيئا اخر غير نفسه:
يتعلم الخوف قبل الشجاعة،
والتقليد قبل الاكتشاف،
والاجابة قبل السؤال.
وهكذا، قبل ان يعرف ذاته، يجد نفسه غارقا في ادوار لا حصر لها.
مرة يكون الابن الذي يجب ان يشبه اسلافه،
ومرة المواطن الذي يجب ان يطيع نظامه،
ومرة المؤمن الذي يجب ان يخاف سماء يفسرها له الكهنة،
ومرة الفرد الذي يجب ان ينحني لقوانين الجماعة حتى لو خنقت روحه.
في البداية كان ضعيفا، ثم اكتسب قوة.
لكن المفارقة ان القوة التي يكتسبها كثيرا ما تكون قوة وهمية:
قوة المكانة، او السلطة، او الشهرة، او اليقين المطلق.
فيتوهم الانسان، لبرهة عابرة، انه محور هذا الكون،
وانه الكائن الذي تدور حوله الاشياء.
لكن الحياة، بصرامتها الفلسفية، لا تترك احدا طويلا في هذا الوهم.
فمع مرور الزمن، ومع كل خيبة، ومع كل سؤال لم يجد جوابا،
يكتشف الانسان الحقيقة القديمة:
انه لم يكن سوى عابر في هذا الوجود الهائل.. وهنا تبدأ الرحلة الحقيقية.
فالحياة، في جوهرها، ليست خطا مستقيما بل دائرة خفية يعود الانسان فيها دائما الى نقطة البداية.
غير ان العودة هذه المرة ليست عودة الجهل،
بل عودة الحكمة.
يعود الانسان متعبا من ادواره الكثيرة ومن شخصياته المتعددة ومن الاقنعة التي التصقت بوجهه حتى كاد ينسى ملامحه الاولى.
فيخلعها واحدا بعد الاخر،
كما يخلع المسافر ثيابه الثقيلة بعد رحلة طويلة في العاصفة.
عندها فقط يبدأ السؤال الحقيقي:
من انا؟
لكن مأساة انسان اليوم انه يبحث عن هذا السؤال وسط عالم صاخب لا يسمح له بالانصات الى ذاته.. عالم تحاصره فيه قوى متعددة:
كهنة يهددونه بالسماء،. وطغاة يهددونه بالسجون،
ونخب مزيفة تصنع حوله متاهات من الافكار الجاهزة.
فيتحول الوجود الى مسرح كبير،لكل فرد فيه دور مكتوب مسبقا.
مجتمع يطالبك ان تكون نسخة اخرى من الجميع،
ان تفكر كما يفكرون، وتؤمن كما يؤمنون، وتحلم كما حلموا من قبل.
فان خرجت عن النص قليلا، و نظروا اليك كما لو انك خلل في النظام.
وهكذا ينشأ انسان بلا ملامح خاصة،، انسان يشبه من قبله ويكرر ما قيل قبله،
حتى يصبح الوجود كله سلسلة طويلة من النسخ المتشابهة.
انها لعنة المجتمعات القطيعية؛
حيث يذوب الفرد في الحشد، وتختفي الاسئلة الكبيرة تحت ضجيج الاجابات السهلة.
ولهذا يقف الانسان دائما امام خيارين مؤلمين:
اما ان يفقد ذاته ليذوب في هذا الجمع الباهت،
او ان يعزل نفسه دفاعا عن تلك الشرارة الصغيرة التي ما زالت تسكن روحه.
لكن متى تتغير حياة الانسان حقا؟
يقول سقراط: حين يدرك انه لا يعرف.
ويقول سينيكا: حين يعرف حدود قدرته.
اما العظيم دوستويفسكي فيرى ان التحول يبدأ
عندما يتالم الانسان وحيدا، لان الالم الفردي يكشف له ان خلاصه لا يأتي من احد.
ويذهب نيتشه ابعد من ذلك حين يقول:
ان الانسان يتغير حين يتجاوز نفسه.
بينما يرى سارتر له رأي اخر فيقول..
ان لحظة التحول الحقيقية هي حين يؤمن الانسان بحريته.
اما شوبنهاور فيعتقد ان الانسان لا يتحرر الا عندما يتجاوز ارادته.
وفي نبرة سوداء ساخرة يقول سيوران:
ان الانسان يتغير حين يموت.
وفي وجهه نظري المتواضعه اقول :
تتغير حياة الانسان حين يلامس معنى لحياته. حين يكتشف ان وجوده ليس مجرد تكرار لما كان، ولا مجرد استجابة لما يريده الاخرون،
بل مغامرة شخصية لا يستطيع احد ان يعيشها نيابة عنه.
هنا تأتي القراءة، والفكر، والدهشة.
فالكتاب ليس مجرد كلمات؛ انه حياة اخرى تضاف الى حياتنا.
كل فكرة جديدة تفتح نافذة في العقل وكل سؤال جديد يحرر الروح خطوة اخرى من سجون اليقين الجامد.
ولهذا لا ينبغي للانسان ان يطمئن الى اجابة واحدة.
فالعقل الذي يتوقف عن السؤال يبدأ في الذبول.
اما الفضول،
ذلك القلق الجميل الذي يدفع الانسان الى البحث،
فهو الذي يجعل الفكر يقظا،
ويجعل الروح قادرة على اكتشاف العالم مرة بعد اخرى.
الفضول هو الباب الذي تدخل منه الرياح النقية الى العقل،
وهو الشك الذي يفتح الطريق امام الابداع.
وهكذا تنمو روح الانسان،
لا باليقين الصلب، بل بالاسئلة الحية.
وفي نهاية الرحلة،
حين ينظر الانسان الى حياته كلها،
يكتشف الحقيقة البسيطة التي كانت امامه منذ البداية:
انه لم يأت الى العالم ليكون نسخة من احد،
ولا ليؤدي دورا مكتوبا له مسبقا،
بل ليكون ذاته…
تلك الذات التي بدأ بها رحلته نقيا،
ثم ظل يبحث عنها طوال حياته.
يكتشف الانسان حقيقة بسيطة تأخر كثيرا في فهمها:
ان الحياة لم تكن اختبارا للطاعة، ولا مسرحا لتقليد الاخرين، بل فرصة نادرة ليكون الانسان ذاته.
فكل ما عدا ذلك اقنعة عابرة، تزول… وتبقى الذات وحدها هي الحقيقة.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة أنباء فلسطينية مستقلة | من قلب الحدث ننقل لكم الحدث .