3:45 صباحًا / 1 مارس، 2026
آخر الاخبار

غزة بين وصاية الخارج وحقّ تقرير المصير…! بقلم د. عبدالرحيم جاموس

غزة بين وصاية الخارج وحقّ تقرير المصير…! بقلم د. عبدالرحيم جاموس


وصفُ السياسي البريطاني Jeremy Corbyn لما يُسمّى «مجلس السلام» الذي طرحه الرئيس الأميركي Donald Trump بأنه «عصابة لصوص» لم يكن مجرد عبارة صادمة للاستهلاك الإعلامي، بل تعبيراً مكثفاً عن أزمة ثقة عميقة تحيط بأي مبادرة تُصاغ خارج الإرادة الفلسطينية لتقرير مصير غزة. وبين حدّة التوصيف ومتطلبات التحليل الموضوعي، يبقى السؤال الجوهري: هل تمثل هذه المبادرة مساراً حقيقياً نحو السلام، أم إطاراً لإعادة ترتيب الوقائع بما ينسجم مع موازين القوة القائمة؟


من الناحية الشكلية، يُقدَّم «مجلس السلام» بوصفه آلية دولية لإدارة مرحلة ما بعد الحرب في غزة، تتولى الإشراف على التهدئة وإعادة الإعمار وتنظيم الجوانب الإدارية والأمنية. وفي سياق النزاعات الدولية، ليست مثل هذه الأطر جديدة؛ إذ شهد العالم نماذج انتقالية مشابهة في مناطق متعددة، حيث تدخلت قوى دولية لضبط الانتقال من الحرب إلى الاستقرار. ويجادل مؤيدو المبادرة بأنها محاولة لكسر دائرة العنف المتكرر، وتهيئة أرضية تمنع الانهيار الشامل.


غير أن جوهر الاعتراض – كما عبّر عنه كوربين – لا يتعلق بمبدأ الوساطة الدولية ذاته، بل بطبيعة المرجعية والتمثيل. فعندما يُطرح إطار يقرر مصير منطقة واقعة تحت الاحتلال أو الحصار دون تفويض فلسطيني صريح، ودون مرجعية واضحة لحق تقرير المصير، فإن ذلك يثير مخاوف من تكريس «إدارة بالنيابة» بدلاً من «سلام بالشراكة». وهنا يصبح التوصيف الحاد انعكاساً لخشية أوسع من اختزال القضية الفلسطينية في بعدها الإنساني والإداري، مع تهميش أبعادها السياسية والقانونية.


المسألة المركزية هي الشرعية. فالقانون الدولي يُقرّ بحق الشعوب في تقرير مصيرها بوصفه مبدأً غير قابل للتصرف. وأي ترتيبات انتقالية تُصاغ خارج الإرادة الوطنية، أو دون مشاركة ممثلين فلسطينيين منتخبين أو متوافق عليهم، قد تُفهم باعتبارها التفافاً على هذا المبدأ. في المقابل، يرى بعض الداعمين أن ظروف الحرب الاستثنائية تفرض حلولاً انتقالية استثنائية، وأن غياب التوافق الفلسطيني الداخلي يجعل التدخل الدولي خياراً اضطرارياً لا بديلاً دائماً.


ثمّة بعد آخر يتعلق بتركيبة المجلس المقترح. فكلما غلب على تشكيله حضور قوى تُعدّ منحازة في الصراع، تراجعت صورته كوسيط نزيه. السلام لا يُبنى على الترتيبات الأمنية وحدها، بل على الثقة السياسية أيضاً. وإذا افتقد الإطار المقترح لهذه الثقة، فإن أي إنجاز إداري سيظل هشاً، قابلاً للانتكاس عند أول اختبار ميداني.


في المقابل، لا يمكن تجاهل حجم الكارثة الإنسانية في غزة، ولا الحاجة الملحّة إلى موارد ضخمة وضمانات أمنية لإعادة الإعمار. لكن السؤال الحاسم ليس في رفض الدور الدولي من حيث المبدأ، بل في تحديد شروطه وحدوده: هل يكون داعماً لقرار فلسطيني مستقل، أم بديلاً عنه؟ هل ينطلق من معالجة جذور الصراع، أم يكتفي بإدارة نتائجه؟


إن توصيف كوربين، على حدّته، يسلّط الضوء على فجوة الثقة بين قطاعات واسعة من الرأي العام المتضامن مع فلسطين وبعض المبادرات الغربية. لكنه لا يُغني عن نقاش أعمق حول كيفية الجمع بين الحاجة العاجلة للاستقرار، والالتزام غير القابل للمساومة بحق الفلسطينيين في تقرير مستقبلهم بأنفسهم.


في المحصلة، مستقبل غزة لن تحدده أسماء المجالس ولا عناوين المبادرات، بل مدى قدرتها على أن تكون جسراً نحو سيادة فلسطينية حقيقية، لا مجرد صيغة مؤقتة لإدارة الصراع. وأي إطار لا يضع هذا المبدأ في صلب بنيته، سيظل عرضة للتشكيك، مهما حمل من شعارات السلام.


د. عبدالرحيم جاموس
الرياض

شاهد أيضاً

التكنولوجيا تعزز من التنمية الزراعية ومن حيوتها

التكنولوجيا تعزز من التنمية الزراعية ومن حيوتها

شفا – CGTN – بدأت مجموعة من “الشبان المجتهدين” من ذوي الرؤوس المربعة العمل في …