
في ذكرى الثورة الإيرانية… بين الدولة الثيوقراطية ومفهوم الدولة الوطنية ، بقلم : علاء عاشور
يصادف اليوم الذكرى السنوية لما يُسمّى بالثورة الإسلامية الإيرانية. تلك الثورة التي يراها كثيرون نقطة تحوّل كبرى في تاريخ المنطقة، لكنها – في نظر قطاع واسع من العرب – كانت نكبة سياسية وفكرية على الأمة العربية والإسلامية، إذ أفرزت دولة ثيوقراطية ذات طابع طائفي حاد، نقلت الصراع من إطار الدولة الوطنية إلى منطق الأيديولوجيا العابرة للحدود.
لقد قادت سياسات ما بعد الثورة إلى صدامات إقليمية عميقة، كان العراق أبرز ساحاتها. العراق الذي كان يوماً من أقوى الدول العربية، تحوّل إلى ساحة نفوذ متنازع عليها، وأصبح واقعه السياسي مرتهناً لتوازنات إقليمية معقدة. ويحكمه اليوم ما يُعرف بـ«الإطار التنسيقي الشيعي»، وهو ائتلاف من أحزاب وجماعات إسلامية شيعية تدّعي تمثيل إرث آل البيت، بينما يعاني البلد من أزمات اقتصادية خانقة رغم امتلاكه ثروات نفطية هائلة، ومن إشكاليات سيادة واضحة في ظل تعدد مراكز القوة والنفوذ داخله.
وقد برز «الحشد الشعبي» كقوة عسكرية مؤثرة في المشهد العراقي، نشأت في سياق الحرب على تنظيم داعش، الذي جرى دحره بمشاركة قوى محلية وبدعم من التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة. غير أن استمرار تعدد القوى المسلحة خارج الإطار المؤسسي الكامل للدولة أبقى العراق في حالة هشاشة سياسية وأمنية، في وقت تتداخل فيه أيضاً تأثيرات إقليمية أخرى، من بينها النفوذ التركي في الشمال.
أما إيران نفسها، التي قامت ثورتها على أساس إقامة نظام يحكم بالشريعة الإسلامية وفق نظرية «ولاية الفقيه»، فهي تعاني تحديات اقتصادية جسيمة، أبرزها التضخم الحاد وتراجع قيمة العملة، نتيجة عقوبات دولية وسياسات داخلية وخارجية أثقلت كاهل اقتصادها. وقد أنفقت موارد كبيرة في صراعات إقليمية ودعم قوى حليفة في عدة ساحات، وهو ما أثار جدلاً واسعاً حول جدوى هذه السياسات وأثرها على الداخل الإيراني.
كما أن تلك الثورة أطلقت ما سُمّي بـ«الصحوة الإسلامية»، التي أسهمت في صعود تيارات سياسية دينية في عدد من الدول العربية، وطرحت مشروعاً يقوم على هيمنة الدين على الدولة الحديثة. غير أن تجارب عدة كشفت صعوبة التوفيق بين الدولة الأيديولوجية المغلقة ومتطلبات العصر الحديث، وهو ما دفع بعض الدول العربية، مثل الجزائر ومصر وغيرها، إلى التصدي لمحاولات أسلمة الدولة عبر مؤسساتها العسكرية والسياسية، حفاظاً على طبيعة الدولة الوطنية.
إن الحاجة اليوم ملحّة إلى مراجعة شاملة للسياسات الإقليمية. على إيران أن تمد يدها إلى الدول الإقليمية الكبرى – مصر، والسعودية، وتركيا، وباكستان – وأن تتصالح مع محيطها، متخلية عن منطق التوسع عبر كيانات طائفية تُضعف مفهوم الدولة الوطنية المدنية، التي ينبغي أن تكون ملكاً لجميع مواطنيها، لا لطائفة أو عرق أو حزب.
لا يهم إن كان من يحكم في أي دولة عربية مسلماً أو مسيحياً، شيعياً أو سنياً؛ الأهم أن يحكم وفق دستور مدني ديمقراطي، يكون فيه الولاء للوطن والدولة، لا للطائفة أو الأيديولوجيا الدينية. ويمكن أن يظل للدين دوره في قانون الأحوال الشخصية وبعض الجوانب المدنية، بما يتلاءم مع تطورات العصر، كما هو الحال في العديد من الدساتير العربية التي تنص على أن الإسلام مصدر رئيسي للتشريع، دون أن يكون المصدر الوحيد. وهذا يمثل تطوراً ملحوظاً في الوعي الدستوري والقانوني لدى النخب التي صاغت تلك الدساتير.
وعليه، فإن دور الإسلام السياسي، بصيغته الأيديولوجية الساعية للهيمنة على الدولة والمجتمع، يحتاج إلى مراجعة عميقة في المنطقة، بعدما عانت دول عربية عدة من صراعات وانقسامات بسببه. وحتى في سوريا ما بعد الأسد، فإن أي محاولة لأسلمة المجتمع بأفكار متشددة ستصطدم بواقع داخلي معقّد وحساسية دولية عالية. ومن ثمّ، فإن على الحكام الجدد وداعميهم الإقليميين أن يدركوا حجم المتغيرات الدولية وتعقيدات البنية الاجتماعية السورية، وأن يتجهوا نحو نظام مدني ديمقراطي، يفصل بين الدين ومؤسسات الحكم، ويصون حرية الفكر والاعتقاد، ويؤسس لدولة مواطنة جامعة.
إن الدولة الوطنية المدنية ليست خصماً للدين، بل إطاراً يضمن حريته ويحمي تعدديته. أما حين يتحول الدين إلى أداة صراع سياسي، فإن الدولة تضعف، والمجتمع ينقسم، ويخسر الجميع.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة أنباء فلسطينية مستقلة | من قلب الحدث ننقل لكم الحدث .