
تحولات النظام الدولي بين صعود الشرق وانكسار المركز ، بقلم : محمد علوش
لم تكن كلمة الرئيس الصيني شي جين بينغ بمناسبة العام الجديد 2026 حدثاً بروتوكولياً عابراً، بل بدت أشبه بإعلان سياسي – حضاري عن لحظة انعطاف تاريخية يعيشها العالم؛ لحظة تتراجع فيها مراكز الهيمنة التقليدية، وتنهض قوى جديدة بثقة هادئة، تعيد تعريف مفاهيم القوة والتنمية والحوكمة والعلاقات الدولية، وإن ما عبّرت عنه الكلمة، وما أحاط بها من اهتمام دولي واسع، يكشف أن العالم يقف اليوم على أعتاب نظام دولي آخذ في التشكل، تتبوأ فيه الصين موقعاً محورياً، ليس اقتصادياً فحسب، بل سياسياً وأخلاقياً أيضاً.
في زمن تتعرض فيه الرأسمالية المتوحشة لأعمق أزماتها البنيوية، وتتصاعد فيه الحروب والصراعات إلى مستويات غير مسبوقة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، تطرح الصين نفسها نموذجاً مختلفاً في مقاربة التنمية والاستقرار، فبينما اهتز الاقتصاد العالمي تحت وطأة الأزمات المتلاحقة، وبدت مراكز القرار الغربية عاجزة عن تقديم حلول عادلة ومستدامة، واصلت الصين، بثبات لافت، مسار نموها، محققة معدلات تجعلها المحرك الرئيسي للتعافي الاقتصادي العالمي، غير أن الأهم من الأرقام والمؤشرات هو الدلالة السياسية لهذا المسار، إذ يعكس انتقالاً تدريجياً في مركز الثقل العالمي من منطق الهيمنة إلى منطق الشراكة، ومن الإملاء الأحادي إلى التعددية الدولية.
إن الثقة التي تحدث بها الرئيس شي جين بينغ لا تنبع من قوة اقتصادية فحسب، بل من رؤية شاملة للعالم، ترى في السلام شرطاً للتنمية، وفي الحوار بديلاً للصراع، وفي العدالة أساساً للاستقرار، ففي عالم تحكمه اليوم منطق القوة الغاشمة، وتدار فيه الأزمات عبر الحروب والعقوبات والتجويع، تبرز الصين كقوة تدعو إلى تهدئة النزاعات، وتعزيز الحوكمة العالمية، وإعادة الاعتبار للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، وليس من قبيل المصادفة أن تحظى مبادراتها بدعم واسع من عشرات الدول والمنظمات الدولية، ولا أن يلقى خطابها صدى متزايداً لدى شعوب الجنوب العالمي.
ومن هذا المنطلق، لا يمكن فصل هذا التحول الدولي العميق عن مصير القضايا العادلة، وفي القلب منها القضية الفلسطينية، ففلسطين، التي كانت ولا تزال مرآة أخلاق النظام الدولي، تكشف اليوم بوضوح حجم التصدع في النموذج الغربي القائم على ازدواجية المعايير، والدعم الأعمى للاحتلال الإسرائيلي الفاشي، والتغاضي عن الجرائم والانتهاكات، وفي المقابل، يفتح صعود قوى دولية جديدة، وفي مقدمتها الصين، أفقاً مختلفاً لإعادة الاعتبار للحقوق الوطنية الفلسطينية، ولقيم التحرر وتقرير المصير، بعيداً عن منطق القوة والاستعمار.
إن حديث الصين المتكرر عن «مجتمع المصير المشترك للبشرية» ليس شعاراً إنشائياً، بل يحمل في جوهره رؤية مناقضة لفلسفة الإقصاء والهيمنة، وإذا ما ترجمت هذه الرؤية إلى سياسات دولية متوازنة، فإنها قادرة على الإسهام في بناء نظام عالمي أكثر عدالة، ينصف الشعوب المظلومة، ويعيد الاعتبار لقضايا التحرر الوطني، وفي مقدمتها قضية فلسطين، فالقضية الفلسطينية ليست قضية شعب تحت الاحتلال فحسب، بل اختبار حقيقي لصدقية أي نظام دولي جديد يدّعي الدفاع عن العدالة والسلام وحقوق الإنسان.
ومع دخول الصين عام 2026 وبداية خطتها الخمسية الخامسة عشرة، ومع توسع شراكاتها مع أفريقيا والعالم العربي وآسيا وأمريكا اللاتينية، تتعزز ملامح عالم متعدد الأقطاب، تتراجع فيه قدرة قوة واحدة على فرض إرادتها على الجميع، وفي هذا التحول تكمن فرصة تاريخية أمام القوى الحية في عالمنا العربي، وأمام الحركة الوطنية الفلسطينية، لإعادة تموضع سياسي واعٍ، يستثمر التحولات الدولية، ويبني تحالفات أوسع مع قوى تؤمن بالسلام والعدالة وحقوق الشعوب.
إن العالم يتغير، وهذه حقيقة لم تعد قابلة للإنكار، والسؤال الجوهري اليوم ليس ما إذا كان النظام الدولي القديم ينهار، بل كيف نتموضع نحن، كعرب وفلسطينيين، داخل هذا العالم الجديد، فإما أن نكون جزءاً فاعلاً في صياغة معادلاته، أو نبقى أسرى نظام يتداعى، لكنه لا يزال يمتلك أدوات القتل والابتزاز، وفي كل الأحوال، تبقى فلسطين، كما كانت دائماً، البوصلة، من ينتصر لها، ينتصر للإنسانية، ومن يتواطأ ضدها، يفضح زيف ادعاءاته مهما امتلك من قوة ونفوذ.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة أنباء فلسطينية مستقلة | من قلب الحدث ننقل لكم الحدث .