12:19 صباحًا / 10 يناير، 2026
آخر الاخبار

فتح والوحدة الوطنية ، كيف نعيد بناء الجبهة الداخلية ؟ بقلم : الصحفي سامح الجدي

فتح والوحدة الوطنية ، كيف نعيد بناء الجبهة الداخلية ؟ بقلم : الصحفي سامح الجدي


( المقال الثامن من سلسلة مقالات أي فتح نُريد)

المصالحة والشراكة الوطنية


تعد الوحدة الوطنية الفلسطينية أحد أهم الأسس التي تقوم عليها أي رؤية حقيقية لتحرير الأرض وتحقيق الحقوق الوطنية. فقد أثبتت التجارب التاريخية أن الانقسامات الداخلية لا تضر فقط بمصالح الشعب الفلسطيني، بل تضعف قدرة الحركات الوطنية، بما فيها حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح)، على مواجهة التحديات السياسية، والاجتماعية، والاقتصادية. ومن هنا ينبع السؤال المركزي: كيف يمكن لفتح، بصفتها القوة السياسية الرائدة، أن تلعب دورًا فعّالًا في إعادة بناء الجبهة الداخلية؟ وكيف يمكن للمصالحة والشراكة الوطنية أن تتحول من شعارات إلى واقع ملموس؟

أولًا: الجبهة الداخلية وأهميتها في المشروع الوطني

الجبهة الداخلية تمثل العمود الفقري لأي مشروع وطني ناجح. فهي تعكس قدرة المجتمع على التماسك أمام الضغوط الداخلية والخارجية، وتضمن وحدة الرؤية والموقف في مواجهة الاحتلال، وفي إدارة الشؤون الوطنية والسياسية. التاريخ الفلسطيني الحديث مليء بالأمثلة التي تظهر كيف أن الانقسامات الداخلية أضعفت مواقف الفلسطينيين على المستويين الوطني والدولي، وعطّلت جهودهم في بناء مؤسسات الدولة، وصمود الشعب في مواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية.

بالنسبة لحركة فتح، فإن الجبهة الداخلية ليست مجرد شعار سياسي، بل عنصر استراتيجي يحدد قدرتها على الحفاظ على الوحدة التنظيمية، وتعزيز دورها في قيادة المشروع الوطني. بدون وحدة داخلية قوية، تصبح أي خطة سياسية أو اقتصادية عرضة للفشل، ويصبح الشعب أكثر عرضة للتشرذم والاستقطاب.

ثانيًا: الانقسامات التاريخية وتأثيرها على الوحدة

مرت القضية الفلسطينية بفترات حرجة من الانقسام الداخلي، أبرزها الانقسام السياسي بين فتح وحركة حماس منذ منتصف العقد الأول من القرن الحالي، والذي أدى إلى انقسام مؤسساتي بين الضفة الغربية وقطاع غزة. هذا الانقسام لم يضعف فقط البنية التنظيمية والسياسية لفلسطين، بل أثر أيضًا على الأداء الاقتصادي والاجتماعي، وزاد من معاناة المواطنين في مختلف المناطق.

لقد برهنت هذه التجربة أن الانقسامات الداخلية لا تتعلق فقط بالخلافات السياسية بين الفصائل، بل تشمل أيضًا الصراع على الموارد، والمواقع القيادية، والمناصب الإدارية، وحتى على الثقافة التنظيمية. ومع مرور الوقت، أصبح واضحًا أن أي مشروع وطني لا يحقق المصالحة والشراكة بين القوى السياسية سيظل هشًا وقابلاً للتفكك في مواجهة أي ضغط خارجي.

ثالثًا: دور فتح في بناء الوحدة الوطنية

فتح، بصفتها الحركة التاريخية التي قادت نضال الشعب الفلسطيني لعدة عقود، تتحمل مسؤولية كبيرة في قيادة جهود الوحدة الوطنية. وهذا الدور لا يقتصر على المفاوضات السياسية، بل يشمل أيضًا بناء الثقة مع الفصائل الأخرى، والعمل على تطوير آليات الشراكة، وإيجاد توافق على السياسات الوطنية التي تخدم مصالح الشعب.

يجب أن يكون الهدف من جهود فتح في هذا السياق هو إعادة تأسيس الجبهة الداخلية على أسس واضحة: التشارك في القرار، احترام اختلاف الرؤى، والتزام مبدأ العدالة والمساواة في توزيع المسؤوليات. فالوحدة الوطنية ليست مجرد اتفاقات سياسية مؤقتة، بل هي مشروع شامل يشمل كل فئات المجتمع، من القيادات إلى الشباب والنساء والمؤسسات المجتمعية.

رابعًا: المصالحة الوطنية – بين الخطاب والتطبيق

لطالما كانت المصالحة الوطنية موضوعًا حاضرًا في خطاب فتح السياسي. وقد جرت محاولات عديدة لإنجاز اتفاقيات بين الفصائل، لكن الفجوة بين الخطاب والتطبيق كانت دائمًا عقبة رئيسية. فالمصالحة تتطلب أكثر من توقيع وثائق أو بيانات إعلامية؛ إنها تحتاج إلى إرادة حقيقية، وآليات واضحة للتنفيذ، وثقة متبادلة بين الأطراف.

من العناصر الأساسية للمصالحة الناجحة:

  1. الاعتراف المتبادل: كل طرف يجب أن يعترف بالآخر كجزء أصيل من النسيج الوطني.
  2. المشاركة في القرار الوطني: لا يمكن تحقيق مصالحة حقيقية إذا كانت هناك هيمنة سياسية لأي طرف على الآخر.
  3. مراجعة السياسات السابقة: معالجة الأخطاء التاريخية، والتعويض عن التجاوزات التي أثرت على الوحدة الوطنية.
  4. آليات التنفيذ والمراقبة: لضمان التزام الأطراف بالاتفاقيات الموقعة، وتحويلها من شعارات إلى واقع ملموس.

خامسًا: الشراكة الوطنية كآلية لتعزيز الجبهة الداخلية

الشراكة الوطنية هي البعد العملي للمصالحة. فبدون مشاركة حقيقية للفصائل والأطر المختلفة في صنع القرار، تبقى الجبهة الداخلية ضعيفة، وتتفاقم حالات الاستقطاب والخلافات.

الشراكة الوطنية تتطلب:

  • توزيع المسؤوليات بشكل متوازن بين الفصائل المختلفة، بما يحقق العدالة ويحد من الشعور بالتهميش.
  • دمج القوى في مؤسسات الدولة: التنفيذية، التشريعية، والأمنية، لضمان إدارة موحدة وفعّالة.
  • تطوير برامج مشتركة للتنمية الاجتماعية والاقتصادية، بما يعزز الثقة بين الشعب والفصائل.

فتنظيم الوحدة الوطنية عبر الشراكة يضمن أن تكون كل القوى الوطنية جزءًا من العملية السياسية، ويساهم في بناء قاعدة شعبية واسعة تدعم المشروع الوطني الفلسطيني في مواجهة الاحتلال والضغوط الإقليمية والدولية.

سادسًا: إعادة بناء الثقة بين الفصائل والشعب

واحدة من أهم العقبات أمام الجبهة الداخلية هي فقدان الثقة، سواء بين الفصائل بعضها البعض، أو بين الفصائل والجمهور. ولإعادة بناء هذه الثقة، يجب أن تكون فتح في الطليعة، عبر:

  • الشفافية في اتخاذ القرار: إعلام الشعب بما يتم التوافق عليه من سياسات ومشاريع.
  • العدالة في توزيع الموارد والخدمات: لضمان شعور المواطنين بأن كل المناطق والفئات يتم التعامل معها بشكل عادل.
  • الاستماع لمطالب الشعب: إشراك المواطنين في صنع القرار عبر الاستطلاعات، والحوارات المجتمعية، والمجالس المحلية.

الثقة بين الفصائل والجمهور هي العمود الفقري للجبهة الداخلية، وأي محاولة للمصالحة دونها ستظل ناقصة أو هشة.

سابعًا: دور المؤسسات المدنية والمجتمع المحلي

لا تكتمل عملية بناء الجبهة الداخلية دون إشراك المجتمع المدني، والمنظمات الشعبية، والنقابات، والقطاع الشبابي. فالمؤسسات المدنية تمثل صلة وصل بين القيادة والشعب، وتساعد على تعزيز الحوار، وتقديم حلول عملية للقضايا الاجتماعية والاقتصادية، ما يقلل من الاحتقان الداخلي ويزيد من فرص المصالحة.

الشراكة بين فتح والمؤسسات المدنية يجب أن تكون استراتيجية، تشمل برامج تعليمية، اقتصادية، وصحية، ما يعكس التزام الحركة بحقوق المواطنين ويقوي الروابط المجتمعية، ويجعل الجبهة الداخلية أكثر صلابة.

ثامنًا: التجارب الإقليمية والدروس المستفادة

يمكن أن تستفيد فتح من تجارب بعض الحركات الوطنية الأخرى في المنطقة التي نجحت في تجاوز الانقسامات الداخلية. هذه التجارب تؤكد أن النجاح في بناء الجبهة الداخلية يعتمد على:

  • الإرادة السياسية الصادقة للمصالحة.
  • احترام التعددية الداخلية.
  • الفصل بين الخلافات السياسية والأهداف الوطنية الكبرى.
  • بناء مؤسسات وطنية قوية قادرة على دمج كل القوى في إطار واحد.

فشل فتح في هذا المجال سيبقي على الانقسامات، ويضعف قدرتها على قيادة المشروع الوطني الفلسطيني في مواجهة التحديات المعقدة.

تاسعًا: رؤية متجددة لإعادة بناء الجبهة الداخلية

إعادة بناء الجبهة الداخلية تتطلب من فتح اتباع نهج شامل يدمج بين المصالحة والشراكة الوطنية، ويشمل:

  1. تحديث الأطر التنظيمية داخل فتح بما يضمن مشاركة أوسع للفصائل والقواعد الشعبية.
  2. تعزيز الشفافية والمحاسبة داخل الحركة لضمان ثقة الشركاء والجمهور.
  3. إطلاق حوارات وطنية موسعة تشمل كل القوى السياسية، والمجتمع المدني، والمؤسسات الشبابية والنسوية.
  4. تطوير برامج مشتركة للتنمية والبنية التحتية تعزز الشعور بالعدالة والمساواة.
  5. تعليم أجيال جديدة على ثقافة الوحدة عبر برامج تثقيفية وتنظيمية.

بهذا النهج، يمكن فتح أن تلعب دورًا محوريًا في بناء جبهة داخلية قوية، تتجاوز الخلافات القديمة، وتوفر أرضية صلبة لمشروع وطني شامل ومستدام.

خاتمة

الوحدة الوطنية ليست خيارًا ثانويًا، بل شرط أساسي لبقاء المشروع الوطني الفلسطيني ونجاحه. فتح، بصفتها الحركة التاريخية الرائدة، تتحمل مسؤولية مضاعفة في قيادة جهود المصالحة وبناء الشراكة الوطنية.

إعادة بناء الجبهة الداخلية تتطلب من الحركة أن تتحرك بإرادة صادقة، وأن تتبنى سياسات عملية لا مجرد شعارات، وأن تعمل على إشراك كل القوى الوطنية والمجتمع المدني في صياغة مستقبل فلسطيني موحد. فالوحدة ليست غاية رمزية، بل أداة استراتيجية لضمان استمرار النضال الوطني، وتحقيق الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، وتعزيز صموده في مواجهة التحديات الداخلية والخارجية على حد سواء.

شاهد أيضاً

وزيرا خارجية الصين وإثيوبيا يتعهدان بدفع الشراكة الاستراتيجية في كل الأحوال بين البلدين

وزيرا خارجية الصين وإثيوبيا يتعهدان بدفع الشراكة الاستراتيجية في كل الأحوال بين البلدين

شفا – أجرى وزير الخارجية الصيني، وانغ يي، يوم الخميس محادثات مع نظيره الإثيوبي، جيديون …