12:45 صباحًا / 8 يناير، 2026
آخر الاخبار

الحكومة الفلسطينية في زمن الخنق المالي: قيادة مسؤولة، حوكمة واقعية، وحماية واعية للاستقرار الوطني ، بقلم: د. عماد سالم

الحكومة الفلسطينية في زمن الخنق المالي: قيادة مسؤولة، حوكمة واقعية، وحماية واعية للاستقرار الوطني

الحكومة الفلسطينية في زمن الخنق المالي: قيادة مسؤولة، حوكمة واقعية، وحماية واعية للاستقرار الوطني ، بقلم: د. عماد سالم

حين تُختبر القيادة لا الموارد

تمرّ السلطة الوطنية الفلسطينية بمرحلة هي من بين الأصعب في تاريخها السياسي والمالي، مرحلة لا تُقاس فيها كفاءة الحكومات بحجم الموارد المتاحة، بل بقدرتها على القيادة الرشيدة في زمن الشح، وعلى اتخاذ القرار المتوازن في ظل الاستهداف المباشر.

فالأزمة المالية الراهنة ليست أزمة إدارة أو سوء تخطيط، بل هي – كما يوضح الباحث الاقتصادي مؤيد عفانة في حوار مطوّل مع الإعلامي عماد الرجبي عبر فضائية وتلفزيون فلسطين نتيجة سياسة إسرائيلية ممنهجة تهدف إلى خنق الاقتصاد الفلسطيني، وتقويض قدرة الحكومة على أداء وظائفها، وزعزعة الاستقرار الاجتماعي.بشكل اوضح انها ليست نتاج اختلال داخلي بقدر ما هي نتيجة سياسة خارجية ممنهجة تستهدف تعطيل قدرة الحكومة على أداء وظائفها الأساسية، وضرب الاستقرار المجتمعي من بوابة المال العام.

وتزامن ذلك مع:

⦁ منع عشرات آلاف العمال الفلسطينيين من العمل داخل الخط الأخضر.
⦁ تشديد القيود على القطاع المصرفي.
⦁ تعطّل جزئي في حركة التجارة والتحويلات

كل ذلك وضع الحكومة أمام اختبار وجودي حقيقي، وفي مثل هذه الظروف، يصبح الحفاظ على تماسك الدولة والمجتمع إنجازاً سياسياً وإدارياً بحد ذاته.

فهذه المقالة تقدم قراءة هادئة ومسؤولة لطبيعة الأزمة، ولأداء الحكومة الفلسطينية في إدارتها، بعيداً عن الشعبوية أو المبالغة، ومُنطلقاً من فهم عميق لخصوصية الحالة الفلسطينية.

هذه القراءة تفتح المجال أمام مقاربة أوسع: كيف تُدار الدولة حين تُسحب منها أدوات السيادة؟ وكيف يُقاس النجاح حين يصبح “منع الانهيار” هو الهدف الأعلى؟

الخنق المالي كأداة سياسية… والتعامل الحكومي كفعل سيادي

يشير عفانة إلى أن احتجاز إسرائيل لأموال المقاصة منذ أيار 2025، وتراكمها حتى نهاية العام لتصل إلى نحو 13.5 مليار شيكل، أدى إلى فقدان الموازنة العامة لما يقارب 68% من إيراداتها.

هذا الواقع لا يعكس فقط أزمة مالية خانقة، بل يكشف عن محاولة واضحة لإفراغ السلطة من مضمونها الوظيفي والسيادي.

ورغم ذلك، تعاملت القيادة الفلسطينية والحكومة مع هذا الاستهداف بعقل الدولة لا بعصبية الأزمة، ورفضت الانجرار إلى الفوضى المالية أو القرارات الانفعالية، وهو موقف يُحسب لها سياسياً قبل أن يكون اقتصاديًا.

ما يعني أن الحكومة لم تواجه عجزًا ماليًا فحسب، بل هجومًا مركّبًا على ركائز الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.

إدارة الأزمة بعقل القيادة لا بردّ الفعل

في واحدة من أكثر لحظات التاريخ المالي الفلسطيني تعقيداً، أظهرت الحكومة الفلسطينية كما يؤكد عفانة تماسكاً لافتاً في إدارة الأزمة، واختارت طريق المسؤولية الوطنية بدل الخيارات السهلة قصيرة المدى.

وبمعنى ادق في ظل هذا الواقع، يُحسب للحكومة الفلسطينية أنها اختارت الواقعية لا المغامرة، والمسؤولية لا الشعبوية.

فعلى الرغم من:

⦁ تراجع الإيرادات المحلية من 400 مليون شيكل إلى 250 مليون شيكل شهرياً.
⦁ وغياب شبه كامل لأموال المقاصة.
⦁ واستمرار القيود المصرفية والتجارية.


نجحت الحكومة في:

⦁ صرف رواتب بنسبة 60% وبحد أدنى 2000 شيكل.
⦁ ضخّ نحو 720 مليون شيكل شهريًا في السوق.
⦁ ضمان استمرارية المؤسسات العامة.
⦁ والحفاظ على انتظام عمل القطاعات الحيوية.


هذا الأداء يعكس قيادة مالية واعية، أدركت أن الراتب ليس مجرد إستحقاق وظيفي، بل دعامة أساسية للاستقرار الاجتماعي والاقتصادي.

حماية الاستقرار الاجتماعي كخيار سياسي واعٍ

في ظل انكماش اقتصادي بلغ نحو 29%، وشيكات راجعة بقيمة تقارب 1.2 مليار دولار، فإن قرار الحكومة بالاستمرار في ضخ السيولة، ولو بالحد الأدنى، لم يكن قرارًا تقنيًا، بل قراراً سياسياً وطنيياً بامتياز.

لقد وضعت الحكومة خطوط عامة وتعاملت مع الأزمة بوصفها أزمة مجتمع لا أزمة موازنة فقط وحافظت على :

⦁ السلم الأهلي.
⦁ ومنع الانفجار الاجتماعي.
⦁ والحفاظ على الثقة العامة.


في صدارة أولوياتها، وامتنعت عن تحميل الفئات الهشة كلفة الأزمة، والمساس بالخدمات الاساسية وهو ما يعكس منهجًا حكوميًا قائمًا على العدالة الاجتماعية والمسؤولية الوطنية.


وهو ما ساهم في الحفاظ على درجة مقبولة من الثقة بين المواطن والمؤسسة العامة، رغم قسوة الظروف.

مسؤولية عالية في ظل أدوات محدودة

من المهم التأكيد أن الحكومة الفلسطينية تعمل في بيئة تفتقر إلى أبسط أدوات السيادة الاقتصادية:

⦁ لا سياسة نقدية مستقلة.
⦁ لا عملة وطنية.
⦁ لا سيطرة على المعابر.
⦁ ولا حرية حركة كاملة للاقتصاد.



ومع ذلك، فقد تحمّلت القيادة السياسية والحكومة مسؤولياتهما كاملة، وأدارتا الأزمة ضمن الممكن والمتاح، محافظتين على صورة الدولة ووظيفتها، وقدرة على الموازنة بين القيود السياسية والاحتياجات الاجتماعية، وهو ما يُحسب لها في واحدة من أصعب مراحلها ومنعتا الانزلاق إلى سيناريوهات الانهيار المؤسسي.

موازنة 2026… تعبير عن نضج سياسي ومالي

يتحدث عفانة عن توجه الحكومة نحو موازنة واقعية لعام 2026، وهو توجه يعكس نضجاً في الرؤية السياسية والمالية، وابتعاداً عن الخطاب الإنشائي.

فالتركيز على:

⦁ الصحة.
⦁ التعليم.
⦁ الحماية الاجتماعية.
⦁ الأمن.


فالحكومة اختارت حماية الإنسان الفلسطيني بوصفه جوهر الصمود، وركيزة بقاء الدولة، في مرحلة تتطلب تثبيت الأسس قبل التفكير في النمو.

وهذا يعكس فهماً بأن هذه المرحلة هي مرحلة حماية المجتمع والدولة، لا مرحلة إطلاق وعود تنموية غير قابلة للتحقق في ظل استمرار الخنق المالي.

إنها موازنة صمود واستقرار، تشكّل قاعدة ضرورية لأي تحول اقتصادي أعمق حين تتغير الشروط السياسية.
القيادة والحوكمة… إدارة هادئة لأزمة صاخبة


لا يمكن فصل هذا الأداء عن دور القيادة الفلسطينية ومنظومة الحوكمة العامة، التي أدارت الأزمة بهدوء ومسؤولية، بعيدًا عن الارتجال أو القرارات الانفعالية.

التي أظهرت:

⦁ قدرة على اتخاذ قرارات صعبة في توقيتات حساسة.
⦁ تنسيقًا مؤسسيًا عالي المستوى.
⦁ إدارة متأنية للموارد الشحيحة.
⦁ التزامًا واضحًا بمنطق الدولة واستمراريتها.

لقد أدارت القيادة والحكومة الأزمة بعقل استراتيجي هادئ، حافظ على انتظام العمل العام، ومنع انتقال الأزمة المالية إلى أزمة سياسية أو اجتماعية شاملة.

وهذا يعكس حوكمة واقعية للأزمة، قد لا تكون مثالية، لكنها كانت ضرورية ومتماسكة في سياق بالغ التعقيد.

من إدارة الأزمة إلى ترسيخ الخيار الوطني

المحاور الخمسة التي طرحها عفانة لا تمثل نقدًا للحكومة، بل تعبيرًا عن ثقة بقدرتها على البناء على ما تحقق، وتشمل:

⦁ تعزيز الضغط الدولي لتحرير أموال المقاصة.
⦁ تحويل الدعم السياسي إلى دعم مالي مباشر.
⦁ دعم الإنتاج الوطني وإحلال الواردات.
⦁ توليد إيرادات عادلة دون المساس بالفئات الفقيرة.
⦁ ترشيد الإنفاق وتعزيز كفاءة الإدارة العامة.


وهي محاور تنسجم مع التوجه العام للحكومة نحو اقتصاد صمود منضبط. ولا تشكّل نقدًا للأداء الحكومي، بل امتدادًا له وتطويرًا لمساره.

التوصيات

في ضوء هذه القراءة، يمكن تقديم التوصيات التالية:


⦁ تعزيز الخطاب السياسي الدولي الذي يربط استقرار فلسطين بالاستقرار الإقليمي.
⦁ تحويل إدارة الأزمة إلى نهج مؤسسي دائم داخل الحكومة.
⦁ توسيع الاستثمار في الإنتاج المحلي كخيار سيادي طويل الأمد.
⦁ تحصين قطاعات الصحة والتعليم باعتبارها خطوط الدفاع الأولى عن المجتمع.
⦁ تعميق الحوكمة والشفافية لترسيخ ثقة المواطن بالدولة ومؤسساتها.

خاتمة: قيادة الدولة في زمن الاختناق

إن قراءة حديث مؤيد عفانة بعمق تقود إلى خلاصة واضحة:


الحكومة الفلسطينية نجحت، في واحدة من أقسى مراحل الخنق المالي وفي إدارة أزمة صُممت أصلاً لإفشالها ،وفي حماية الاستقرار الوطني، والحفاظ على تماسك المجتمع، وإدارة الأزمة بعقل الدولة لا بردّ الفعل.


ففي زمن الخنق المالي، يُعد ذلك إنجازاً سياسياً وإدارياً يستحق التقييم الموضوعي، والبناء عليه، لا التقليل منه.
وفي سياق صُمم لإحداث الانهيار، فإن منع الانهيار هو بحد ذاته إنجاز سياسي ووطني يستحق التقدير والبناء عليه..
أن ما تخوضه الحكومة الفلسطينية اليوم ليس معركة أرقام وموازنات فحسب، بل معركة صمود وإرادة سياسية في مواجهة سياسة خنق اقتصادي ممنهجة.


ورغم شح الموارد وقسوة الظروف، نجحت الحكومة في الحفاظ على تماسك النظام المالي والاجتماعي، ومنعت الانهيار، بانتظار حلول سياسية تضع حدًا لهذه السياسة العقابية الجماعية.

  • – بقلم: د. عماد سالم – خبير في التعليم والتدريب المهني والتقني وسوق العمل وسياسات التعليم

شاهد أيضاً

في يوم الشهيد الفلسطيني: السفير الاسعد يضع اكليلا من الزهور باسم الرئيس على النصب التذكاري لشهداء الثورة الفلسطينية في بيروت

في يوم الشهيد الفلسطيني: السفير الاسعد يضع اكليلا من الزهور باسم الرئيس على النصب التذكاري لشهداء الثورة الفلسطينية في بيروت

شفا – وضع سفير دولة فلسطين لدى الجمهورية اللبنانية محمد الاسعد اليوم الاربعاء، اكليلاً من …