
الطريق الذي مشته وينا كوبر… هو الطريق ذاته الذي تمشيه فلسطين ، بقلم : المهندس غسان جابر
هناك صور لا يلتقطها المصوّر… بل يلتقطها التاريخ.
صور لا تُعلّق على الجدران، بل تُعلّق على وعي الشعوب، وتبقى دليلًا على أن الأوطان تُدار بالخطوات لا بالشعارات.
من بين تلك الصور، تقف صورة وينا كوبر، الزعيمة الماورية الثمانينية، وهي تمسك بيد حفيدتها الصغيرة إيرين في مسيرة الأرض عام 1975.
امرأة تحمل عصًا بيد، وبالأخرى تمسك مستقبل شعبها.
تسير على طريق ترابي طويل، وكأن كل خطوة منها توقيعٌ جديد على عقدٍ أبدي بين الإنسان وأرضه.
هذه الصورة ليست مجرد مشهد…
إنها بيان سياسي مكتوبٌ بالأقدام، ومرثية لأرضٍ قاومت النسيان، ورسالةٌ تُخاطب شعوب العالم:
أن الأرض لا تُترك،
ولا تُساوَم،
ولا تُسترد إلا حين يمشي إليها الناس بقلوبهم قبل أقدامهم.
من أقصى جنوب العالم… إلى قلب فلسطين
قد يبدو المشهد بعيدًا جغرافيًا، لكنه قريبٌ من قلب فلسطين إلى حدٍّ يوجع.
فالجرح الماوري يشبه جرحنا إلى درجة التطابق:
هناك… أرض صودرت بقوانين أُعدّت ببرود.
وهنا… أرض تُصادر تحت صوت القصف، والدخان، والركام.
هناك… شعبٌ طُلِب منه أن ينسى كي ينجو.
وهنا… شعبٌ يُطلب منه أن ينجو… كي ينسى.
ومع ذلك، لم ينسَ أحد.
لا وينا كوبر نسيت، ولا فلسطين نسيت.
لقد كانت كلمات وينا يوم انطلاق المسيرة تقول:
“لا نملك قطعة أرض أخرى لنخسرها.”
ولعلها لا تدري أن هذه الجملة تصلح اليوم أن تُكتب فوق كل بيت هُدم في غزة، وفوق كل شجرة اقتُلعت في الضفة، وفوق كل مفاتيح البيوت التي يحملها اللاجئون منذ 76 عامًا.
الصورة التي تُشبهنا
في يد وينا كوبر المجعدة ترتعش حكمة عمرٍ طويل.
وفي يد حفيدتها الصغيرة تنبض براءة الغد.
وبين اليدين تمتد الأرض…
تمامًا كما تمتد في فلسطين بين يد جدّة تحفظ مفتاح بيتها، ويد طفلٍ يرفع حجرًا ليكتب بداية قصته.
نحن نرى أنفسنا في هذه الصورة لأننا نعيشها كل يوم:
في غزة، حين تمشي الأمهات فوق ركام بيوتهن ممسكات بأيدي أطفالهن…
في القدس، حين تتقدم الجدّات على العساكر، ويقف الأطفال في الصف الأول خلفهن…
في الخليل ونابلس وجنين، حين تعبر امرأة طريقًا محفوفًا بالخطر وهي تحمل طفلين وأمانة الأرض معهم…
في مخيمات الشتات، حين تُسلّم الجدة مفتاح المنزل لحفيدتها يوم تتجاوز السادسة:
“هذا ليس مفتاحًا، هذا وطن.”
الصورة الماورية ليست “تشابهًا” معنا… إنها مرآتنا، انعكاسنا، نسختنا البعيدة من نفس الجرح ونفس الكبرياء.
الأرض تُورَّث بالخطوات… لا بالوثائق
علّمتنا وينا كوبر أن الأرض لا تحتاج إلى السلاح وحده لتبقى حية،
بل تحتاج إلى من يمشي عليها، ويُسمعها نبضه، ويُخبرها أنه لن يتركها.
وفي فلسطين، أدركنا مبكرًا أن التوريث الحقيقي ليس وثيقة، ولا اتفاقية، ولا حدود ترسمها الخرائط.
التوريث الحقيقي يحدث عندما:
يمسك الطفل يد جدته في طريق العودة إلى الحقل،
ويحفظ اسم القرية التي مُحيَت من الخارطة،
ويعرف أن هناك أمانة يجب أن يحملها،
وأن الأرض تنتظر منه خطوة واحدة… ليكتمل الطريق.
وهكذا يورث الفلسطينيون أرضهم:
لا بالمال، بل بالذاكرة.
لا بالقانون، بل بالحق.
لا بالخرائط، بل بالدمع والخطوات.
وإذا كانت وينا كوبر قد مشَت ألف كيلومتر… فإن فلسطين مشت ألف عام
المسيرات ليست عددًا على خريطة.
المسيرة الماورية استمرت شهرًا، والمسيرة الفلسطينية مستمرة منذ قرن.
طويلة، متعرجة، دامية، لكنها مستمرة.
كل انتفاضة تضع حجرًا.
كل أسير يترك وصيّة.
كل شهيد يكتب سطرًا جديدًا في سفر الأرض.
وكل طفل يولد… يولد ومعه جزء من الطريق.
وهكذا تتحول الأرض من تراب إلى قدر.
ومن جغرافيا إلى ذاكرة،
ومن وطن إلى هوية تُورَّث من يد إلى يد…
كما سُلّمت يد إيرين الصغيرة ليد وينا العتيقة.
نقول … فلسطين تُمسك بأيدي أطفالها كما أمسكت وينا بحفيدتها
الصورة ليست مجرد لحظة من تاريخ شعبٍ بعيد.
إنها رسالة مباشرة إلى فلسطين كل فلسطين:
إلى غزة التي تنفض غبار الموت وتنهض،
إلى القدس التي تصلي واقفة،
إلى الضفة التي تعلّم أبناءها كيف يُعاد بناء الطريق كلما تهدّم،
إلى الجليل، واللد، والرملة، ويافا، وعكا…
إلى كل قرية ما زالت تنتظر خطوات أولادها على أبوابها.
الصورة تقول لنا:
إن الطريق طويل… لكنه طريقنا.
وإن الأرض موجوعة… لكنها أرضنا.
وإن الأجيال تتساقط… لكن الأمانة لا تسقط.
وتمامًا كما وضعت وينا كوبر يد حفيدتها في يدها وهي تسير نحو العاصمة،
تضع فلسطين اليوم يد أطفالها في يدها،
وتقول لهم:
“هذه أرضكم… فامضوا، ولا تتركوا الطريق فارغًا.”
م. غسان جابر – قيادي فلسطيني.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة أنباء فلسطينية مستقلة | من قلب الحدث ننقل لكم الحدث .