
أمة تبيع المستقبل في سوق المستعمل ، بقلم : د. وليد العريض
الكاتب العربي كائنٌ بائسٌ يعيش سباقًا لا خط نهاية له. يقفز من صحيفةٍ إلى مسرح، من قصيدةٍ إلى مقالة، من عنوانٍ رئيسي إلى هامشٍ مهمل كعدّاءٍ أعمى يركض في حلقة مفرغة. يستهلك شبابه، كهولته وشيخوخته وهو يلهث وراء المنبر وحين يصل إلى المحطة الأخيرة لا يجد سوى جسدٍ مستنزف ودمٍ يابس وأظافرَ أنهكها التشبّث بجدارٍ من هواء.
ورغم هذا المشهد الكوميدي الأسود، لا تزال المطابع عندنا تعمل كالمصانع العسكرية:
تقذف كتبًا ومجلات وأسماء جديدة كل ساعة. ولكن حين نفتح هذه الكتب، لا نشمّ رائحة الحبر، بل رائحة الرطوبة، ونرى العناكب تبني أوطانها بين السطور. نحن لا نطبع كتبًا، نحن نطبع أضرحة أنيقة للغبار.
الجسد
في عالمنا العربي، الجديد
مجرد ديكور:
طرق جديدة تنتهي في الحفرة نفسها
انتخابات جديدة تُعيد لنا الوجوه القديمة
سيارات جديدة تجرّها عقلية قديمة
وملابس جديدة تغطي روحًا بالية.
سياسيًّا:
نحن “دول مستقلة ذات سيادة” نملأ المؤتمرات بالرايات والخطابات، لكن وزننا – كما قال بطرس غالي قبل ثلاثين عامًا – لا يعادل وزن إندونيسيا في ميزان العالم.
عسكريًّا:
نحن من أكثر الأمم إنفاقًا على السلاح، لكننا نستجدي الغرب ليحرس حدودنا ونرتجف من أول صفعةٍ على الخد.
اقتصاديًّا: نملك تريليونات تتبخر كهدايا مجانية لأعدائنا، بينما نعلن أنفسنا فقراء ونفشل أن نطعم غزة رغيفًا.
اجتماعيًّا: نزعم أننا أمّة واحدة بينما الطوائف والعرقيات تمزّقنا إلى أشلاء.
ثقافيًّا: نطبع آلاف الكتب كل عام لكن لا أحد يقرأ حتى صارت المطابع مصانع لإنتاج الغبار أكثر مما هي مصانع للوعي.
نحن أمة تحترف اللاجدوى: نملك كل شيء في البيانات الرسمية ولا شيء في الواقع. نُعجب بصورةٍ مع مسؤول أكثر مما نُعجب بفكرةٍ ناضجة ونعتبر خطاب شكر أهم من إنجاز علمي ونفتخر بحضور مؤتمرٍ لم نسمع فيه جملة واحدة مفيدة.
وختاما!!!
إذن ما جدوى أن نكتب؟
ما جدوى أن نصرخ فوق الورق إذا كان القارئ الوحيد هو سلّة المهملات؟
ما جدوى السيادة ونحن نستورد حتى الهواء؟
ما جدوى الجيوش إن كانت وظيفتها الوحيدة تنظيم السير عند إشارات المرور؟
ما جدوى التريليونات إذا لم تُطعِم جائعًا ولم تحمِ وطنًا؟
الجواب ساخر وبسيط: لا جدوى.
لا جدوى من الكتب ولا الطرق ولا الانتخابات ولا الأزياء، ما دمنا نعيش في وطنٍ عتيق يرفض أن يشيخ وحده فيُشيخنا معه.
نحن أمة تبيع المستقبل في سوق المستعمل:
تتباهى بالأغلفة وتقدّس التعفّن في الداخل وتصفّق لانتصاراتٍ من ورق.
أمة تملك كل شيء، إلا نفسها.