4:50 مساءً / 29 أغسطس، 2025
آخر الاخبار

التعليم الرقمي ، جسر للوعي التربوي والقيمي في الأزمات ، بقلم : د. سارة محمد الشماس

التعليم الرقمي ، جسر للوعي التربوي والقيمي في الأزمات ، بقلم : د. سارة محمد الشماس

تواجه المؤسسات التعليمية في فلسطين تحدياتٍ متكررة تتمثل في الأزمات وتوقف الدراسة لفتراتٍ متفاوتة، ما يفرض ضغوطًا على انتظام العملية التعليمية. في مثل هذه الظروف، يبرز التعليم الرقمي كأداة فاعلة تضمن استمرارية التعلم، وتوفر بيئة تعليمية مرنة تعزز الوعي التربوي والقيمي لدى الطلبة. فالتعليم الرقمي لم يعد مجرد وسيلة لنقل المعلومات، بل أصبح جسرًا يربط الطالب بالمعرفة والقيم، ويتيح له تطوير مهارات التعلم الذاتي والانضباط، حتى في ظل الأزمات.

إن الانتقال إلى التعليم الرقمي في أوقات الأزمات يقدم للطلبة فرصة لتطوير الوعي التربوي، إذ يضطر الطالب لإدارة وقته وتنظيم تعلمه بعيدًا عن المراقبة المباشرة للمعلم. هذه المسؤولية الذاتية تعزز قدرته على التعلم المستمر، وتنمي شعوره بالاستقلالية، وهو ما يمثل أحد أهم عناصر التربية الحديثة. فالوعي التربوي هنا لا يقتصر على المعلومات الأكاديمية، بل يشمل مهارات التعلم الذاتي، الانضباط، والمثابرة، التي تؤهل الطالب للتعامل مع مختلف التحديات التعليمية والحياتية.

كما يعزز التعليم الرقمي الوعي القيمي من خلال دمج محتوى متنوع يربط المعرفة بالقيم والممارسات العملية. فالمشاريع البحثية والفيديوهات التفاعلية والمحاكاة الافتراضية تسمح للطلبة بفهم أهمية التعاون، والاحترام المتبادل، والمسؤولية الجماعية. وعندما يشارك الطلاب في منتديات النقاش الإلكترونية، يتعلمون التعبير عن آرائهم واحترام اختلافات الآخرين، ما يسهم في ترسيخ القيم المجتمعية ويعزز الانتماء إلى المجتمع بشكل إيجابي.

من أبرز أدوات التعليم الرقمي في الدراسات الاجتماعية: الخرائط الرقمية التفاعلية، التي تتيح للطلبة فهم العلاقات بين الجغرافيا والمجتمع والاقتصاد بطريقة حية. فعندما يشارك الطالب في تحليل خرائط تعرض التغيرات البيئية أو المجتمعية، ينمي قدرته على ربط المعرفة النظرية بالواقع المحيط، ما يعزز وعيه بالقيم المرتبطة بالمسؤولية تجاه المجتمع والبيئة.

كما توفر المحاكاة الافتراضية وسيلة فعالة لتجسيد الأحداث التاريخية والاجتماعية، بحيث يصبح الطالب مشاركًا فاعلاً في التجربة التعليمية، لا متلقياً سلبيًا للمعلومات. هذه التجارب التفاعلية تُعمّق فهمه للحقائق التاريخية، وتغرس شعورًا بالانتماء الثقافي والقيمي، بما يعزز وعيه بالتراث والهوية .لا يقتصر التعليم الرقمي على الطالب فقط، بل يمتد ليشمل الأسرة، ما يجعلها شريكًا فعالًا في العملية التعليمية. متابعة الأهل لأبنائهم في المنصات الرقمية تعزز لديهم إدراكًا لقيمة التعليم ودوره في صقل الوعي التربوي والقيمي، ويساعدهم على دعم أبنائهم في مواجهة تحديات الدراسة.

يُعد التعليم الرقمي أيضًا أداة لتقليل أثر الانقطاعات التعليمية الناجمة عن الأزمات ، إذ يمنح الطالب القدرة على متابعة الدروس في أي وقت يناسبه، ويتيح للمعلم إعادة تصميم الدروس بأساليب إبداعية وتفاعلية، ما يرفع جودة التعلم ويعزز مشاركة الطلبة.

إن نجاح التعليم الرقمي يعتمد على توافر البنية التحتية التقنية المناسبة، مثل أجهزة الحاسوب والإنترنت، إضافة إلى تدريب المعلمين على توظيف الوسائل الرقمية بطريقة تربوية مبتكرة. فالتقنيات وحدها لا تكفي، وإنما تحتاج إلى رؤية تربوية واضحة توازن بين المعرفة والقيم، وتضع الطالب في قلب العملية التعليمية.

التعليم الرقمي في زمن الأزمات ليس مجرد بديل مؤقت، بل فرصة لإعادة التفكير في فلسفة التعليم، فهو جسر يعزز الوعي التربوي والقيمي، ويبني جيلًا قادرًا على إدارة تعلمه بمرونة ومسؤولية، في ظل ظروف متغيرة، ويؤسس لمجتمع واعٍ بقيمه وهويته، قادر على مواجهة التحديات بكفاءة ووعي.

  • – د. سارة محمد الشماس – باحثة وكاتبة في التراث والعلوم التربوية .

شاهد أيضاً

وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس

إسبانيا : سنطلب منع بيع أسلحة أوروبية لإسرائيل

شفا – قال وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس بان بلاده ستطرح خطة أوروبية لوقف …