2:18 صباحًا / 1 سبتمبر، 2025
آخر الاخبار

القفص … من سوق البلدة إلى جغرافيا غزة ، بقلم : رانية مرجية

القفص … من سوق البلدة إلى جغرافيا غزة ، بقلم: رانية مرجية

القفص … من سوق البلدة إلى جغرافيا غزة ، بقلم : رانية مرجية

نص “ثلاث جاجات وقطاع محاصر” للمهندس غسان جابر ليس مجرد استعادة لذكرى طفولية من سوق البلدة، بل هو نص يشتبك بذكاء مع أعمق معاني الحصار والحرية، عبر مجاز بسيط في شكله، عميق في دلالته: القفص.

في مستواه الأول، يمنحنا الكاتب مشهدًا واقعيًا: طفل يحمل ثلاثين شيكلًا وقائمة مشتريات أمه، فيدخل محل الدجاج ليجد قفصًا مكتظًا، طيورًا محشورة، أجنحة مكسورة، وأنفاسًا تتزاحم على الفتات. هذه الصورة الحسية الحادة تُثبّت القارئ في مشهد ملموس، يلمسه ويشمّه ويكاد يسمع ضجيجه.

لكن القوة الحقيقية للنص تكمن في القفزة الرمزية التي يُحدثها الكاتب، حين يمدّ الخط بين القفص الصغير والقفص الأكبر — غزة. هنا، يتحوّل الدجاج إلى بشر، والحشر اليومي إلى حصار ممنهج، والذبح السريع إلى قتل بطيء بأسماء “محترمة”: حصار، قصف، منع دواء، خنق اقتصاد. هذه النقلة ليست مصادفة بل عمل فني واعٍ، يُظهر قدرة الكاتب على تحويل المشهد الجزئي إلى قراءة سياسية كلية.

النص ينتصر للذاكرة.


الكاتب يرفض فكرة أن القهر يُميت الوعي، بل يؤكد أن الحشر يغذي الذاكرة، وأن الأجيال، حتى لو لم ترَ القفص بأعينها، ستعرف رائحته وطعمه. هذا البعد الذاكروي في النص يضعه في خط الأدب المقاوم، الذي يرى في السرد وسيلة لصيانة الوعي الجمعي، تمامًا كما فعلت نصوص غسان كنفاني حين حوّلت المخيم واللجوء إلى رموز حية تتجاوز الجغرافيا.

قوة اللغة في المفارقة الأخلاقية.


الكاتب لا يكتفي بالمقارنة بين بائع الدجاج وإسرائيل، بل يُدخل مفارقة لاذعة: بائع الدجاج، رغم قسوته، يقول “بسم الله”، بينما الاحتلال يمارس ذبحًا باردًا بلا أي اعتراف إنساني. هنا، النص لا يكتفي بإدانة الاحتلال، بل يفضح خواءه الأخلاقي، ويضعه في مرتبة أدنى من أكثر المهن قسوة.

ملاحظات نقدية:

النص قوي في بنائه الرمزي، لكنه يعتمد على خط سردي واحد (القفص كمجاز)، وكان يمكن توسيعه بدمج صور إضافية من الحياة اليومية في غزة لزيادة ثراء المشهد.

النهاية، رغم قوتها، تميل إلى المباشرة في الجملة الأخيرة، وكان يمكن الاكتفاء بإيحاء مفتوح، ليترك للقارئ مساحة للتأمل.

مع ذلك، يظل النص نموذجًا حيًا على كيف يمكن للمشهد الشخصي البسيط أن يتحول — إذا ما وُضع في سياقه الإنساني والسياسي — إلى لوحة مقاومة تحفظ الحكاية من الاندثار.

القفص، كما يراه غسان جابر، ليس قيدًا دائمًا، بل امتحانًا للذاكرة. والذاكرة الفلسطينية، التي حملت مفاتيح البيوت منذ النكبة، تعرف أن كل قفص، مهما طال الحصار، له باب… وباب غزة سيفتح، لأن الريش الذي يتطاير في الهواء لا يعود إلى القفص أبدًا.

شاهد أيضاً

أسعار الذهب اليوم

أسعار الذهب اليوم

شفا – جاءت أسعار الذهب اليوم الأحد 31 أغسطس كالتالي : سعر أونصة الذهب عالمياً …