4:54 مساءً / 24 مايو، 2024
آخر الاخبار

رواية بطلها “قزم” بقلم : نور فهمي

رواية بطلها "قزم" بقلم : نور فهمي

رواية بطلها “قزم” بقلم : نور فهمي

صراع مستمر بين الفن والتجارة!! بين الرسالة والسلعة !


وقليل جدا، بل ونادر من يستطيع المجازفة والتحليق خارج السرب !!
فى أحيان كثيرة تتغير النهايات وتتبدل الحكايات، فتظهر خطوط درامية فرعية تعبر أكثر عن رؤية السيناريست والمخرج، لا عن رؤية القاص أو الروائى!
وهذا كله مشروع ..لأن لكل فن لغته، بل ومجال تسويقه، وترجمة السينما “صورة وموسيقى” أما الرواية؛فكلمات وتعبيرات أدبية!!

ولكن اشعر أحيانا أن هناك تعارضا مباشرا بين أفكار الرواية الأصلية وبين الفيلم المأخوذ عنها؛ وكأن لا علاقة لأحدهما بالآخر؛ خاصة فى تجسيد الشخصيات الرئيسية!

ومثال واضح على ذلك وجدته وأنا أقرأ رواية (الخيط الرفيع)؛ فإذا شاهدت الفيلم وقرأت الرواية سيتبين لك أنك أمام زاويتين للرؤية مختلفتين تماما.. خاصة؛ من حيث رسم الشخصيات؛
ففى الفيلم يمثل (محمود ياسين)؛ بجسده المتناسق وثيابه المهندمة وطلته الوقورة؛ دور “البطل”، أما فى الرواية؛ فالبطل يا سيدات ويا سادة؛ مجرد “قزم”، رجل يعانى عقدة “القبح ” ويتحاشى النظر فى المرآة حتى لا يصطدم بدمامة وجهه وضآلة جسده!


فينهمك كليا فى دراسته وعمله ليتسيد الناس عن طريق التفوق والذكاء المهنى والمادى، فلا طريق آخر يملكه لجذب انتباه الآخرين سوى ذلك!!
تم إهمال هذا الجانب الشكلى والنفسى فى الفيلم تماما، والذى يؤثر بدوره على الأحداث ودوافع الشخصية بشكل مباشر وجوهرى! وسيكون الضحية حينئذ هو البطل، لا البطلة، بل وسيكسب فى النهاية التعاطف الإنسانى مع حالته.
ولكن؛ إذا تناولنا الأمر من وجهة نظر إخراجية وانتاجية:
فهل يقبل أحد أن يقوم بدور شخص دميم ؟! أو هل نرى يوما قزما؛ بطلا للسينما ؟!
وإن وجد؛ فهل يمتلك آنذاك، مهارات التمثيل أو حتى الموهبة؟! بل هل يدخل الجمهور فيلما فى السينما بطله قزم؟!
كل ذلك يدخل فى حسابات المنتج والمخرج عند اختيار الممثلين!
لذلك فالرواية جمهورها مختلف وتناول المواضيع فيها دائما أكثر جرأة وقدرة وحرية فى التعبير والطرح!!
وتناولت رأيى فى هذه النقطة تحديدا فى مقالات منفصلة بعنوان(حصن الهوية المستعارة) (علاقة إحسان عبد القدوس بمسلسل أزمة منتصف العمر)(كتابات آخر موضة)

تعالوا نقرأ معا بعض سطور الرواية(عن وصف البطل)، ليتضح لكم الفارق فى زاوية التناول بين الرواية والفيلم:
“كيف يطمع فى امرأة وهو” قزم مسخ “تعاف حتى أمه أن تضمه إلى صدرها..كيف يفرض هذا القبح كله على امرأة ؟!”

أما منبع الحنان والعطاء بطلة الرواية والتى جسدت دورها سيدة الشاشة (فاتن حمامة) فى الفيلم؛
فلم تكن بهذه الصورة التى صورها لنا الفيلم كضحية للبطل!!
فهى أرادت أن تمتلك هذا المسخ الذى حولت حياته من جحيم الفشل الى جنة التميز والتفوق بل والشهرة ..لم تحبه، بل وكانت تشمئز منه ومن صورته ولمساته..وتتعمد إغاظته ومعايرته وحتى خيانته، وتعلم أنه سيصمت لأنه ضعيف وفى حاجة إليها دائما!!
“غريزة التملك” التى تناولتها الرواية كفكرة أساسية تدور حولها الأحداث تخص البطلة، لا البطل!!
يعنى هذه البطلة؛ أرادت أن تمتلك شهرته وماله ونفوذه بعد أن عاونته ماديا ومعنويا؟ ولم تفعل ذلك أبدا من باب الحب أو الرغبة فيه..بل لغرض نفعى وأنانى..لتزهو بنفسها حينما تتمكن من أن تصنع من هذا المسخ كما صورته ووصفته هى؛ عملاقا يبجله الناس، بشرط؛ أن يتزوجها فتنال “واجهة اجتماعية “يحترمها الناس من خلالها، حتى وهى لا تطيق أن يقبلها أو حتى “يلمسها”
وإليكم بعض من وصفها له ولمشاعرها تجاهه فى الرواية:
“تحاول دائما أن تقنعه بأنه حقير وأنه قزم وأنه اتفه من أن يصل إليها..
لماذا لا تتركه يذهب فتستريح منه؟ ولكن لا؛ إنه ثمن من حقها أن تتقاضاه، ومن حقها أن تضعه فى رصيدها حتى ولو ضيعته!!”.
واستكمالا للأمثلة فنجد أيضا أن رواية (أنا حرة)؛ نهايتها مختلفة تماما عما ورد فى الفيلم، وبالطبع لمشاكل تتعلق بالرقابة؛ فمثلا البطلة والبطل لم يتزوجا وعاشا ثمانى سنوات تحت سقف واحد دون عقد أو توثيق لحق أحدهما على الآخر..وهو ما يطلق عليه (بالمساكنة)، فهل كان يخشى صناع العمل آنذاك غضب الجمهور، وثورته واحتجاجه؟!
لماذا لم يتجرأ احدهم، ويناقش أمورا ظلت تمارس فى الخفاء ليطرحها ويجد لها قبولا أو رفضا، أو حتى مجالا للتحليل وإعادة النظر..فيوضح بذلك عيوبها ومزاياها..سلبياتها وايجابياتها!!
هل يخشى الصناع من مجرد طرح الآراء فى قضايا شائكة؟! أم تمنعهم الرقابة المؤسسية والمجتمعية؟!
يعبر(إحسان) فى مقدمة روايته(أنا حرة) عن موقفه من هذه القضية مفسرا:


“وكان يمكننى أن اتجنب كل هذه المتاعب، وكل هذا الجدل، لو أنى رفعت بضعة سطور من كل قصة، ولو أنى عدلتمثلاتعديلا طفيفا فى نهاية قصة ((أنا حرة))
و لكنى رفضت أن ينزع سطر واحد برضاى، وصممت على أن تبقى(( أنا حرة )) حرة فى اختيار نهايتها!!
إنى لا أستطيع أن أشوه الحقيقة .

كذلك فى (قصة العذراء والشعر الأبيض)؛ التى أقام الأب(الصورى) فيها علاقة جنسية مع ابنته “المتبناة” وأحبها، بل وأصبحت تحمل فى أحشائها طفلا منه!
لا كما صوره الفيلم بمواجهته لشذوذها؛ فصفعها من ثم وأدبها؛ بل أحبها وقرر الزواج بها !!
فهى طفلة لم يختر حتى أن يتبناها!! بل فرضتها عليه زوجته!!
كان يرفض تماما ومنذ البداية؛ أبوته لها.
طفلة تحمل إسمه إجبارا و إرضاءا لزوجته العاقر ، ولكنها ليست من دمه ولا حتى رباها!!
طفلة؛ لا يكترث بها ولا يهتم لأمرها ولا يعيرها أى انتباه، نضجت مع الأيام وأغرته بأنوثتها فتقربت منه إلى أن حدث ما حدث!!


لماذا لم يتناولها الفيلم كما كتبت فى القصة اذن؟! لماذا لم يحلل دوافعهما؟ يدعم أو يدحض دلائلها ؟! وإذا كانت الحبكة ورسم الشخصيات يختلف تماما عن أصل الرواية..فلماذا يتم تحويلها من الأساس؟! لماذا لا يتركوها بأفكارها ورؤيتها التى تختلف تماما عن رؤية المخرج أو المنتج..ويقوموا بتأليف قصة أخرى يرتضوها، أو يتم اختيار كاتب من البداية تتماشى رؤيته مع رؤيتهم؟!
لماذا لا يتجرأ أحد المنتجين فينشر أفكار الكاتب كما وردت؟!
فإذا كانت قد أعجبته القصة والحبكة من البداية، ورسم الشخصيات ودوافعها، ومن ثم قرر إنتاجها؛ لماذا يتراجع ويجبن عند تنفيذ العمل الذى ألهمه ، هل يضطر لتغيير بعض الأفكار والآراء التى ربما يكون “هو ذاته مقتنعا بها”؛ إرضاءا للجمهور الذى سيقوم بدفع قيمة التذكرة؟!
على افتراض أن الرقابة ستسمح له بالعرض!!
من يحدد نوعية العمل المعروض وجودته الفكرية والفنية؟ من يقود هذه العملية ؟ صاحب الفكر والرأى والحرفة؟ أم المتلقى على اختلاف ثقافته وبيئته ومستواه الفكرى؟! أم النظام الاقتصادى الذى لا يدع مجالا للمغامرة والخوض أحيانا فى صراع فكرى محتمل؟!


ومن من المفترض أن يكون أكثر جرأة وقدرة على مواجهة الرأى المضاد والمجازفة؟ القائد أم التابع؟ أم أن القائد أصبح فى نهاية المطاف مجرد ” تابع” هو الآخر؟!

شاهد أيضاً

جيش الاحتلال يعترف بإصابة 8 جنود في معارك غزة

جيش الاحتلال يعترف بإصابة 8 جنود في معارك غزة

شفا – قال جيش الاحتلال الإسرائيلي إن 8 من جنوده أصيبوا في معارك بقطاع غزة …