12:23 صباحًا / 6 ديسمبر، 2022
آخر الاخبار

رفضًا لسياسةِ الاعتقالِ الاداري: الرفاقُ يقرعون الجدران بأمعائهم الخاوية؛ قرارنا حريّة، بقلم : رلى أبو دحو

رفضًا لسياسةِ الاعتقالِ الاداري: الرفاقُ يقرعون الجدران بأمعائهم الخاوية؛ قرارنا حريّة، بقلم : رلى أبو دحو

في 25 أيلول المنصرم، أعلن ثلاثون معتقلًا إداريًّا من الجبهة الشعبيّة الإضرابَ عن الطعام احتجاجًا على سياسة الاعتقال الإداري التعسّفي بحقّهم من قبل القائد العسكريّ الاحتلالي، بالنسبة لهم هذه السياسة لا تعدُّ فعلًا له دوافعُهُ “الأمنية”، حسب ادّعاءات الاحتلال، بل يشكّل فعلًا عقابيًّا جماعيًّا يطال المناضل المعتقل وعائلته ومجتمعه.

وفي رسالةٍ أكّدوا فيها “أنّ مواجهة الاعتقال الإداري مستمرّة، وأنّ ممارسات إدارة سجون الاحتلال لم يعد يحكمها الهوسُ الأمني محرّكًا فعليًّا لدى أجهزة الاحتلال، بل باتت انتقامًا من ماضيهم”.

والجدير بالذكر أنّ أغلبهم أسرى سابقون؛ بعضهم تجاوزت فترات اعتقاله العشر سنوات ما بين فترات حكم بتهمة الانتماء لتنظيم الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ، أو إداريّ تحت مسمّى الملف السري.

إنّ الكتابة عن سياسة الاعتقال الإداري التي يمارسها الاحتلالُ الصهيونيُّ ضدّ خيرة مناضلي/ات شعبنا ليست بالجديدة، بل هي جزءٌ ممتدٌّ ومستمرٌّ منذ الاستعمار البريطاني على فلسطين، الذي بدأ عام 1945، مع القرار العسكري البريطاني في المادة 111، التي تتيح للقائد العام العسكري باعتقال أي شخصٍ لمجرّد الاشتباه في نشاطه السياسيّ.

ما بعد الاحتلال الإسرائيلي لما تبقى من فلسطين عام 1967، وفرض الحكم العسكري على الضفة القطاع، أخذت أعداد الفلسطينيين المعتقلين بالتصاعد، كما تصاعدت المقاومة الفلسطينية، وفي العام 1975 وبعد أن فشلت أجهزة المخابرات من انتزاع اعتراف من المناضل علي عوض الجمال من جنين، قامت بتحويله للاعتقال الإداري، الذي ظلّت تجدّده إلى أن وصل سبع سنوات، فسجل التقويم النضالي الفلسطيني المناضل علي الجمال كأطول اعتقال إداري لأسير فلسطيني. ومع اعتقاله الإداري أخذت سياسة الاعتقال الإداري تتصاعد كأداة قمعية مارستها أجهزة المخابرات الصهيونية ضد مناضلي/ات شعبنا للحد من نشاطهم ولحجز حرياتهم وجعل مستقبل الاعتقال مجهول ومرتبط بتقدير جهاز الشباك، وليس قرار محكمة واضح المعالم بتاريخ انتهاء الاعتقال، حيث أصدر الاحتلال قرار جديد رقم 1228 في العام 1988 الذي يتيح للضباط أقل رتبه من القائد العام بإصدار أوامر الاعتقال الإداري ليزج بالمئات في أتون الاعتقال الإداري، دون حسيب أو رقيب لأوسع حملة لمصادرة حياة المناضل الفلسطيني وفي محاولة للحد من الانتفاضة الشعبية المتصاعدة.

لم تكتفِ اتفاقيات أوسلو سيئة السمعة والصيت بإسقاط قضية الأسرى وتحويلهم لمجرد بند في الملحق تحت مسمى حسن نوايا وكأن المُستعمِر والمحتل يمتلك أية أخلاقيات لحسن النوايا، بل ولم تحمِ المرحلة من استمرار الاعتقالات والتنكيل بالمناضلين، في البدايات لاتفاق غزة وأريحا، تصاعدت موجه أخرى من الاعتقال الإداري ولسنواتٍ طويلة، خاصة بين صفوف المناضلين المصنفين وفق الاحتلال من تنظيمات المعارضة، خاصة الجبهة الشعبية والجهاد الإسلامي وحماس، ويُسجِل التقويم النضالي مره أخرى أطول فترة اعتقال إداري لمجموعة الإحدى عشر معتقلا إداريا (عشرة من الجبهة الشعبية وواحد من الجهاد الإسلامي) تراوحت بين 4- 5 سنوات تقريبا، امتدت من 1994 إلى 1998.

وحملة أخرى واسعة في العام 2002 مع اجتياح جيش الاحتلال للضفة الغربية، وما بين كل هذه الحملات استمر الاعتقال الإداري سيف مسلط على كل أسير سابق أو ناشط أو مناضل يعتبره جهاز الشباك الإسرائيلي فاعل في التنظيمات أو في العمل السياسي.

في مقاومة الاعتقال الإداري

على مدى السنوات وفي محطات عديده كان هناك محاولات لمقاومة ومناهضة هذه السياسة، والتي تسرق سنوات عديده من عمر المناضل وتقطع أوصال حياته وأسرته وكل ما يتعلق بإمكانية عيشه المستقر، فالمعتقل الإداري لا يدري بالضبط كم تمديد سيلحق به ومتى سيخرج، والأصعب أنه قد يعاد اعتقاله بعد ذلك بأيام أو شهر، وكثيرة هي الحالات التي حتى لم يخرج من بوابة السجن، حيث يتم إعادة اعتقاله على هذه البوابة. بعض الأسرى أمضوا ما مجموعة أكثر من عشر سنوات في الاعتقال الإداري.

وفي السنوات الأخيرة كان هناك العديد من الدعوات لمقاطعة محاكم الاعتقال الإداري التي لا تعدو مجرد أداة تشكل غطاء قانوني وتشرعن سياسات المخابرات وجهاز الشاباك الإسرائيلي ضد المناضلين، إلا أن أهم هذه المحاولات لمقاومة سياسة الاعتقال الإداري تلك التي بدأها بعض المناضلين عبر الإضراب عن الطعام، خطوة حازت على الكثير من الاهتمام والجدل أيضا، حيث وضعت ملف الاعتقال الإداري في الواجهة أمام الجميع، فالاحتلال الذي يمارس هذه السياسة دون رادع وجد نفسه عليه التعامل معها، خاصة أمام إرادة المناضل المضرب عن الطعام والحالات كانت عديده من الشيخ خضر عدنان، إلى محمد القيق، والأخطر كان حالة المناضل بلال الكايد والذي أمضى14 عامًا في الاعتقال وتم إصدار قرار اعتقال إداري بحقه مع انتهاء محكوميته، ودون أن تطأ قدمه خارج بوابات السجن، ما يؤشر إلى سياسة عقاب جديده تود مخابرات العدو فرضها حتى على الأسرى، خاصة الفاعلين منهم أثناء الاعتقال؛ فما كان من المناضل بلال كايد إلا أن يعلن إضرابه عن الطعام. كل هؤلاء شكلوا حالة تحدٍ للاحتلال ولسياسات الاعتقال الإداري، وعلى المقلب الآخر شكلوا أيضا رافعة نضالية وتعبويه للشارع الفلسطيني حول قضية الأسرى بشكل عام وللمعتقلين الإداريين بشكل خاص، وعلى الرغم من تواضع المساندة الجماهيرية إلا أنها كانت حالة التفاف مستمر ومتصاعد وأخذت أشكال مختلفة، كانت قد تلاشت عبر السنوات السابقة، حيث خيم ووقفات الاعتصام وسط المدن، تحديدًا في رام الله ونابلس و بيت لحم وجنين، وإغلاق احتجاجي لمقر الصليب الأحمر في رام الله، نتيجة سياساته غير المجدية والمنحازة لإدارة السجون، أيضًا إغلاق احتجاجي لمقر الأمم المتحدة ومبعوثها الخاص لحقوق الإنسان.

الإضراب الفردي والمتتالي لمجموعة من المناضلين المعتقلين إداريًّا ورغم أيامه/شهوره الطويلة، إلا أنه أثمر حالة تقييد لجهاز الشاباك الإسرائيلي، دفعتها للموافقة على الاكتفاء بمدة الاعتقال الإداري دون تجديده للأسير المضرب دون انعكاس عام على مجمل ملف الاعتقال الإداري، حيث استمرت المخابرات الإسرائيلية وجهاز الشباك تمارس هذه السياسة وبكثافة، واليوم يوجد نحو 800 معتقلٍ إداريٍّ وفق آخر الإحصاءات لمؤسسة الضمير.

الرفاق يعلقون الجرس: من الفعل الفردي الى إرادة الجماعة

المناضل العريق والصلب المحامي الرفيق بشير الخيري، أول من علق الجرس بمقاطعة المحاكم العسكرية التي تبت في الاعتقال الإداري، اعتقل بتاريخ 29/10/2021، من منزله وبعد خضوعه للتحقيق كانت هناك محاولة فاشلة لإصدار لائحة اتهام بحقه من قبل جهاز الشاباك، وأمام إصدار المحكمة قرار بالإفراج عنه، قام القائد العسكري للاحتلال بإصدار قرار اعتقال إداري بحقة بتاريخ 7/12/2021، وأمام ذلك أعلن المناضل الخيري مقاطعة المحكمة، وقد صرح لمحاميه التالي:

“حتى أنسجم مع نفسي، وكمحامي ورجل قانون، أرى أن هذا الإجراء بتحويلي للاعتقال الإداري بغض النظر عن مدته، إجراء يتنافى وأبسط حقوق الإنسان في الدفاع عن نفسه والاطلاع على ما يُنسب له، وذلك مخالف للشرعية الدولية التي أتاحت فرص اللجوء لقوانين الطوارئ التي تسري فقط في حالات الضرورة القصوى، أرى نفسي وصونًا لكرامتي الوطنية وقناعاتي، رافضًا ومقاطعًا المثول أمام محكمة الإداري، كما أرفض أي حكم صادر عنها”.

وعلى ضوء ذلك قرر الأسرى الإداريين مقاطعة محاكم الإداري، إلا أن ذلك كان بنظر رفاق الجبهة الشعبية غير كافي لتحريك هذا الملف ولتصعيد المواجهة ضد هذه السياسة التي باتت تستنزف حياة واستقرار المناضلين وعائلاتهم دون مبرر حتى ولو شكلي، وتحت بند الملف السري يجري الانتقام من المناضلين وخياراتهم النضالية في تاريخهم وحياتهم.

يقول المعتقل إداريًّا المناضل غسان زواهرة والذي أمضى أكثر من عشرة أعوام بين حكم وإداري ولم يتجاوز الأربعين عاما من عمره، حول الاعتقال الإداري كحياة في محطة للانتظار “وعلى سيرة الانتظار في حياة كل واحد من الرفاق هي عبارة عن انتظار… انتظار وقت الافراج، انتظار التمديد، ولما يروّح انتظار للاعتقال الجديد، وهذا الانتظار بشمل كل العيلة والمحيط، انتظار ورا انتظار”.

لذا وأمام هذه الحالة وبتاريخ 25/أيلول 2022، أخذ ثلاثون معتقلا إداريا وتبعهم عشرون بعد أسبوع من القرار بقرع الجدران وتعليق الجرس ضد سياسة الاعتقال الإداري ومواجهة الملف السري التعسفي وأوامر القائد العسكري للاحتلال عبر الإضراب عن الطعام.

في رسالته عن الرفاق المضربين عن الطعام وخيارهم بخوض معركة الأمعاء الخاوية يضيف زواهرة :”صورة الإرادة والصمود والتحدي، الذي لا يصدأ، فهؤلاء الرجال يرفضون أن يكونوا السائرين في التيار، بل يشكّلون ويصنعون التيار بأنفسهم، أراهم وأقول لكم جميعًا، أن وجعهم الحقيقي ليس بالإضراب عن الطعام، ولا بكل آلامهم وأوجاعهم وضمور أجسادهم، في هذه المعركة التي يخوضونها، بل إني أراهم سعداء أكثر من أي وقت مضى، لأنهم يرفعون صوتهم عاليًا، يقاومون المصير الذي يرفضونه، ويحاول الاحتلال رسمه لهم، هم الآن في قمة عنفوانهم لأنهم تحرروا من قيدهم وتمردوا على واقعهم، فهذه اللغة الوحيدة التي يعرفونها ويفهمها الاحتلال سبيلاً للانتصار عليه”.

نعم، هم السائرون عكس تيّار الخنوع والهزيمة، فإرادتهم حرّةٌ رغم القيد وشعارهم قرارنا حرية، إضرابنا حريّة، إنّها المرة الأولى في تاريخ الاعتقال الإداري، يأخذ مجموعة من المعتقلين الإداريين على عاتقهم طرق هذا الملف وفتح الصراع على مصراعيه بالإضراب عن الطعام، بعد أن كان فعلًا فرديًّا لمعتقلين إداريين آخرهم كان خليل العواودة، وهم معتقلين إداريين تعتبرهم أجهزة المخابرات على علاقة وثيقة بالجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. إذا الرفاق يعلقون الجرس، وهذا درس مهم في الإرادة الجمعية للنضال، وفي تحدي لسياسة تتفتك بجسد المناضلين وحياتهم وعائلاتهم على مدى عمر الاحتلال البغيض. وتأتي هذه الخطوة في وقت تشتعل ميادين فلسطين المختلفة من نابلس وجنين، إلى القدس وأم الفحم، في مواجهة ومقاومة شعبية تعيد البوصلة الحقيقة لتحرير فلسطين بين الكتيبة والعرين وباب العامود، يضيف الأسرى أيضًا مساهمتهم بدءًا من أبطال نفق الحرية، إلى أبطال الأمعاء الخاوية المعتقلون الاداريون. إذا هي ساحات المواجهة مع الاحتلال، وهذا أيضا التقطته مؤسسات ولجان الأسرى المختلفة ليكن الاسناد أيضا فعلا جمعيا تجاوز الفصائلية الفردية، إلى مساهمة وطنية عامه في خيم الاسناد، مع الأهالي، لتذكرنا بإضرابات سابقة خاضتها الحركة الأسيرة وكان الشارع الفلسطيني سندا وجيشا للأسرى معه في كل لحظة. كما هو الحال داخل الأسر، حيث تولت اللجان الوطنية عملية الحوار مع إدارة السجون ومخابراتها، خاصة في ظل مقاطعة الرفاق المعتقلين الإداريين لكل ما يتعلق بمحاكم وضباط الاعتقال الإداري. فيما بدا الأسرى في السجون في حالة اسناد عبر الإضرابات اليومية عن الطعام، وهذا ما استشعرت خطورته إدارات السجون وبدأت عبر لجان الأسرى بالتفاوض على ملف الاعتقال الإداري.

إنّ الثورة فعلٌ تراكميٌّ وجدوى مستمرّة كما علمنا الشهيد باسل الأعرج، وفي فعل الإضراب عن الطعام قرع الرفاق الجدران، استجابة لصرخة رفيقهم المعلم غسان كنفاني ، ووضعوا هذا الملف على طاولة البحث والتحدي لأوامر القائد العسكري الاحتلالي، وشعارهم لن تقتلوا فينا الحياة وروح الانتصار والحرية، وإن فرضت علينا المعركة، فنحن أهل لها وسنقاوم قراراتكم وملفاتكم السرية بأمعائنا الخاوية وبكل ما نستطيع إليه سبيلًا.

أنهى الخمسون مناضلًا إضرابهم عن الطعام، وقد حملوا حسب تعبيرهم على أكتافهم استكمال النضال ضد الاعتقال الإداري والتطرق إلى ملفاتهم الخاصة، بينما تحقق الإفراج عن المرضى وكبار السن خلال الشهرين القادمين، فيما قرارهم هو مواصلة المواجهة وصولا لتحويل الاعتقال الإداري قضية وطينة وأولوية في مواجهة المشروع الاستعماري الصهيوني، وستكون الحلقة الثانية لهم التزام بمقاطعة المحاكم الصهيونية لمواجهة هذه السياسة.

في المؤتمر الصحفي الذي أعلن فيه تعليق الاضراب، قالت صمود سعدات زوجة الأسير المضرب عن الطعام عاصم الكعبي وبالنيابة عن أهالي الأسرى المضربين عن الطعام: “في هذا الاضراب لم يكن هناك مطالب شخصية بقدر ما كانت مظاهرة احتجاجية ضد هذه السياسة، وقد حققت هدفها بالفعل الذي تجلى بنقل النضال الداخلي بين الأسرى من الحيز الفردي إلى الجماعي، ونقل الملف إلى الحركة الوطنية ولجنة الطوارئ داخل السجون”.

أخيرا، تحية لأبطال الأمعاء الخاوية أصحاب قرارنا حرية، إضرابنا حرية، هذا درس آخر يعلمنا إياه الأسرى، بأن إرادة الجماعة هي التي تحقق الانتصار، وبها نمضي إلى نضالنا من أجل حرية الوطن.

اقتبس الأسرى المضربون عن الطعام في بيانهم الأخير بتعليق الإضراب الشاعر بابلو نيرودا، وبها نختم:

“يستطيع أعداؤنا أن يقطعوا جميع الورود، لكنهم أبدًا لن يكونوا سادة الربيع”.

شاهد أيضاً

إصابة جندي إسرائيلي جراء إلقاء عبوة متفجرة في بيت لحم

شفا – أصيب جندي إسرائيلي من “حرس الحدود” بجروح، مساء اليوم الاثنين، جراء إلقاء عبوة …