
فلسطين أولاً: جوهر الصراع وحدود أوهام “العدو البديل” بقلم: عبد الرحيم جاموس
في خضمّ التصعيد الإقليمي والحديث المتكرر عن إسقاط النظام في إيران أو إضعافه، وما يمكن أن يترتب على ذلك من إعادة رسم خرائط النفوذ والتحالفات، يبرز سؤال جوهري: هل يكمن أصل عدم الاستقرار في المنطقة في وجود إيران وحدها، أم أن جذور الأزمة أعمق وأكثر التصاقاً ببنية الصراع نفسها؟ إن التجربة التاريخية والسياسية تؤكد أن أمّ القضايا في الشرق الأوسط تبقى القضية الفلسطينية، وأن استمرار تعليق الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني دون حل عادل هو العامل البنيوي الأبرز في تغذية التوتر والعنف.
منذ قيام دولة إسرائيل عام 1948، دخلت المنطقة في مسار صراعي لم يكن مرتبطاً بإيران ولا بأي “محور” مذهبي. جوهر النزاع كان – ولا يزال – متعلقاً بالأرض والهوية والسيادة وحق العودة وتقرير المصير. تعاقبت الحروب، وتبدلت التحالفات، ووقعت اتفاقيات سلام منفردة، لكن القضية الفلسطينية بقيت دون تسوية نهائية. وهذا وحده كافٍ لفهم أن اختزال أزمات الإقليم في خصمٍ بعينه يُعد تبسيطاً مخلاً بالتاريخ والواقع.
من الناحية القانونية، تستند الحقوق الفلسطينية إلى منظومة متكاملة من قرارات الشرعية الدولية التي تؤكد حق تقرير المصير ورفض الاستيطان وضرورة إنهاء الاحتلال الذي بدأ عام 1967. كما يضع القانون الدولي الإنساني، ولا سيما اتفاقيات جنيف، قيوداً واضحة على سلطة القوة القائمة بالاحتلال. غير أن هذه المرجعيات بقيت حبراً على ورق بفعل اختلال ميزان القوى، والدعم الغربي الواسع لتل أبيب، خصوصاً من الولايات المتحدة. وهكذا ظلّ الحق القانوني بلا ترجمة سياسية عادلة، ما أبقى الصراع مفتوحاً على دورات متتالية من الانفجار.
سياسياً، اعتمدت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة خطاب “التهديد الوجودي” كمرتكز دائم لعقيدتها الأمنية. وفي عهد بنيامين نتنياهو توسّع تعريف العدو ليشمل إيران ومحاور إقليمية أخرى، في إطار سردية تُبرر التفوق العسكري والعمليات الاستباقية، وتُحكم تعبئة الداخل الإسرائيلي، وتحافظ على شبكة تحالفات أمنية واسعة. غير أن تضخيم الأخطار الخارجية غالباً ما يُفضي إلى تهميش أصل المشكلة: استمرار الاحتلال وغياب أفق سياسي جادّ لتسوية عادلة.
إن افتراض أن إضعاف إيران سيقود تلقائياً إلى شرق أوسط أكثر استقراراً يتجاهل حقيقة أن الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي سابق على الثورة الإيرانية بعقود، وأنه ظلّ محور التوتر حتى في فترات لم تكن طهران لاعباً مركزياً فيها. فالمشكلة ليست في هوية “العدو البديل” الذي يُعاد تعريفه عند كل مرحلة، بل في غياب العدالة التاريخية والسياسية للشعب الفلسطيني.
إقليمياً، أثبتت تجارب العقود الماضية أن تجاوز القضية الفلسطينية أو تهميشها لم ينتج سلاماً دائماً. فالاستقرار الذي يقوم على اختلال دائم في ميزان الحقوق يظل هشّاً وقابلاً للاهتزاز عند أول أزمة. إن أي نظام إقليمي متماسك لا يمكن أن يُبنى على قوة الأمر الواقع وحدها، بل على تسوية عادلة تعترف بالحقوق وتُعيد التوازن إلى معادلة الأمن.
وعليه، فإن تحويل بوصلة الصراع من “محور شيعي” إلى “محور سني”، أو من إيران إلى غيرها، لن يغيّر من الحقيقة المركزية: بقاء الحقوق الوطنية الفلسطينية معلّقة هو أصل المعضلة. ومن دون إنهاء الاحتلال، وضمان حق تقرير المصير، والتوصل إلى صيغة سياسية عادلة – سواء في إطار حل الدولتين أو أي صيغة تكفل المساواة الكاملة في إطار قانوني جامع – سيظل الصراع قابلاً لإعادة الإنتاج بأشكال مختلفة.
الخلاصة أن فلسطين ليست ملفاً جانبياً في معادلات الإقليم، بل مفتاح استقراره. وأي مقاربة تتجاهل هذه الحقيقة، أو تراهن على تبديل الأعداء بدل معالجة الجذور، إنما تؤجل الانفجار ولا تمنعه. فسلام المنطقة يبدأ من العدالة لفلسطين، وما عدا ذلك يبقى إعادة تدوير للأزمة بأسماء جديدة.
د. عبدالرحيم جاموس
الرياض
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة أنباء فلسطينية مستقلة | من قلب الحدث ننقل لكم الحدث .