3:55 مساءً / 26 نوفمبر، 2022
آخر الاخبار

وفاة القرضاوي أظهرت مُجدّدا عُمق الشرخ في ديار العرب والمسلمين، بقلم : عبد الحميد فجر سلوم

وفاة القرضاوي أظهرت مُجدّدا عُمق الشرخ في ديار العرب والمسلمين، بقلم : عبد الحميد فجر سلوم

رحلَ يوسف القرضاوي يوم الإثنين 26 أيلول 2022 في العاصمة القطَرية الدوحة..
كان موضع جدلٍ طيلة حياتهِ، وبات موضع جدلٍ أكثر بعد وفاتهِ..
اختلفت الآراء بشكلٍ حادٍّ في وصفهِ.. فهناك من وضعوهُ في مصافِّ الأنبياء والقدِّيسين، وهُم كافة جماعات الأخوان المسلمين، ومن لفَّ لفيفهم.. وفي مقدمتهم قيادة حماس..
هناكَ إعلاميون، وإعلامُ دولٍ امتدحهُ كثيرا، وهناك إعلاميون، وإعلام دولٍ هاجمَهُ كثيرا..
وهناك من أطلقوا عليه أقسى الأوصاف، أقلها أنه كان رجُل فِتنة، وليس رجُل دين..
وهناك من تجاهلوا وفاتَهُ بالكامل، لاسيما في بلاده الأصلية، مصر..
هذا الخلافُ الحادُّ بالآراء والأفكار والمواقِف من يوسف القرضاوي، يُبيِّنُ مدى عُمق الصراع والخلاف والجِراح في ديار العرب والمسلمين..
إنهُ يُبيِّنُ أننا ما زلنا كعرب ومسلمين، نعيش في ذات الحُقبة التي عاشتها أوروبا في العصور الوسطى.. وأنهُ لا سبيلا أمامنا إلا الاستفادة من التجربة الأوروبية لوضعِ حدٍّ لمآسينا وصراعاتنا وخلافاتنا الدينية.. وأتحدثُ عن الدينية وليس السياسية (كما يجري اليوم في أوكرانيا بين أبناء المذهب الواحد من الأرثوذكس الروس والأوكران)..


**


لا يُمكن لِرجُل الدين أن يكون بذات الوقت رجُل سياسة.. فإما رجُل دين وإما رجُل سياسة.. لأن المُهمّتين مختلفتين ومُتناقضتين.. رجُل الدين يتعاملُ مع الغيبيات والروحانيات، وأما رجُل السياسة فيتعاملُ مع الواقع ومُستجدّاتهِ..
رجُل الدين ينبغي أن يتمتع بصفات الصدق والأمانة والمحبة والتسامُح، وينشُر هذه القيم.. أما رجُل السياسة فمن طبيعةِ عملهِ الّلف والدوران والمناورة وتناقض الآراء والمواقف، حسب المصالح، والكذب والتضليل والتقلُّب.. الخ.. فهذا من طبيعة عالَم السياسة، لأنه عالَم مصالح، ويتغيّر حسب المصالح.. أما قيم الدين فلا تتغير حسب المصالح، إنها ثابتة وراسخة.. ومن هنا لا يمكن لرجل الدين أن يكون بذات الوقت رجُل سياسة مُتقلِّب، لأنه بذلك يبتعد عن مقاصدِ رسالتهِ الروحية ويفقد مصداقيتهُ..


**


القرضاوي كان مُتقلبا في مواقفهِ حسبما تقتضيه المصالح.. فهو من مدرسة ابن تيمية.. ويؤمنُ بتكفيرِ بعض الجماعات الإسلامية، التي كفّرها ابن تيمية.. وهذا ما أعلنهُ على رؤوس الأشهاد خلال خُطبة الجُمعة في أحد مساجد الدوحة في أيار 2013 (في عز الحرب في سورية)، حينما قال:(النُصيرية أكفرُ من اليهود والنصارى، كما قال فيهم شيخ الإسلام ابن تيمية)..
هذا كلام في قمة التطرُّف والمُغالاة، سواء بالنُصيرية (كما يسميهم ابن تيمية) أو بالنصارى.. ولا يجوز أن يصدُر عن رجُل دين، مُهمتهُ نشر المحبة التسامُح، وليس البغضاء والكراهية، بعكس ما دعا إليه الإسلام.. ولكنه الإسلام السياسي..
وما حصل في سورية من صراع وحرب، لا يُبرِّرُ إطلاقا تكفير طائفة بالكامل، مثلها كما كافة مُكوِّنات الشعب السوري، تخضع لقرارات سُلطة الدولة.. ومُعارضَة النظام السياسي لا يُبرِّر إباحة دماء طائفة، قد يكون الكثير من أبنائها غير موافقين على سياسة الدولة..
امتدحَ دولة الإمارات ثمّ انقلب عليها.. وامتدحَ الراحل القذافي ثمّ انقلب عليه.. وامتدح الرئيس بشار الأسد ثم انقلب عليه..


**


1300 سنة من زمن الخلفاء المسلمين، في كافّة العصور، منذ الأموية والعباسية، وحتى المملوكية والعُثمانية، لم تختفي فيه الصراعات والحروب في يومٍ من الأيام بين المسلمين أنفسهم.. لماذا؟.
لأنّ هناك من يعتقدون بقوة، أن الإسلام هو (دِين ودولة) وهذا موضوع جدلي كبير.. وهناك من يُجادلون أن الإسلام بالأساس لم يأتِ بسياسةِ ونظامِ دولة وإنما بِعبادات وقيم روحية، وبعض الإجراءات أو المُعاملات المُتعلقة بتنظيم التعامُل بين المسلمين.. وحينما أراد الخلفية عمر بن الخطاب(ر) تنظيم دولة استعانَ ببعض قوانين الفُرس، الذين لم يكونوا حينها مسلمين..
نحنُ اليوم في القرن الحادي والعشرين، ولسنا في القرن السابع الميلادي..
ولذلك كل الصراعات في الإسلام بعد وفاة الرسول(ص) كانت في سبيل السُلطة والزعامَة وحُكم الدولة، ومن سيحكُم من.. وما كان الإسلام سوى مَطية لتجييش المسلمين لمصلحة هذا الطرف أو ذاك..


**


مرّت أوروبا بأسوأِ مما مرّ به المسلمون من حروب عبر تاريخهم، فكانت حرب الثلاثين عاما في الإمبراطورية الرومانية المُقدّسة، وحرب الثمانين عاما بين اسبانيا واتحاد الجمهوريات الواطئة، أو بلاد البينيلكس (بلجيكا وهولندا واللوكسمبرغ) .. وقبلها حرب المائة عام بين فرنسا وبريطانيا..


ولكن أوروبا انتصرت أخيرا على جراحها، وتصالحت مع نفسها، ووضعت أسُسا جديدة للحُكم، أبعدَت من خلالهِ سُلطة رجال الدين عن الدولة والسياسة، وحصرتها في الكنيسة والمُجتمع.. وذلك بعد أن تصالح الأوروبيون مع بعضهم ومع أنفسهم، حينما عقدوا ما عُرِف في التاريخ بـ (صِلح ويستفاليا) أو اتفاقية ويستفاليا عام 1648، وكانت أهم اتفاقية في التاريخ، لأنها كانت المُقدِّمة لفصل الدين عن سُلطة وقوانين الدولة، وحصرهِ في دُور العِبادة والمُجتمع، وأسّست لاحقا لِما يُعرف بمفهوم العَلمانية.. وهذا ما مهّد لاحقا لدخول أوروبا بداية الحداثَة وعصر النهضة، وظهرت الأفكار التنويرية، وكان لآراء المفكرين الأوروبيين التنويرية، أكبر تأثير في قيام الثورة الفرنسية عام 1789، واعتماد نهج العَلمانية في أوروبا.. وبِفضل ذلك انتقلت أوروبا إلى عصر الثورة الصناعية، ثمّ تطور نظام الحُكم على مدى كل هذه القرون، حتى وصل إلى هذه المرحلة من مفاهيم الحُرية والديمقراطية البرلمانية، والليبرالية، وحقوق الإنسان، ودول المؤسسات والقانون وتداوُل السُلطة عبر صناديق الاقتراع.. وبات الشعب هو الحَكَم والفيصل، وله الكلمة العُليا من خلال صناديق الاقتراع.. فلا يُمكن لأحدٍ في هذه البُلدان أن يُلغي الآخر أو يُقصيه أو يُلاحقه بسبب مُعارضتهِ.. بل المُعارَضة مُقدّسة لجهة مُراقبة عمل الحكومة القائمة، واصطياد أخطاؤها، والسعي لإزاحتها، واستلام المعارضَة.. وهذا أكبر مُحفِّز للحكومة القائمة للعمل بكل طاقتها وبكل أمانة وصدق وإخلاص لخدم الشعب والوطن، حتى لا تضعف الثقة بها، وتخسر الانتخابات.. وهذه القيم هي الرابط بين كل شعوب الغرب..


وها نحن اليوم نرى الشعوب الأوروبية، كيف تمتلك القرار والإرادة، وهي من تأتي بمن تُريد وتُقصي من تُريد، حسب البرامج الاقتصادية والمعيشية والخدمية، وما تراهُ يخدم مصالحها ومصالح الوطن..
ولنا عبرة كبيرة في الانتخابات الإيطالية مؤخّرا.. فحزب أخوة إيطاليا، أو بالأحرى (أخوان إيطاليا) اليميني المُتطرِّف، ذي الميول الفاشية التي تُحاكي أفكار موسوليني، كان مقصيا ومُبعَدا عن أي تحالُفات، بسبب أفكاره الفاشية، وكانت الصدمة والمُفاجئة أنه حصد الأغلبية مُستغلّا الظروف والأزمات الاقتصادية الأوروبية، وأزمة الطاقة، بزعامة رئيستهِ المتطرفة، جوجيا ميلوني، المُعادية للمُهاجرين واللّاجئين، والمُسلمين، وتؤمنُ بنقاء العِرق الإيطالي، على مبدأ هتلر..
والشعب الذي جاء بها هو من سيُزيلها إن فشلت بوعودها بتحسين ظروفه المعيشية والاقتصادية..


**


تاريخنا مصبوغٌ بلون الدم، كعربٍ ومُسلمين.. ولم نعرف الضحك في أي يوم إلّا من بين الدموع والآلام والأحزان..
آن الأوان لأن تنتقل بُلداننا إلى نهج الدول العَلمانية (أو المَدنية) المُهم أن يكون هناك فصلٌ كامل بين الدين وبين قوانين وأنظمة الدولة، التي هي لجميع أبنائها، وليست لفئة منهم.. ونتوقف عن نظرية الإسلام: دين ودولة، التي يعشقها الأخوان المسلمون وكافة التنظيمات الدينية، التكفيرية والمتطرفة والمعتدلة..


وكفى تشويها لمعاني العَلمانية واتهامات غبية للعلمانيين.. فالعلمانيين هُم الأشدُّ احتراما للدين، وهُم مع الدين في الحياة ومع احترم كافة خصائص الطوائف الدينية، وممارسة عباداتهم وطقوسهم بكل حرية، ولكن يجب أن تبقى الدولة بعيدة عن التطييف، ومُمثِّلة لكل أبناؤها ويتساوى فيها الجميع بالحقوق والواجبات، بغضِّ النظر عن أي انتماءات..
العلمانية هي ببساطة إعمال العقل بكل شيء.. هي السياسة غير الدينية، التي ترفض تسييس الدين، أو تطييف السياسة، فمصائب مُجتمعاتنا هي هُنا.. والمُشكلة مع الإسلام السياسي (سنّي أو شيعي) هي هُنا..
يقول (توماس بين) المفكر الأمريكي من أصل بريطاني، وأحد أبرز فلاسفة عصر التنوير في أمريكا: “أعظم الآلام التي أصابت الجنس البشري هي تلك التي كانت لها جذور دينية”.

شاهد أيضاً

طقس بارد.. آخر تطورات المنخفض الجوي والأمطار

شفا – توقع الراصد الجوي ليث العلامي، أن تبقى الفرصة مهيأة هذه الليلة وحتى عصر …