3:08 مساءً / 8 نوفمبر، 2026
آخر الاخبار

تحت سياط الصقيع: غزة بين مطرقة النزوح وسندان الشتاء المنسي ، بقلم : نسمة مختار

تحت سياط الصقيع: غزة بين مطرقة النزوح وسندان الشتاء المنسي ، بقلم : نسمة مختار

مع حلول كل شتاء، تنكشف في قطاع غزة فصول ملحمة إنسانية تتجاوز في قسوتها حدود الوصف، حيث يتحول المطر الذي طالما كان رمزاً للخير والعطاء إلى كابوس يؤرق مضاجع مئات الآلاف من النازحين. في هذا العام، لا يواجه الفلسطينيون في القطاع أزمة سياسية أو عسكرية فحسب، بل يخوضون معركة وجودية شرسة ضد الطبيعة والأمراض، في ظل انعدام كامل لأدنى مقومات الحياة البشرية.

الحياة تحت قماش واهن

تحولت الخيام، التي باتت المأوى القسري لأغلبية سكان القطاع، إلى خط الدفاع الأول والأخير ضد المنخفضات الجوية العاتية. غير أن هذه الهياكل القماشية والبلاستيكية المهترئة تقف عاجزة أمام الرياح العاصفة والأمطار الغزيرة. تتسرب المياه من سُقُفها وتجتاح الأرضيات الطينية، لتحول مراكز النزوح إلى مستنقعات من البؤس. إن العيش في خيمة خلال مربعانية الشتاء ليس مجرد غياب للمأوى، بل هو تعريض مستمر للكرامة الإنسانية للامتهان، حيث ينام الأطفال والنساء على الأرض الباردة والمبتلة دون أغطية تقيهم لسعات الصقيع.

مثلث الموت: البرد، الجوع، والأمراض

لا تأتي المنخفضات الجوية وحيدة، بل يصاحبها ثالوث مرعب يهدد التجمعات السكانية النازحة:

  • الصقيع القارس: في ظل انعدام وسائل التدفئة وانقطاع التيار الكهربائي وشح الوقود، يضطر الأهالي إلى حرق البلاستيك والملابس البالية للحصول على الدفء، مما يملأ الأجواء بالغازات السامة.
  • الأوبئة الشتوية: تشهد المخيمات انتشاراً متسارعاً للأمراض التنفسية الحادة، والنزلات المعوية، والأمراض الجلدية الناتجة عن تلوث المياه واختلاطها بمياه الصرف الصحي.
  • انهيار المنظومة الصحية: تقف المستشفيات المتبقية والנקاط الطبية الميدانية عاجزة عن تقديم العلاج، نظراً للنقص الحاد في الأدوية والمضادات الحيوية والمستهلكات الطبية الأساسية.

أبعاد موضوعية للأزمة الكارثية

من الناحية البنيوية، لا يمكن فصل هذه المعاناة عن التدمير الممنهج للبنية التحتية في قطاع غزة. إن غياب شبكات تصريف مياه الأمطار، وتدمير الطرقات، ومنع دخول المساعدات الإنسانية الإغاثية مثل الخيام المقاومة للأحوال الجوية، والملابس الشتوية، والوقود اللازم لتشغيل المضخات يضاعف من حدة الكارثة ويجعل من مواجهة الشتاء أمراً مستحيلاً بالإمكانيات المحلية المتاحة.

خاتمة: المسؤولية الأخلاقية الدولية

إن صياغة المعاناة في غزة خلال فصل الشتاء لا ينبغي أن تُختزل في أرقام وإحصائيات ترصد درجات الحرارة أو كميات الأمطار، بل هي صرخة ضمير أمام عالم يراقب ببرود تجمد أطفال في خيامهم. إن المجتمع الدولي، بمؤسساته الإنسانية والحقوقية، مطالب اليوم أكثر من أي وقت مضى بالانتقال من مربع الإدانة والقلق إلى مربع الفعل؛ عبر الضغط الحقيقي لفتح المعابر، وإدخال المساعدات الشتوية الطارئة، وإعادة إعمار ما دمرته الحرب. فالبرد لا ينتظر التوازنات السياسية، والموت صقيعاً هو وصمة عار لن يمحوها التاريخ عن جبين الإنسانية.

شاهد أيضاً

معرض الصين الدولي للاستيراد.. الأصدقاء العرب القدامى: منتجات صحراوية تُجدد أواصر التعاون الاقتصادي مع الصين

معرض الصين الدولي للاستيراد.. الأصدقاء العرب القدامى: منتجات صحراوية تُجدد أواصر التعاون الاقتصادي مع الصين

شفا – مجموعة من “الأصدقاء القدامى” من الدول العربية وصلوا كما هو مقرر مع إقامة …