
كيف تحول المعلم العربي من صاحب رسالة إلى موظف ، بقلم : د. فواز عقل
بداية أقول، أيها المعلمون أن مهنتكم ليست شهادة تعلقونها على الحائط بل هي أمة تحيونها، وأقول حين تسقط مكانة المعلم تسقط الأمة بأكملها في مستنقع الجهل.
رحم الله الشاعر إبراهيم طوقان الذي قال:
هيا أعيدوا للمعلم شأنه أو فاقبلوه مجهلا وجهولا
كيف تحول المعلم من صانع للتاريخ من صانع رغبة من مربي من صاحب رسالة من صانع بوصلة من صانع نهضة من صانع فرصة من صانع دهشة من صاحب رادار إلى موظف؟ وأصبح ينظر إلى التعليم كوظيفة كبقية الوظائف علما بأن المعلم هو أبو الوظائف كلها.
عندما أصبحت مهنة التعليم أغلى من الرسالة والشاشة أهم من الكتاب وأصبح المعلم يركض وراء شهادة بلا مهارة بلا تدريب وهيبة بلا انضباط ونجاحا بلا تعب.
وهكذا صغرت رسالة المعلم وكلما صغرت رسالة المعلم كلما تقزمت الأجيال وتحول المعلم من مربي أجيال يصنع الرغبة يوقظ الدافعية إلى موظف، وتحول المعلم من معلم ملهم ومعلم راعي إلى معلم ملجم ومعلم راوي.
وما أجمل ما قاله لي كوان حاكم سنغافورة، عندما سئل أنتم دولة صغيرة كيف صنعتم المعجزة؟ قال أنا لم أصنع المعجزة في سنغافورة أنا فقط قمت بواجبي نحو وطني فخصصت موارد الدولة للتعليم وغيرت مكانة المعلمين من طبقة بائسة إلى أرقى طبقة في سنغافورة فالمعلم هو من صنع المعجزة وهو ما أنتج جيلا متواضعا محب للتعليم والأخلاق.
وما أجمل ما قاله رئيس وزراء اليابان لأحد الصحفيين عن سر نهضة اليابان فأجاب قائلا: نحن لا نملك عقولا خارقة ولكن لدينا معادلة بسيطة، علم +أخلاق +عمل = نهضة.
لأنه عنده تكون صاحب رسالة يعني ما تريد أن تقدمه للآخرين وهي السبب الذي يجعلك تواصل السير عندما تتراجع الحماسة و هي القيمة التي تضيفها إلى مجتمعك أو مجالك و الأثر الذي تطمح أن يبقى بعد رحيلك.
وهنالك بعض الأسئلة تثقل كاهلي وكاهل الكثيرين:
هل سقطت مكانة المعلم؟
هل أصبحت مهنة التعليم مهنة من لا مهنة له؟
هل المشكلة في إعداد المعلمين؟
هل المشكلة عدم وجود بوصلة تعليمية واضحة؟
هل المشكلة عدم مجاراة العصر؟
هل المشكلة ضعف المردود المالي؟
لماذا ينظر إلى مهنة التعليم كأي وظيفة؟
لماذا تراجعت النظرة إلى المعلم بعد أن كان ينظر إليه كما قال شوقي:
كاد المعلم أن يكون رسولا
وما قاله رفعت الطهطاوي: المعلم هو أشرف من يمشي على الأرض
هل أصبحت المدرسة تطفئ العقل عند الطالب؟ بدلا من أن تكون مساحة للمعرفة والتربية؟
هل أصبح المعلم يركض ليوفر حياة كريمة له ولأسرته؟
هل هوس الأهل والمجتمع بالعلامات المرتفعة أضاع بهجة التعليم والتعلم؟
هل من المعقول أن يطلب الناس من المعلم أن يصنع جيلا ثم ينتقص من قيمته أمام هذا الجيل؟
لماذا لا يحصل صاحب المعرفة أو المعلم بمكانة تتناسب مع علمه بينما يحصل أصحاب النفوذ والظهور والمال على اعتراف اجتماعي أكبر؟
كان الناس يؤمنون بالتعليم والمعلم، وانحرفت البوصلة وخنق الإيمان بالتعليم والمعلم وأصبحت الشهادة والعلامات المرتفعة هي الهدف وأصبح الاهتمام بالمعلومة أهم من الأخلاق وتوقف المعلم عن التجديد والمواكبة والتطور المهني وعن القراءة وأصبح الناس ينظرون إلى التجديد في الأشخاص، بينما التجديد الحقيقي يبدأ من مراجعة الفكر وإعادة توجيه البوصلة بعد كل خطوة ومواجهة الأسئلة الصعبة والتعلم من الخطأ.
فطالب اليوم يعيش في عالم مفتوح عالم معرفة متعدد المصادر وتطالبه المدرسة بالتلقي والحفظ و الصمت و انتظار الإجابة الصحيحة الوحيدة و هنا يفقد التعليم علاقته بالحياة و أصبح التدريس لجيل الشاشات معركة تربوية، فالمدرسة مهما بلغت لا تستطيع أن تصلح جيلا لم يتلق في بيئته أبسط قواعد التربية و الأنظمة التعليمية العربية تركز على النتائج و العلامات المرتفعة و المواد الدراسية أكثر من تركيزها على تجربة المتعلم و أصبح النجاح غاية لا ينتجه التعلم ذي معنى، و هنا ينهار دافع المتعلم لأنه لم يعد يشعر بأن التعليم يخصه و هو غير مرئي و غير معترف به و التعليم لا يعبر عنه، و يجب أن ينظر إلى التعليم باعتباره ميزان يوازن أمور الحياة و هذا الميزان له كفتان ،كفة تحمل الطلاب و الأسرة بما لهم من احتياجات و اهتمامات و كفة تحمل المعلم و النظام التعليمي بما عليهم من مسؤوليات و واجبات و لا يتحقق التوازن بين الكفتين بتحميل طرف واحد المسؤولية و إنما يتحقق بالعدل و الإنصاف و تكافؤ الفرص و الحقوق و الواجبات و تكامل الأدوار و أجمل ما يتبقى عند الطالب إلى جانب ما تعلمه قيمة عاشها مع الجميع ثم حملها إلى حياته و عمله، فالمعلم في سياق لا يتغير و يجد نفسه محاصر بين متطلبات زمن متحول و نظام تعليمي صارم يطالبه بإنتاج أساليب قديمة و لا ينظر إليه كشريك في التغيير و يتحول التغيير إلى عبء فردي حيث يفقد التعليم و الشهادة و البحث العلمي صلته بالعصر و يفقد الناس الرغبة في التعلم و التجديد والتطور، فالتعليم الذي لا يتغير، يتخلف، ولا يتخلف فجأة و لا ينهار بضربة واحدة بل يبدأ بالتراجع عندما نكتفي بتكرار المعرفة واجترار المعرفة، فالمدرسة ليست مكان لتكرار المعلومات بل ورشة لاكتشاف المعنى و إن جوهر التعليم الحديث هو الانتقال من المعلم الذي يملأ العقول إلى المعلم الذي يضيء العقول.
رحم الله الشاعر الذي خاطب المعلم بقوله:
اعمل لتطلق في العقول نورا يحيي الدجى فكرا وقلبا جميلا
ان المعلم عزه ملأ السماء أكرمه قف لا يقاس بدرهم
فالمعلم العربي لم يهزم يوم خسر معركة، بل خسر:
1-عندما أصبحت راحته أغلى من رسالته
2-عندما أصبحت المكانة والقيمة تمنح لأصحاب النفوذ والمال والظهور لا عند من يترك أثر في حياة الناس.
3-عندما أصبح المعلم يركض ليوفر حياة كريمة لأسرته.
4-عندما تكثر الخطابات النارية عن التعليم والمعلم والشهادات وعدم إعطاء أهمية لصاحب المعرفة وباني الإنسان.
5-عندم أصبحت الأسرة والطالب والمجتمع ووسائل التواصل تقلل من مكانة المعلم والتي عملت على اهتزاز صورة المعلم أمام طلابه مع أن المعلم هو أبو الوظائف كلها فهو جذر الشجرة، إذا أهملت الجذور وقفت الأغصان وسقطت الأوراق.
الحقيقة التي يتجاهلها الجميع، أن الحضارات لا يسقطها الأعداء أولا بل يسقطها جيل فقد القدرة على قيادة نفسه وأقول أن المدرسة و الجامعة ليست مكان للحصول على علامات مرتفعة وشهادات بل هي بيئة وفضاء تعليمي يتعلم فيه الطالب كيف يقرأ كيف ينتقد كيف يكتب كيف يتعلم كيف يدير وقته كيف يختلف مع الآخر بأدب، الشهادة و العلامات المترفعة تتلاشى قيمتها مع الوقت والتعليم ليس ما نضعه في عقول الطلاب بل ما نوقظه فيها من أسئلة، أما المهارات و الأخلاق و القيم فتبقى مدى الحياة.
وأخيرا أقول، نحن التربويون، المحاورون، الذين فهمنا كلنا شيء مبكرا، نحتاج إلى كرة أرضية ثانية لنزرع فيها روح الأخلاق والتعلم والتربية والتواضع، نحن أصحاب اليقظة أصحاب البوصلة نصنع البوصلة لليوم التالي ولا ننتظرها.
- د. فواز عقل-باحث في شؤون التعليم والتعلم
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.