
صناعة المعروف بين الفضاء المدرسي والنسيج المجتمعي العربي ، بقلم : أ. تشرين عوده مصاروة
«افْعَلِ الخَيْرَ فِي النَّاسِ لَعَلَّكَ تَجِدُهُ فِيكَ»
وفي ظل تسارع إيقاع الحياة المعاصرة وتنامي النزعات الفردانية والحسابات النفعية الضيقة، لم تعد المبادرات الإنسانية التلقائية ترفاً أخلاقياً، بل غدت حاجةً مُلحّة لاستعادة التوازن الوجداني وترميم الروابط الاجتماعية.
ويقتضي الانتقال بهذه القيمة من حيّز الخطاب الوعظي إلى فضاء الممارسة اليومية الواعية إدراكَ أن المعروف لا يُختزل في العطاء المادي أو المشروعات الإغاثية الواسعة؛ فهو يتجلّى في الالتفاتات الإنسانية اليسيرة التي لا تستلزم جهداً كبيراً، غير أنها تُخلّف أثراً بالغاً في نفوس المتلقين، وتُضفي على المجال العام طابعاً من الطمأنينة والتآلف.
وتنطلق هذه المقاربة من فرضية مفادها أن السلوك الأخلاقي مهارةٌ قابلة للاكتساب والتنمية عبر التدريب المنهجي والتعزيز المستمر، لا مجرد استعداد فطري يتفاوت بين الأفراد. ومن ثمّ، تتحمّل المؤسسات التربوية مسؤوليةً محورية في تصميم خبرات تعلّمية تُتيح للمتعلمين ممارسة العطاء في سياقات واقعية.
إذ يتمحور جوهر الفعل التربوي حول إعداد إنسانٍ متوازن نفسياً واجتماعياً، قادرٍ على الإسهام الفاعل في محيطه:
- التعلّم الاجتماعي العاطفي: يُنمّي تفعيلُ ثقافة المبادرة لدى المتعلمين مهاراتِ الوعي بالذات وإدراك الآخر؛ فحين يتدرّب التلميذ على ملاحظة بيئته وتلمّس حاجات أقرانه، يتكوّن لديه حسٌّ مُرهف بالمسؤولية. ويتجسّد ذلك في مؤازرة الزميل المتعثر دراسياً دون استعلاء، وتقاسم الأدوات برحابة، واحتواء المنعزلين وذوي الاحتياجات الخاصة ضمن الأنشطة الصفية واللاصفية.
- الوقاية من التنمر والسلوك العدواني: تتحوّل البيئات التعليمية الخالية من قيم التراحم إلى تربةٍ خصبة لظواهر الإيذاء والإقصاء. أما تعويد الطلبة على استباق الضرر وتجنيب غيرهم العثرات، فيُحاصر بذور العنف في مهدها، ويستبدل بها مشاعر التقبّل والتعاضد.
- المعلّم نموذجاً مُلهِماً: يكتسب المتعلمون عبر المحاكاة والملاحظة أضعاف ما يتلقّونه بالتوجيه اللفظي المباشر؛ فحين يُعاين الطالب مربّياً يُصغي لهموم تلاميذه ويجبر خواطر المتعثرين بكلمة تحفيز صادقة، يتحوّل هذا السلوك إلى منهجٍ عملي يقيه الانجراف نحو الأنانية والاستخفاف بحقوق الغير.
وتكتسب هذه الممارسات أهميةً مضاعفة في الصفوف الدامجة، حيث يُفضي التنوّع في القدرات والخلفيات إلى فرصٍ ثرية لتنمية التقبّل وتقدير الاختلاف؛ فالطالب الذي يعتاد مدّ يد العون لزميلٍ يواجه تحدياً حسياً أو تعلّمياً، يتشرّب قيمة الكرامة الإنسانية بوصفها حقاً مشتركاً لا امتيازاً لفئة دون أخرى.
يجتاز المجتمع العربي المعاصر منعطفاً دقيقاً تتلاحق فيه التحولات الاقتصادية والاجتماعية، مما أفرز ضرباً من الفتور الإنساني وتراخي الروابط التقليدية، ويستدعي إحياء الموروث القيمي الأصيل صوناً للهوية وتعزيزاً للتماسك: - إحياء فضائل المروءة والتكافل: تزخر الثقافة العربية بقيمٍ متجذّرة كالشهامة وإغاثة الملهوف ونصرة الضعيف وإماطة الأذى. وإعادة دمج هذه الفضائل في الحياة الحضرية تنزع عن الشوارع وحشتها؛ فحين يُرشد عابرُ سبيلٍ تائهاً، أو يُعين مسنّاً، أو يدرأ خطراً محدقاً بالمارّة، يستردّ النسيج الاجتماعي عافيته وروحه التضامنية.
- رأس المال الاجتماعي ومحاصرة العنف: تُشير الأدبيات السوسيولوجية إلى ارتباط انحسار العنف بمتانة شبكات الثقة غير الرسمية بين الأفراد. فإحساس المواطن بأن محيطه حريصٌ على سلامته يُولّد مناخاً من الأمان النفسي، ويُضعف بواعث الاحتقان التي تُغذّيها مشاعر العزلة والتهميش.
- الارتدادي للإحسان: لا تقتصر ثمار العطاء على المستفيد منه، بل تنعكس على صاحبه؛ وهو ما تؤكده دراسات علم النفس الإيجابي وتؤصّله المرجعيات الدينية والأخلاقية. فمساعدة الآخرين تمنح الفرد إحساساً بالمعنى، وتُورثه سكينةً ورضا ضمير، وتعود عليه سنداً غير متوقَّع حين تُلمّ به الشدائد.
وعليه، فإن استنهاض هذه القيم لا يعني الحنين إلى الماضي، بل توظيف الرصيد الحضاري في معالجة إشكاليات الحاضر بأدوات تربوية حديثة ورؤى علمية رصينة.
يتطلب ترسيخ ثقافة الإحسان المستدام رؤيةً تكاملية تتضافر فيها المؤسسات التربوية والمجتمعية، وذلك من خلال: - تطوير المناهج والأنشطة: إدراج برامج تطبيقية للمسؤولية المجتمعية تُثمّن المبادرات الإنسانية بوصفها مؤشراً على النضج الأخلاقي والتعاوني.
- الشراكة بين المدرسة والمجتمع: تفعيل أندية التطوع وأسابيع العمل الخيري لإشراك أولياء الأمور والطلبة والكوادر التعليمية في تحسين الفضاءات العامة ومؤازرة الفئات الأكثر هشاشة.
- التوظيف الرشيد للإعلام: إبراز النماذج الإحسانية الملهمة بديلاً عن المحتوى الاستهلاكي والسجالات العقيمة التي تهيمن على المنصات الرقمية.
إن بناء مجتمعٍ متماسكٍ وواعٍ لا يتحقق بالتشريعات وحدها، وإنما يستلزم يقظة الضمير وتكامل أدوار الأسرة والمدرسة والهيئات الأهلية في تكريس الإحسان منهجَ حياة. وحين يغدو المعروف عادةً راسخة في تعاملاتنا، تتشكّل بيئةٌ حصينة يسودها الأمان، وتزدهر فيها قيم التراحم، وتنهض بها الأجيال الصاعدة نحو مستقبلٍ أكثر إشراقاً وإنسانية.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.