1:40 مساءً / 2 نوفمبر، 2026
آخر الاخبار

علي غازي: أكتبُ باقتصادٍ شديد لأنّ العالم مزدحمٌ بالثرثرة

علي غازي: أكتبُ باقتصادٍ شديد لأنّ العالم مزدحمٌ بالثرثرة

علي غازي: أكتبُ باقتصادٍ شديد لأنّ العالم مزدحمٌ بالثرثرة


حوار:عطا درغام


في عالم السرد العراقي المعاصر، يبرز اسم الكاتب والروائي علي غازي كصاحب بصمة خاصة ترتكز على التكثيف والاختزال. عبر أعماله؛ من مجموعته “الفصول الأربعة” إلى روايتيه “إعدام شيوعي” و”تسيبورا”، يثبت غازي أن قوة الحكاية لا تكمن في ضخامة صفحاتها بل في عمق أثرها. تلتقط نصوصه نبض المعاناة الإنسانية والتحولات السياسية بأسلوب يوازن بين بساطة اللفظ وعمق الدلالة. في هذا الحوار، نغوص في مختبره السردي، لنفك أسرار أسلوبه، ونناقش الملامح الفنية والنقدية التي تشكّل عوالمه القصصية والروائية.

المحور الأول: خصائص الأسلوب وفلسفة الإيجاز
‏1.في مجموعتك “الفصول الأربعة”، اعتمدت بشكل واضح على القصة القصيرة جداً؛ ما الذي يغريك في هذا الجنس الأدبي المقيد بالكلمات والمساحات الضيقة؟
‏
‏ عندما كتبت أول نص قصير جدا لي، هاجمني الكثير من الكتاب والنقاد وحملة شهادات أكاديميون، رغم أن مجموعة أخرى من نفس الجهات قد دافعت عن النص، منذ تلك اللحظة تفهمت، وبعمق، أن المسألة كلها تتعلق بالأسلوب، وطريقة المعالجة، وكان لدي من الوعي ما يكفي لأعرف أن المساحة الضيقة لا يمكن أن تكون عائقا مع الأسلوب والمعالجة الذكية. فالقصة القصيرة جدا حالها حال أي جنس سردي، تعتمد على الحدث والحبكة والمفارقة والوحدة، والنهاية المفتوحة والتكثيف، والموضوع الملفت، واللغة البليغة الدالة، وووو… كل هذا ينتظم في مقطوعة صغيرة قصيرة بدون زيادة ولا إطالة ولا لف ودوران…
‏المهم في صياغتها أن يشعر القارئ أنه أمام مشهد لا ينسى، مشهد يجعله في دائرة تشويق ودهشة ومتعة.
‏
‏2.يرى البعض أن الإيجاز الشديد في نصوصك يحرم القارئ من متعة التفاصيل؛ كيف توازن بين حذف الزوائد والحفاظ على تدفق الحكاية؟.
‏
‏واقعا هذه واحدة من أكثر المشاكل التي أوقعت القصة القصيرة جدا في سوء الفهم من قبل الكثيرين.
‏فالأدب اليوم قطعا لا يعتمد على الشرح والتفصيل والتوسع في وصف الأشياء، لأن الوظيفة الأساس هنا، هو كيفية عرض الحدث، وٱلية المعالجة الناجحة. كيف يمكن ان نعبر عن حادث، عن شخص، عن لحظة توتر، ومشهد بتفاصيل حقيقية؟.
‏الجواب هو، الاستغلال الجيد للرمزية والتكثيف والاختزال والبؤرة المركزية التي تحفظ للنص تماسكه.
‏
‏3.ينتقل أسلوبك المكثف من القصة إلى الرواية كما في “إعدام شيوعي”؛ هل ترى أن الرواية القصيرة (النوڤيلا) أقدر على مواكبة إيقاع العصر الحالي؟.
‏
‏ما أعتقده أن أي جنس يستطيع التعبير عن الأدب الحقيفي، ستكون له أهميته من دون فرق بين شعر ونثر
‏قد تكون الرواية أكثر تألقا، ولها النصيب الأكبر من الاهتمام، لكن النوفيلا والرواية القصيرة جدا أيضا، جزء من منظومة مركزها الأساس الإمتاع والتشويق، متى ما توافرا هذان الشرطان، فستكون المسألة مسألة اهتمام لا أكثر، وهو كل ما يحتاجه القارئ.
‏
‏4.كيف تولد الجملة الأولى في نصوصك؟ هل تخضع لعمليات نحت وتشذيب طويلة أم تأتي دفعة واحدة؟.
‏
‏في غالب نصوصي، أولي المقدمة جل اهتمامي لأنها المدخل الذي يعتمده القارئ للاستمرار في القراءة، ولعلك ستجد هذا في كل قصصي وفصول رواياتي بدون استثناء. ولأنني لا أكتب إلا بعد تبلور الفكرة، وحبك الحدث، فلا شك ستاتي كتابتي عفوية ودفعة واحدة.
‏
‏5.تعتمد في قصصك على عنصر “المفارقة” أو الخاتمة الصادمة؛ كيف تبني هذا الفخ الفني للقارئ دون أن يبدو مفتعلاً؟.
‏يعتمد الكتاب الناجحون اليوم على المفارقة، في كل الأجناس والأنواع الأدبية، وهو جزء من اللعبة السردية ولغتها التشويقية، وأما القصة القصيرة جدا، فالأمر، إذا ما أردنا تشبيهه بدقة، أشبه بالعمود الفقري، ومن دونه تفقد النصوص تألقها وحضورها في ذهن المتلقي.
‏ولكي لا يبدو مفتعلا، فلا بد من أن يكون جزءا من الحدث، أو الفكرة، أو العمق النفسي للشخصيات، والاختبار الأدق لمعرفة للكاتب الحقيقي، سيتضح بالتأكيد عندما ينجح بالموازنة بين كل هذه المفاصل.
‏6.الملاحظ في أسلوبك هو غياب الاستطراد والوصف الطويل للأماكن؛ كيف تجعل المكان حياً في ذهن القارئ بكلمات معدودة؟.
‏القارئ لا يحتاج إلى تفاصيل بقدر حاجته إلى دلالات ومشهد مرسوم بعناية، ليرسخ في ذهنه.
‏عمق الكلمات وتأثيرها الخاطف هي التي ستمارس التأثير السحري، وليس الأشياء والأماكن والموصوفات.
‏
‏7.هل تعتقد أن النثر الإيجازي الذي تتبعه يظلم العاطفة في النص ويجعلها تبدو باردة، أم أنه يمنحها قوة أكبر؟.
‏
‏برأيي أن الفرق بين نص طويل يستطرد لأجل إيصال الفكرة، وبين ٱخر قصير، هو طريقة المعالجة فقط،
‏ففي النتيجة، إننا نحتاح صنع مشهد مشحون بالصور، مشهد يشعر القارئ من خلاله أن هناك رسالة وصلت بكل وضوح. وهذه المسافات والفوارق، تتماهى وتختفي كليا، إذا عرف الكاتب أن الفوارق يمكن اختصارها، فقط عندما يبرع في استخدام اللغة والأسلوب.

‏
‏المحور الثاني: نقد المضامين وتحولات الرواية
‏8.رواية “إعدام شيوعي” تحمل عنواناً صادماً ومباشراً؛ ألم تخشَ أن يوجه هذا العنوان القارئ نحو قراءة سياسية أيديولوجية ضيقة قبل أن يبدأ القراءة؟.
‏
‏كانت الفكرة في الأساس أن تكون إعدام شيوعي رواية طويلة، لكني وبعد تفهمي العميق للقصة القصيرة جدا، ارتأيت أن استثمر ٱلياتها، فذلك أفضل بكثير وسيحقق هدف الرواية ورسالتها.
‏الرواية فكرتها ولدت قبل خمسة وعشرين سنة من وقت كتابتها، لم تكن وليدة انفعال، ولا محاولة للحديث عن الأيدلوحيات، والقارئ سيلاحظ وببساطة شديدة، أن هناك شيئا ٱخر غير الٱيدلوجيات، يطفو ويغطس ويلتهم أعماق محمد واصف
‏الشيء الوحيد الذي كان يخيفني، هو كيف أعبر عن هذا المنتمي بإخلاص للامنتمي، كيف يمكنني أن أغوص في حياتين عاشهما، من دون أن يشعر أن العالم قادر على إقناعه بوجوده.
‏الرواية لم تأخذ من الدراسة ما تستحقه، ليس لأن هناك صعوبة في فهم كيف صيغت، بل لأن ملف النقد عندنا اليوم يعاني من تشابكات معقدة في أغلبها، مبنية على أساسات غير ثقافية، وراح ضحيتها كتاب حقيقيين كثر.
‏
‏9.في الرواية ذاتها، هناك مزج واشتباك بين الوجع الفردي والهمّ الوطني؛ كيف استطعت حماية النص من السقوط في فخ الخطابة والشعارات المباشرة؟.
‏كنت مدركا منذ أن كتبت أول فصل في الرواية، أن هدفي الأساسي هو الحديث عن ذاكرة مفقودة، وليس توثيقا تأريخيا، ولا تسجيلا لحدث أو تأسيسا لتناحر فكري قد يحصل ويتكرر في أكثر من مكان. محمد واصف ليس تمثيلا لايدلوجية ولا مكان مخصوص، ومنذ اول لحظة لإعدامه، عبرت عنه كما ينبغي أن يعبر أي كاتب عن معاناة تتجاوز كونها فردية أو شخصية.
‏ولذلك سيدرك أي قارى بسيط أن المسألة لا تخص الٱيدلوجيات، بل عن الضحايا التي تسحقهم.
‏
‏10.كيف تختار أسماء شخصياتك، خاصة في رواية مثل “تسيبورا”؟ هل للاسم دلالة رمزية مسبقة أم تولد الشخصية باسمها تلقائياً؟.
‏في روايات كثيرة، يتعمد الكتاب اختيار الأسماء والأمكنة بعناية، هذا جزء من البناء الفني في كل عمل.
‏رواية تسيبورا أخذت مني وقتا طويلا في البحث عن المصادر التاريخية والدينية، ومراجعة أخبار تلك الفترة العصيبة من تاريخ العراق ابان الحرب العالمية الثانية، وعندما بدأت بكتابتها وجدت نفسي محاصرا بين اختيارين، أما رواية تدون أحداث سياسية، وأما رواية تتحدث عن مجتمع وضع تحت اختبار قاس، فبدأت من العنوان، كعلامة فارقة للاختيار الثاني.
‏
‏11.واجهت رواياتك نقداً يرى أنها تميل إلى السوداوية والقتامة؛ هل هذا انعكاس لواقع البيئة العراقية أم هو خيار جمالي مقصود؟.

‏الكتابة على كل حال أداة للتعبير، والسؤال الأول الذي يوجه لكل كاتب هو، ما الذي أردت أن تقوله؟وليس لم بهذا الأسلوب دون ذاك؟.

‏حينما قدمت شخوصا غارقين في وحل المعاناة، لم أكن أنوي قول شيء غير:
‏- هذا ما حصل، وهو يمكن أن يحصل معك.

‏
‏12.في “تسيبورا”، برزت مستويات متعددة للتأويل الأدبي؛ كيف تتعامل مع النقاد الذين يحمّلون نصوصك دلالات ربما لم تخطر ببالك أثناء الكتابة؟.
‏لا أختلف مع أي ناقد يريد أن يعطي ويقدم وجهة نظره أبدا، النقد حقه، مثلما الكتابة هي حفي.
‏لكن لا يروقني الحكم السطحي، ولا المرور المستعجل، فالعمل عندما يوضع للدراسة، يستوجب من الناقد أن لا يسقط خلفيته الثقافية عليه، إلا بدلالات حقيقية.
‏وفي النهاية، فالرواية وحدها هي من تحدد واقعية تلك التأويلات من عدمها.
‏
‏13.ثمة خيط رفيع يربط بين عوالم قصصك وعوالم رواياتك؛ هل ترى الرواية عندك هي امتداد لقصة قصيرة تمددت، أم أن لكل منهما فضاءً مستقلاً تماماً؟.
‏لا شك أن لكل جنس أو نوع أدبي اشتراطاته الفنية الخاصة، قد تشترك بواقع ما أو أسلوب معين، وهذا أمر لا يختلف عليه اثنان، لكن القصة قصة والرواية رواية.
‏الكاتب إذا كان قادرا على التعبير عن شخصية مستضعفة يستغلها الجميع، في صفحة واحدة، سيختلف معه الأمر إذا أراد أن يعبر عن حقبة تاريخية، أو صراع طبقي، الأدوات ستختلف، فضلا عن طريقة العرض.
‏
‏14.اعتمدت في بعض نصوصك على الرمزية الغامضة؛ أين يقف الحد الفاصل عندك بين الغموض الفني الجاذب وبين التعمية التي تقطع الصلة بالقارئ؟.
‏هناك دائرة ثلاثية مغلقة تتمثل، في المرسل/ الرسالة/ المرسل إليه. أي خلل في طرف يعني عجز في الطرف المقابل. وما دامت العملية تبادلية، فلا بد أن نفهم أولا أن الرمز يمارس سلطته وفق وظيفة فنية، إذا لم تكن متوازنة سيفقد العمل هيمنته وتأثيره المباشر على المتلقي. الكاتب الحقيفي يجب أن يحترم عقول القراء، لا أن يشغلهم بالبحث عن تفسير لرموزه.
‏
‏15.كيف توظف الموروث والحكايات الشعبية أو التاريخية في سردك المعاصر دون أن يبدو النص قديماً أو تراثياً صرفاً؟.
‏بدءا دعني أقول، أن كل شخص منا ينظر إلي الموروث التاريخي، من منطلق داخلي، نفسي وعقائدي. والاختبار الأهم هنا، هو البحث عن أداة التعبير المناسبة، وليس الإسقاط النفسي والعقائدي. متى ما فهمنا الفرق، تجاوزنا الإشكال بنجاح.
‏
‏المحور الثالث: البناء الفني وتقنيات السرد
‏16.من يقرأ أعمالك يلاحظ تنوعاً في ضمائر السرد (المتكلم، الغائب)؛ على أي أساس تختار اللسان الذي يحكي القصة؟.
‏قد تكون الأجوبة على هذا السؤال متعددة ومتشعبة، لكني دعني أختصر لك الأمر بالقول، أن لكل عمل أسلوبه وطابعه الخاص، الذي يفرض طريقة عرض الأحداث والبنية المعمارية بل وحتى المعايير الفنية الأمثل للتعامل مع الراوي والشخوص والأماكن.
‏في إعدام شيوعي، ووزات نيسان استخدمت الميتاسرد، لأن طبيعة العمل في واقعها مرتبطة بشخوص تنتقل من عوالم حاضرة إلى أخرى غائبة، بإمكانك ملاحظة ذلك بوضوح في شخصية ثامر السامرائي، وفي سورية العجوز.
‏وفي أربعة أجيال من طين، كان الراوي العليم، يقدم عرضا متسلسلا لأحداث الإيشان والقرى الأربع المحيطة به، وهو نفس الأسلوب المتبع في رواية تسيبورا.
‏المهم في هذا المفصل هي البؤرة، أين توضع؟. وأي مكان يناسبها؟.
‏17.الحوار في رواياتك يظهر مقتضباً وسريعاً؛ ما هي الوظيفة الأساسية للحوار في ميزانك الفني؟ هل هو لتحريك الحدث أم للكشف عن بواطن الشخصيات؟.
‏أنا أكثر الناس ترددا في استخدام الحوار، لذلك تكاد تراه قليلا ومقتضبا في رواياتي. ومنشأ خوفي يتعلق بواحدة من أهم الأمور التي أرى أنها جوهرية في العملية السردية، فالحوار له وظيفة، وقبل أن نستخدمه علينا أن نعرف في أي موضع ولأي غاية. فبعض الأحيان يحتاج السرد إلى تفعيل وحركة، أما للكشف عن بواطن الشخصيات، وتقديم وصف ووجهة نظر حولها، وإما لنقل الحدث من مستوى إلى مستوى.
‏
‏18.كيف تدير عنصر الزمن في رواية مكثفة؟ هل تفضل الزمن الخطي المستقيم أم تلجأ للاسترجاع والقفزات الزمنية؟.
‏هذا أيضا يعتمد على الأسلوب الذي نعالج به الحدث.
‏هناك روايات كثيرة تعتمد على هذا الأسلوب، وبخلافها توجد روايات تتجاوز الخط الزمني وتبحث عن خطوط موازية أخرى. المهم أن يكون بناء العمل أكثر إقناعا وتعامله مع العامل الزمني مبني على أساس متين وليس اعتباطي.
‏
‏19.يصف بعض النقاد لغتك بأنها “لغة تقريرية ذكية” تخلو من المجازات الشعرية المبالغ فيها؛ هل تتعمد إقصاء الشعر عن النثر الأدبي؟.
‏أنا أرى العكس تماما، في إعدام شيوعي، ووزات نيسان، وكذلك في أغلب نصوص مجموعة زوجان وحبة قمح، اعتمدت على اللغة الشاعرية، والتركيز على العاطفة كأساس للتعبير. لا اقصد هنا اعتمادا كليا، فهذا يخل بالكثير من ميزات السرد. المهم لدي أن تكون جميع المفاصل مؤثثة وفق لغة مقنعة، تارة تتحقق بالشعرية وتارة بالمباشرة.
‏
‏20.كيف تبني ملامح الشخصية الروائية في مساحة صفحات قليلة؟ ما هي الملامح التي تركز عليها لتجعل الشخصية راسخة؟.
‏في إحدى روايات تورغينيف، قرأت وصفه لرودين في نصف صفحة، لم يترك من وصفه شيئا حتى البنطلون الضيق ذكره. في الأدب الحديث، لم يعد الوصف الظاهري للشخوص ذو اهمية، بل السؤال، ما هو امتداده، أين يوضع وما الذي سيقدمه للجو العام للرواية؟.
‏في وزات نيسان، ذكرت يونس ابن منگاش في فصل واحد، لكنه ركز في ذهن القارئ باعتباره جزء من محنة ييزي وجزء من بناء الرواية ككل.
‏الكتاب اليوم يركزون دوما على الشخصية المأزومة لتكون محورا للحدث، وهذا هو الذي يجعل من العمل مادة فكرية دسمة.
‏
‏21.في قصصك القصيرة جداً، ما هو الدور الذي تتركه لبياض الورقة وعلامات الترقيم؟ هل تعتبرهما جزءاً من لغة النص؟.

‏المحور الرابع: الكاتب والجمهور والمشهد النقدي
‏22.مع انتشار منصات القراءة السريعة، هل تعتقد أن أسلوبك المكثف والقصصي هو الأكثر ملاءمة لجيل القراء الحالي؟.
‏يدور نقاش واسع حول هذا الأمر منذ فترة ليست بالقصيرة، وأيضا يتم إقحام الأدب الوجيز كانعكاس للعصر ومتطلباته، لكن على ما يبدو، أن الأدب يتجاوز هذا المفهوم بمراحل كثيرة، نعم هناك قارئ جديد بمواصفات قد تكون مغايرة عن قراء القرن السابق، مع ذلك وحسب ظني، أن من يفرض نوع القراء وأولوية اهتمامهم، هو الأدب بشكله العميق وليس بطوله أو قصره. وكتاباتي لا تشذ عن هذه القاعدة، إذا حصل يوما ووجدت من يهتم بها، ليس لأنها قصيرة وسريعة، بل لأنها تخاطب الإنسان وتعبر عنه بالصورة التي تستحق أن تجد من يلتفت لها.
‏
‏23.كيف تنظر إلى النقد المواكب لأعمالك في العراق والعالم العربي؟ هل أنصفك النقاد أم أن القراء كانوا أكثر فهماً للنصوص؟.
‏
‏لأكن صريحا، أغلب جمهوري هم قراء مثقفون، والنقاد الذين اهتموا بكتاباتي قلة قليلة، لست الوحيد الذي يعاني في هذا الجانب، فالمشكلة تكاد تكون عامة، وتحددها عوامل كثيرة يطول شرحها. لكن نصيحتي لكل كاتب، أن يولي القراء ضعفي اهتمامه بالنقاد، لأنهم المعيار الحقيقي لمدى عمق كتاباته وصدقها.
‏‏
‏24.يرى البعض أن الجوائز الأدبية أصبحت توجه أساليب الكتابة نحو الروايات الضخمة (الملحمية)؛ كيف صمدت برواياتك القصيرة أمام هذا التيار؟.
‏أظن أن لكل نوع أو جنس أدبي له حضوره، لا أحد قادر على إلغاء ٱخر، صحيح إن الرواية اليوم تعد بالمركز الأول من حيث الاهتمام وتسليط الأضواء، لكن الرواية القصيرة جدا لا تقل أهمية عنها خصوصا مع الكتابة الناضجة والواعية والمؤثرة، يمكنك أن تقول أن رواية وزات نيسان ذات الخمسين صفحة، ستقدم لك نفس المتعة التي تنشدها عندما تقرأ رواية من ثلاثمئة صفحة، لأن الأمر يتعلق بمفهوم الأدب، وهو أوسع بكثير من مفهوم الأنواع والأجناس
‏
‏25.”في رواية ‘إعدام شيوعي’، بدت المصائر مرسومة بنوع من الحتمية القاسية؛ إلى أي مدى يتدخل وعيك النقدي والفكري في توجيه مصائر شخصياتك، وهل تمنحها أحياناً حرية التمرد على خطتك الأسلوبية؟.
‏
‏أظن أنك تغفل هنا عن حقيقة ناصعة حول رواية إعدام شيوعي. فمصيره المحتوم لم يكن هو أصل موضوع الرواية أبدا، لأننا قد نتشارك جميعا في هذا المصير.
‏أنا تناولت جانبا مظلما من حياة رجل كان يموت كل يوم بل ويؤكد ذلك في عبارة:
‏”وأشعر كل يوم، أن جزءا مني يذهب للمقبرة”.
‏وقوفه فوق أكوام الثلج وأمام فصيلة الإعدام لم يكن نهاية الرواية، حتى نطلق هذا الحكم عليها.
‏وفي خصوص التمرد، سأقول لك أني لا أكتب من فراغ ومن دون خطة، بل أرسم الأحداث والشخصيات أولا ثم أكتب، ولذلك، لا توجد عملية تمرد بل انصياع تام لما خططت وقررت.

‏26.”بما أنك تميل إلى الحذف والاختزال الشديد، هل تصل أحياناً في تصفية النص إلى نقطة تشعر فيها أنك حذفت لحم الحكاية ولم تترك سوى عظمها؟ أين ينتهي الاختزال الجمالي وتبدأ خسارة النص؟.
‏
‏بدءا دعني اشرح لك ما هو الاختزال والحذف في مفهومي أنا. هما ٱليتان وظيفتهما تقتصران على رفع النص من نص مستطرد فيه فائض من الكلمات، إلى نص دقيق بدون زيادات وتشعبات. وهذه نقطة جوهرية في الأمر، فهناك فارق بين أن تختزل نصا طويلا وتحذف تفاصيله، وبين أن تحذف ما هو زاىد وغير ضروري.
‏القصة القصيرة جدا، علمتني أن المسألة الأهم في طريقة عرض الحكاية هي بتكثيفها وليس باستطرادها، وهذا ما يتناسب تماما مع كتابات هذا العصر الناجحة.

شاهد أيضاً

على ضفاف الحبر الساخن: تيام الشافعي ينبش جمر العامية ويفك أسرار الوجع المصري

على ضفاف الحبر الساخن: تيام الشافعي ينبش جمر العامية ويفك أسرار الوجع المصري

شفا – على ضفاف الحبر الساخن: تيام الشافعي ينبش جمر العامية ويفك أسرار الوجع المصري …