1:29 مساءً / 2 نوفمبر، 2026
آخر الاخبار

بين الواقع والإبداع: حوار صحفي مع الروائية هدى سعد حول التجربة الروائية لثلاثية المجتمع والمرأة

بين الواقع والإبداع: حوار صحفي مع الروائية هدى سعد حول التجربة الروائية لثلاثية المجتمع والمرأة

شفا – بين الواقع والإبداع: حوار صحفي حول التجربة الروائية لثلاثية المجتمع والمرأة


حوار:عطا درغام


تكتسب الرواية قيمتها الحقيقية من قدرتها على نقل تفاصيل الحياة اليومية وتحويلها إلى مادة أدبية حية تخاطب وجدان القارئ. وفي هذا الحوار، نلتقي مع الروائية هدى سعد لنناقش معها أبعاد تجربتها الأدبية، وكيف استطاعت تقديم صورة صادقة عن المجتمع من خلال أعمالها التي ركزت على إبراز الهوية المحلية والتعمق في فهم مشاعر الإنسان وتناقضاته، بعيداً عن الشعارات الجاهزة أو الأحكام المسبقة.


الميزة الأساسية في هذه التجربة هي الحفاظ على التوازن بين بساطة القصة وعمق الأفكار المطروحة، والاعتماد على لغة واضحة وحوار واقعي يعبر بدقة عن طبقات المجتمع وخلفيات أبطاله. هذا التميز جعل التجربة محوراً لنقاشات نقدية مهمة وجادة في الندوات والمجلات الثقافية المعنية بمتابعة حركة الإبداع، وفي السطور التالية ندخل معاً إلى كواليس هذه الكتابة وأفكار صاحبتها.

المحور الأول: عوالم رواية “الجلاب” والبيئة المحلية
•إلى أي مدى ساهمت الخصوصية الديموغرافية والاجتماعية للمكان في الرواية بتوجيه مسارات الأبطال، وكيف قاومتِ تحويل البيئة المحلية إلى مجرد ديكور خارجي؟
-المكان في «الجلاب» ليس خلفية تتحرك الشخصيات أمامها؛ فالخصوصية المكانية للمنصورة وقرية الزبيدي في قنا لم تقتصر على اللهجة والعادات وشكل البيوت، بل امتدت إلى تشكيل وعي الشخصيات واختياراتها ومصائرها. فعلاقة حسناء ببيئتها تختلف عن علاقة صباح وسيد؛ إذ أتاحت المنصورة مساحة أوسع من الحرية، بينما زادت قسوة البيئة الاجتماعية في قرية الزبيدي من معاناة صباح، التي لا يمكن فهمها بمعزل عن نظرة المجتمع إلى المرأة التي يتأخر زواجها. أما نشأة سيد وسكنه المقابر فقد أسهما في تشكيل بنيته النفسية وتطور شخصيته لاحقًا. لذلك لم يكن اختيار بيئات الشخصيات عشوائيا؛ فالأماكن والموروثات والطقوس جزء من وعي الشخصيات، وتؤثر في قراراتها ومخاوفها.

•كيف استطعتِ تطويع الموروث الشعبي داخل العمل ليكون محركاً أساسياً للأحداث دون السقوط في فخ التوثيق الفلكلوري الجاف؟
-ابتعدت عن الوصف التقريري للموروث الشعبي، وجعلتُ الشخصية محور الحدث؛ فنرى الطقوس بعينيها، ونستمع إلى أفكارها، ونشعر بمخاوفها وترددها، فنصبح جزءًا من التجربة لا مجرد متلقين لوصفها، وبذلك تحول التوثيق لتجربة حية تتداخل فيها وعي الشخصيات ومعتقداتها مع قراراتها ومسارات أحداثها.

•واجهت شخصيات الرواية تحولات مجتمعية حادة، ما هي التحديات الأدبية التي واجهتكِ لعكس هذه التحولات بصدق ودون تبني موقف وعظي؟
-أردت أن أنقل الواقع كما هو من دون تزييفه أو تبريره، مع الحفاظ على مسافة فنية تحول دون الوقوع في الوعظ أو المباشرة، لذلك حرصت على أن تكون الشخصيات هي محور الأحداث والتحولات، وأن يراها القارئ من الداخل فيشعر بمخاوفها وترددها ويفهم دوافعها، من دون أن أفرض وصايتي على عقله أو أوجهه، أحببت أن أترك له مساحة للتفكير وطرح الأسئلة، وأن يتأمل الصورة كاملة قبل أن يُصدر أحكامه؛ فلا الخير مطلق، ولا الشر يولد مع الإنسان. فالأدب في رأيي لا يملي على القارئ موقفًا وإنما يضعه أمام تعقيدات الواقع وتناقضاته. أما الوعظ والمباشرة فينتقصان من قيمة التجربة الأدبية.

•يرى البعض أن “الجلاب” تحمل ملامح الواقعية الإنسانية، هل تعمدتِ إبراز التناقضات الحياتية بداخلها، أم أن حركة الواقع فرضت نفسها على قلمكِ؟
-أعتقد أن الأمر يجمع بين الاثنين، فالواقع بطبيعته يحمل تناقضات لا يمكن تجاهلها أو اختزالها في أحكام قاطعة، لكن نقلها إلى العمل الأدبي يقتضي وعيًا فنيًا بكيفية تقديمها، في «الجلاب»، لم أتعمد تبرئة الشخصيات أو إدانتها مسبقًا، بل حاولت الاقتراب من دوافعها وصراعاتها الإنسانية، دون أن أجعل فهم دوافعها تبريرًا لأفعالها.

•كيف وظفتِ الصراعات القائمة على العادات والتقاليد في المجتمع لإبراز الفجوة بين الأجيال المختلفة داخل الرواية؟
-لا أرى أن الصراع في «الجلاب» يتمحور حول فجوة بين الأجيال بقدر ما يتصل بسلطة العادات والتقاليد وما تفرضه من قيود على اختيارات الأفراد ومصائرهم. فهذه الموروثات تترسخ في العقول وتنتقل من جيل إلى آخر، حتى تصبح جزءًا من طريقة الناس في فهم العالم والحكم على الآخرين، فتفرض عليهم صراعات قد تتجاوز قدرتهم على المواجهة. وهذا ما حدث مع صباح وحسناء؛ إذ اضطرت كل منهما إلى سلوك طريق لم تختره، بل دُفعت إليه بفعل الظروف والموروثات الاجتماعية. فالتمرد على الموروث ومحاولة التحرر من قيوده ليسا أمرين يسيرين؛ إذ قد يجد الفرد نفسه في مواجهة مجتمع بأكمله، لا مجرد خلاف مع جيل أسبق منه.

المحور الثاني: التغلغل في العمق النفسي للمرأة والتحولات الإنسانية
•تميزت شخصياتكِ النسائية بتركيبة نفسية عميقة، كيف بنيتِ دوافع المرأة في الرواية لتجنب الصورة النمطية المعتادة للمرأة المغلوبة على أمرها؟
-لم أسعَ إلى تقديم المرأة في صورة شخص ضعيف متخاذل، ولا قوية بالمعنى التقليدي، ولا إلى جعلها تنتصر على ظروفها بالضرورة؛ فبعض الشخصيات تكون مغلوبة على أمرها بالفعل، وهذا جزء من واقعها الذي أردتُ نقله دون تزييف. لكنني حرصت على ألا تظهر في صورة الضحية؛ فلكل شخصية دوافعها ومخاوفها ورغباتها وتناقضاتها، ولها طريقتها الخاصة في مواجهة ما فُرض عليها، حتى حين تعجز عن تغييره. فالهزيمة أمام الظروف لا تلغي تعقيد الشخصية الإنسانية.

• مشاعر الفقد والانتظار شكلت ظلالاً واضحة في نصوصكِ، كيف استطعتِ التعبير عن هذه العواطف الإنسانية دون الغرق في الميلودراما أو الاستعطاف؟
-حاولتُ رسم صورة حية لمعاناة الشخصيات، بحيث يشعر القارئ بها ويتفاعل معها، دون أن أشرح له مشاعرها شرحًا مباشرًا أو أملي عليه ما ينبغي أن يشعر به. حرصتُ على أن يعيش التجربة من داخل الشخصية، من خلال أفكارها وتفاصيل المشهد وما تكشفه أفعالها وردود أفعالها، بدلًا من الاكتفاء بوصف حزنها أو تعداد ما تعانيه. فحين ينغمس القارئ في وعي الشخصية ويعايش تفاصيل تجربتها، يصبح قادرًا على استشعار ألمها بنفسه، دون حاجة إلى المبالغة في تصويره أو استدرار تعاطفه.

•عندما يمر أبطالكِ بأزمات وجودية أو اجتماعية، ما هي الأدوات الأدبية التي تعتمدين عليها لإظهار هذا التغير النفسي الداخلي في تصرفاتهم؟
-لم أنظر يومًا إلى الشخصية على أنها بضع كلمات على الورق، بل تعاملت معها بوصفها إنسانًا له عالمه الداخلي وصراعاته ومخاوفه ورغباته. وحين يتعرض الإنسان لأزمة، تنعكس انفعالاته على سلوكه وتصرفاته، وعلى لغة جسده ونظراته وصمته أو صراخه، لكن هذه المظاهر لا تنفصل عما يدور في داخله من خوف وتردد وصراع بين رغباته وظروفه. وحين تتكامل هذه المستويات، تصبح الشخصية أكثر صدقًا.

•هل ترين أن تصوير عوالم المرأة النفسية يحتاج إلى أدوات تختلف عن تلك المستخدمة لتصوير الشخصيات الأخرى، أم أن الهم الإنساني واحد؟
-أرى أن الهم الإنساني واحد، ولا يرتبط بجنس أو نوع، لكن الظروف التي يعيشها الإنسان وطريقة المجتمع في التعامل معه قد تضاعف معاناته. فالمرأة لا تواجه ألمها فحسب، بل قد تلوم نفسها وتواجه لوم المقربين منها، ونظرات المجتمع وأحكامه وانتقاداته. وهذه الطبقات المتداخلة من المعاناة تتطلب دقة في بناء الشخصية وتجسيد عالمها النفسي، حتى تصل إلى القارئ بكل ما تحمله من تعقيد.

•كيف وازنتِ بين رصد الأزمات الفردية لشخصياتكِ وبين الأزمة الجماعية للمجتمع الذي يتحركون في إطاره؟
-الأزمات الفردية تمثل لي الحصى المنحدر على جبل الأزمات الجماعية؛ فأزمات الفرد ليست إلا انعكاسًا لأزمات المجتمع الذي نشأ في ظله. ولذلك لم أتعامل مع الشخصيات بمعزل عن مجتمعها، بل تركت أزماتها تكشف عوار المجتمع المحيط بها.

المحور الثالث: الصنعة السردية والبنية الحكائية
•اعتمدتِ على تدفق سردي سلس يجذب القارئ، كيف تديرين عملية الانتقال بين الخيوط الحكائية المتعددة دون أن يفقد المتلقي شغف المتابعة؟

  • لم أضع طريقة محددة سلفًا لإدارة الانتقال بين الخيوط الحكائية، لكنني حاولت تضفير الحكايات بعناية، بحيث يترك كل خيط أثرًا شعوريًا لدى القارئ يظل حاضرًا حتى بعد الانتقال إلى خيط آخر. وحرصت على أن يحمل الخيط الجديد إشارات توحي بوجود روابط بين الحكايات، حتى إن لم تكن هذه الروابط واضحة منذ البداية. أردت أن تظل الأسئلة تتردد في ذهن القارئ، وأن تدفعه تلك الإشارات إلى محاولة تجميع القطع وربط الأحداث، وصولًا إلى تكوين صورة أكثر اكتمالًا.

•يرى النقاد في أعمالكِ توازناً ملحوظاً في البناء العام، كيف تقررين اللحظة المناسبة لتصعيد الحدث والوصول به إلى ذروته الدرامية؟
-حاولت الحفاظ على إيقاع متوازن يُبقي القارئ في حالة ترقب دون رتابة أو مبالغة، فبلوغ الذروة يحتاج إلى تمهيد منطقي يجعلها نتيجة طبيعية لما سبقها من أحداث وصراعات، وأثناء الكتابة وحين أشعر بأن الصراع قد بلغ مرحلة تفرض فيها المواجهة نفسها وتصبح محاولة تأجيلها إخلالًا بمنطق الأحداث؛ عندها أدرك أن لحظة التصعيد قد حانت.

•ما هو المعيار الأدبي الذي تتبعينه للحفاظ على بساطة الحكاية وإيصالها للمتلقي وفي نفس الوقت عمق الطرح الفكري؟
-لا أحتاج إلى التعقيد أو التكلف لمخاطبة مشاعر القارئ، وبناء جسر يسهل عليه عبوره إلى عالم الشخصيات والانغماس في حكاياتها. أؤمن بأن بساطة اللغة ووضوح السرد لا يتعارضان مع عمق الفكرة؛ فليس مطلوبًا أن أشرح الفكرة أو أقدمها في صورة تأملات مباشرة، بل أن تنبثق من الأحداث وتجارب الشخصيات وصراعاتها. أترك للحكاية أن تحمل معناها، وللقارئ أن يكتشف ما وراءها. فبساطة الكلمة قد تكون أقصر طريق إلى قلب القارئ وعقله، دون أن تحرمه من مساحة التفكير والتأويل.

•كيف تتحكمين في إيقاع السرد ليتناسب مع الحالة النفسية للشخصيات في اللحظات الحرجة من القصة؟
-أضع نفسي مكان الشخصية وأحاول معايشة اللحظة من داخلها، فينعكس إيقاعها النفسي على تدفق السرد. في المواقف الهادئة يتأنى السرد، بينما يتسارع ويصبح لاهثًا في لحظات التوتر والانفعال، وقد يتباطأ في لحظات الصدمة أو التردد. أحاول أن أجعل إيقاع الكلمات والجمل موازيًا لما تعيشه الشخصية في تلك اللحظة، بحيث لا يكتفي القارئ بمعرفة حالتها النفسية، بل يشعر بها من خلال إيقاع السرد نفسه.

•هل تفضلين ترك النهايات مفتوحة ومشرعة لخيالات القارئ، أم تميلين إلى وضع نهايات تحسم مصائر الأبطال بشكل عادل؟
-لا أعتقد بوجود نهاية واحدة ثابتة، عادلة كانت أو غير عادلة؛ فالنهاية ابنة الصراع وتتشكل وفق عوامل كثيرة ومتباينة. ولا أميل إلى فكرة أن الكاتب مطالب بإنصاف الشخصيات أو معاقبة من يستحق العقاب وفق ميزان أخلاقي. قد تحسم النهاية مصائر الأبطال، لكنها لا تحسم بالضرورة كل ما تتركه وراءها من أسئلة وتمنيات، لذلك أترك مساحة لرؤية القارئ وقناعاته في تأويل ما انتهت إليه الحكاية.

المحور الرابع: الخصائص الأسلوبية واللغة التعبيرية
•تتميز لغتكِ بالرصانة والوضوح، كيف تختارين مفرداتكِ لتلائم الأجواء الاجتماعية الدافئة التي تدور فيها الأحداث؟
-بساطة اللغة وعدم التكلف من أهم أدوات رسم شخصية تعيش طويلًا في ذاكرة القارئ؛ فهو يتعامل معها بوصفها إنسانًا حقيقيًا، وأنا أيضا أتعامل معها بهذا المنطق. لذلك أحرص على أن تلائم مفرداتها بيئتها ومستواها التعليمي ومشاعرها والخبرات التي مرت بها، ولا سيما حين تكون الشخصية هي السارد في الرواية؛ إذ ينبغي أن تنتمي لغتها إلى عالمها، لا أن تبدو صوتًا للكاتب يتحدث على لسانها. وأؤمن بأن اختيار المفردات المناسبة لا يمنح الشخصية مصداقيتها فحسب، بل يجعل البيئة الاجتماعية حاضرة في لغتها وتفاصيل حكايتها.

•جاء الحوار على ألسنة الأبطال تلقائياً وواقعياً للغاية، كيف صغتِ الحوار ليعكس الخلفيات الثقافية والطبقية لكل شخصية بدقة؟
-أحرص على أن يؤدي الحوار وظيفة داخل المشهد، فلا يقتصر على تبادل الكلمات، ولابد له أن يكشف عن الشخصيات أو يدفع الحدث إلى الأمام، وينبغي ألا تتحدث الشخصية بلسان الكاتب؛ فلكل شخصية مفرداتها التي تتشكل وفق بيئتها وثقافتها وطريقة فهمها للأمور وخبراتها. وفي الوقت نفسه أحذر من المبالغة في فرض اختلاف مصطنع بين الشخصيات لمجرد إبراز التباين بينها؛ لأن ذلك يفقد الحوار عفويته وواقعيته، ويخلق مسافة بينه وبين القارئ.

•إلى أي مدى تسخرين الوصف اللغوي لخدمة حركة الحدث وتطوره بدلاً من أن يكون مجرد استعراض جمالي للمفردات؟
-كثرة الوصف واستعراض المفردات فخ يقع فيه كثير من الكُتّاب، وقد وقعت فيه أنا أيضًا عدة مرات. وأرى أن علاجه يكون بالحذف والتهذيب مع تحديد الوظيفة التي يؤديها الوصف داخل الحكاية، حتى لا يتحول إلى استعراض لغوي منفصل عنها. فهو يخدم الحدث بطرق متعددة؛ منها التعريف بالبيئة وجعلها عنصرًا مؤثرًا في المشهد، والكشف عن الحالة الشعورية للشخصيات، وتقديم تفاصيل أو معلومات قد تكون لها دلالة أو وظيفة لاحقًا. لكن ذلك كله يحتاج إلى قدر من الانضباط، حتى لا يطغى الوصف على الحكاية أو يفقد عفويته بسبب التكلف والاستعراض.

•كيف تتجنبين في أسلوبكِ الوقوع في فخ الغموض الذي قد يفصل القارئ عن النص، دون التضحية بالبلاغة الأدبية؟
-أحاول أن أضع نفسي مكان القارئ؛ فما يفصلني عن النص أثناء قراءاتي بسبب غموض المعنى وطغيان الزخرفة اللغوية، أحاول تجنبه في كتابتي، فكثيرًا ما أصادف نصوصًا ينشغل فيها الكاتب باستعراض مفرداته وصوره البلاغية، حتى تتوارى الفكرة الأساسية خلفها. لا أرى تعارضًا بين البلاغة ووضوح المعنى، فبإمكان اللغة أن تكون جميلة وعميقة دون أن تستعصي على القارئ أو تحرمه من التواصل مع النص، المهم ألا تصبح الزخرفة غاية في حد ذاتها على حساب الحكاية والمعنى.

•اللغة هي وعاء الحكاية، كيف تبنين المفارقات والتضاد اللغوي لإبراز الفروقات الفكرية بين أبطال رواياتكِ؟
-لا أتعمد بناء المفارقات والتضاد اللغوي بصورة منفصلة عن الشخصيات، بل أترك لكل شخصية أن تتحدث من داخل وعيها ومنطلقاتها الفكرية، أحاول التسلل إلى عالمها واستحضار مفردات بيئتها وخبراتها في الوصف والتعبير والتشبيه، فتأتي لغتها انعكاسًا لطريقة تفكيرها ورؤيتها للعالم. ومن اختلاف هذه الرؤى والمواقف تتشكل المفارقات بين الشخصيات بصورة طبيعية، دون افتعال أو تحميل الحوار ما لا يحتمل.

المحور الخامس: الصدى الثقافي والتقدير في الأوساط الأدبية
•نالت أعمالكِ نقاشات جادة في محافل عريقة مثل ورشة الزيتون، كيف تتقبلين القراءات النقدية المخالفة لتوقعاتكِ أثناء كتابة النص؟
-أستقبل القراءات النقدية المخالفة باعتبارها فرصة لرؤية جوانب ربما لم أنتبه إليها أثناء الكتابة، وأحاول تفهم وجهة نظر الناقد حتى إن اختلفت مع رؤيتي أو تأويلي للعمل، فليس بالضرورة أن أتبنى كل قراءة لكنني أحرص على التفكير فيها وعدم رفضها لمجرد اختلافها معي. وأفصل تمامًا بين نقد العمل وإبداء الرأي فيه أو تسجيل الملاحظات عليه، وبين الانتقاص من شخصي؛ فالعمل الأدبي بعد نشره يصبح متاحًا للقراءة والتأويل والنقد، واختلاف الآخرين معه لا يمثل حكمًا على صاحبه.

•عندما تقرئين مراجعة نقدية في مجلات متخصصة مثل “عالم الكتاب”، ما هي الجوانب التي تركزين على معرفة رأي النقاد فيها؟
-أبحث في القراءة النقدية العميقة التي تكشف لي جوانب ربما لم أنتبه إليها أثناء الكتابة. فبعد الاطلاع على رأي الناقد في الحبكة والصراع وبناء الشخصيات، يهمني أن أرى كيف التقط المعاني والدلالات الكامنة في العمل، وكيف فهم دوافع الشخصيات وقرأ تصرفاتها. وأولي الملاحظات الفنية التي قد تكشف عيوبًا أو مواطن ضعف في العمل اهتمامًا لا يقل عن اهتمامي بالثناء عليه، وربما يفوقه؛ لأن معرفة مواضع الخلل تمنحني فرصة لمراجعة أدواتي وتطوير تجربتي في الكتابة.

•أثار التفات النقاد والكتّاب حول نصوصكِ انتباهاً واسعاً، ما الذي يحتاجه الكاتب اليوم ليصنع هذا الجسر المتين من الثقة مع الحقل الثقافي؟
-أعتقد أن بناء الثقة يبدأ بتقديم أعمال جادة تمتلك قيمة فنية، لكن الكاتب لا ينبغي أن يكتفي بموهبته أو بما يمتلكه من أدوات، بل عليه أن يواصل التعلم والتطوير، وألا يركن إلى النجاح أو الثناء على العمل، وعليه أن يتقبل النقد ويناقش القراء ويستمع إليهم؛ فهم كنز حقيقي للكاتب ومصدر مهم لتطوير مشروعه الأدبي. وأرى أن الحضور الثقافي مهم أيضًا، لكن الأهم أن يكون حضورًا فاعلًا ومؤثرًا، يضيف إلى المشهد الثقافي ويفيد صاحبه ومن حوله، لا مجرد حضور يهدف إلى لفت الانتباه.

•كيف تسهم الندوات وحلقات النقاش المباشرة في تسليط الضوء على زوايا خفية في أعمالكِ لم يلتفت إليها القارئ العادي؟
-تضم الندوات وحلقات النقاش قامات أدبية ونقدية لها تاريخ طويل وخبرات واسعة، وتتيح لي الاستماع إلى قراءاتهم النقدية المتعمقة ورؤيتهم للنصوص وتحليلها من زوايا مختلفة. وهذه القراءات تثري تجربتي وتنبهني إلى جوانب ودلالات ربما لم ألتفت إليها أثناء الكتابة. كما أن المقارنات التي يعقدونها بين الأعمال الحديثة والسابقة، وما يكشفونه من اختلاف في طرائق السرد ومدارسه يفتح أمامي آفاقًا جديدة للفهم، ويطلعني على خفايا في النصوص وتجارب الكتّاب السابقين، وهو ما ينعكس على وعيي بأدواتي وتطوير مشروعي الأدبي.

•في ظل غزارة الإنتاج الروائي الحالي، كيف تقيمين مكانة الرواية الاجتماعية القائمة على الغوص في الواقع الإنساني وسط المشهد الثقافي المعاصر؟
-أعتقد أن قيمة الرواية لا تتحدد بنوع الموضوع الذي تتناوله، بل بقدرة الكاتب على تحويله إلى تجربة إنسانية صادقة ومؤثرة. ولا أرى أن غزارة الإنتاج الروائي تعني بالضرورة تراجع مكانة الرواية الاجتماعية، أو أنها تحتل مرتبة أدنى من الرواية التجريبية أو التاريخية أو الفانتازية. فالرواية الاجتماعية قادرة على معالجة قضايا إنسانية وفكرية متعددة، وطرحها من خلال الحكاية والشخصيات دون الوقوع في المباشرة أو الخطاب الوعظي. وما يمنح االعمل مكانته هو جودة بنائه الفني وعمق معالجته للموضوع الروائي وليس تصنيفه.

شاهد أيضاً

عمران الخطيب

الثاني من نوفمبر/تشرين الثاني 1917.. ذكرى وعد بلفور المشؤوم ، بقلم : عمران الخطيب

الثاني من نوفمبر/تشرين الثاني 1917.. ذكرى وعد بلفور المشؤوم ، بقلم : عمران الخطيب يُعتبر …