4:53 مساءً / 27 أكتوبر، 2026
آخر الاخبار

الحوكمة العالمية وإعادة بناء النظام الدولي ، عام على مبادرة شي جين بينغ.. من اختلال موازين القوة إلى استحقاق العدالة الدولية ، بقلم : محمد علوش

الحوكمة العالمية وإعادة بناء النظام الدولي ، عام على مبادرة شي جين بينغ.. من اختلال موازين القوة إلى استحقاق العدالة الدولية

لم يعد السؤال الجوهري الذي يواجه العالم مقتصراً على كيفية إدارة الأزمات الدولية، بل بات يتصل بطبيعة النظام الذي يحكم العلاقات بين الدول، وبمن يمتلك حق صياغة قواعده وتحديد أولوياته، ففي عالم تتسع فيه الفجوة بين القوة والعدالة، وتتزايد فيه النزاعات والتنافسات الجيوسياسية، وتتراجع فيه الثقة بفاعلية المؤسسات الدولية، تبرز الحوكمة العالمية بوصفها قضية سياسية تتصل بمستقبل العلاقات الدولية، وبقدرة النظام العالمي على ضمان المساواة في السيادة وحماية حقوق الشعوب.


في هذا السياق، تكتسب مبادرة الحوكمة العالمية التي طرحها الرئيس الصيني شي جين بينغ في الأول من أيلول/سبتمبر 2025، خلال اجتماع «منظمة شنغهاي للتعاون بلس» في تيانجين، أهمية خاصة، لأنها تفتح النقاش حول الاختلالات البنيوية في النظام الدولي، وسبل بناء قواعد أكثر عدالة وتوازناً لإدارة الشؤون العالمية، وبعد عام على إطلاقها، تبرز ضرورة الانتقال من استعراض مبادئها إلى بحث دلالاتها السياسية، ومدى قدرتها على الإسهام في إصلاح المؤسسات الدولية وتعزيز مشاركة الدول النامية في صياغة القرارات.


تأسس النظام الدولي المعاصر بعد الحرب العالمية الثانية، مع إنشاء الأمم المتحدة وتكريس مبادئ السيادة والمساواة بين الدول وتسوية النزاعات بالوسائل السلمية، غير أن الممارسة كشفت عن فجوة مستمرة بين هذه المبادئ وتطبيقها، إذ لا تزال موازين القوى تؤثر في آليات صنع القرار، فيما تتعثر المؤسسات الدولية في معالجة نزاعات كثيرة عندما تتعارض متطلبات القانون مع مصالح القوى الأكثر نفوذاً، ومن هنا، فإن أزمة الحوكمة العالمية ليست تقنية أو إدارية فحسب، بل سياسية تتصل بتوزيع السلطة الدولية، ومدى قدرة المؤسسات القائمة على تمثيل مصالح المجتمع الدولي بمختلف دوله وشعوبه.


وتندرج المبادرة الصينية ضمن رؤية أوسع تتكامل فيها مبادرات التنمية العالمية والأمن العالمي والحضارة العالمية؛ إذ تتناول التنمية المشتركة والأمن والحوار الحضاري، فيما تركز الحوكمة العالمية على الإطار السياسي والمؤسسي اللازم لترجمة هذه التوجهات إلى قواعد وممارسات، وتقوم المبادرة على خمسة مبادئ مترابطة: المساواة في السيادة، والالتزام بالقانون الدولي، وممارسة التعددية، واعتماد نهج يتمحور حول الإنسان، وتحقيق نتائج ملموسة.


وتعني المساواة في السيادة ألا يتحول التفاوت في القدرات الاقتصادية والعسكرية إلى امتياز دائم في صنع القرار الدولي، فيما يقتضي الالتزام بالقانون الدولي تطبيق القواعد على الجميع دون انتقائية أو ازدواجية في المعايير، أما التعددية، فلا تكتمل بمجرد مشاركة الدول في الاجتماعات، بل تتطلب إتاحة فرص فعلية للتأثير في القرارات، ويربط مبدأ مركزية الإنسان هذه القواعد بحقوق الشعوب واحتياجاتها، بينما يضع مبدأ النتائج الملموسة معياراً عملياً لقياس أثر السياسات الدولية في التنمية والأمن والكرامة الإنسانية.


وتكتسب هذه المبادئ أهمية خاصة لدول الجنوب العالمي، التي لا يتناسب تمثيلها في مؤسسات صنع القرار دائماً مع وزنها السكاني والاقتصادي ومصالح شعوبها، كما تحد أعباء الديون والفجوات التكنولوجية والمالية والتجارية من قدرة كثير من الدول على تحقيق تنمية مستقلة، لذلك، فإن إصلاح الحوكمة العالمية ينبغي ألا يقتصر على إعادة توزيع النفوذ بين القوى الكبرى، بل أن يوسع المشاركة الفعلية للدول النامية، ويحد من احتكار القرار، ويعزز التعاون على قاعدة المصالح المتبادلة، دون استبدال هيمنة بأخرى أو إنشاء امتيازات جديدة.


وفي هذا الإطار، يبرز الدور الصيني في النقاش حول مستقبل النظام الدولي، من خلال المبادرات التي تطرحها بكين لتعزيز التنمية المشتركة والتعاون الأمني والحوار الحضاري وإصلاح الحوكمة العالمية، وتتيح هذه المبادرات مجالاً للنقاش بشأن إمكان بناء علاقات دولية أكثر توازناً، غير أن تقييمها يقتضي النظر إلى نتائجها العملية، ومدى إسهامها في توسيع المشاركة واحترام السيادة وتعزيز فاعلية القانون الدولي، فالصين، شأنها شأن سائر القوى الكبرى، تتحرك في سياق تتداخل فيه المصالح الوطنية والحسابات الاستراتيجية، وهو ما يجعل معيار التقييم هو مدى اتساق الممارسة مع المبادئ المعلنة، لا الاكتفاء بالخطاب السياسي أو بمواقف التأييد.


وفي هذا السياق، يضطلع مركز فلسطين لدراسات مبادرة الحضارة العالمية والحوار الديمقراطي بدور في تعزيز البحث والحوار الفلسطيني–الصيني والعربي–الصيني، من خلال دراسة المبادرات الصينية وربط أبعادها السياسية والحضارية والتنموية بالأولويات الفلسطينية والعربية، وينطلق عمل المركز من أن العلاقات بين الشعوب والمؤسسات لا ينبغي أن تقتصر على الأطر الدبلوماسية والسياسية، بل تحتاج إلى شراكات معرفية مستدامة بين مراكز الدراسات والجامعات والأحزاب والمؤسسات الثقافية، بما يعزز الفهم المتبادل وينقل الحوار من تبادل المواقف العامة إلى إنتاج المعرفة المشتركة، وفي هذا الإطار، يتكامل الاهتمام بمبادرة الحضارة العالمية، التي تؤكد احترام التنوع والحوار بين الثقافات، مع مبادرة الحوكمة العالمية، التي تطرح أسئلة العدالة والتمثيل وصنع القرار الدولي؛ فالحوار الحضاري يحتاج إلى نظام يحترم المساواة، كما أن إصلاح المؤسسات الدولية يتطلب ثقافة سياسية تعترف بالتنوع وترفض فرض نموذج واحد على المجتمعات.


أما بالنسبة إلى فلسطين، فإن الحوكمة العالمية ليست نقاشاً نظرياً بعيداً عن الواقع، بل قضية ترتبط مباشرة بحق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير وإنهاء الاحتلال وإقامة دولته المستقلة ذات السيادة وعاصمتها القدس، فقد كشفت التجربة الفلسطينية، على مدى عقود، عن الفجوة بين المبادئ التي يعلنها النظام الدولي وقدرته على إنفاذها، في ظل استمرار الاحتلال والاستيطان والاعتداءات، وما شهدته غزة من دمار واسع وكارثة إنسانية، ومن ثم، فإن القضية الفلسطينية تمثل اختباراً عملياً لمدى فاعلية القانون الدولي وقدرة المؤسسات الدولية على حماية الحقوق، ومنع الإفلات من العقاب، ومساءلة المسؤولين عن الانتهاكات، ولا يعني ذلك أن مبادرة الحوكمة العالمية تقدم آليات جاهزة لحل القضية الفلسطينية، بل إن أهميتها بالنسبة إلى الفلسطينيين تتحدد بمدى إسهام التوجهات التي تطرحها في تضييق الفجوة بين الاعتراف بالحقوق وضمان تنفيذها، ومواجهة ازدواجية المعايير، وتعزيز المساءلة، كما تبرز ضرورة تطوير العلاقات الفلسطينية مع الصين وسائر الدول الداعمة للتعددية واحترام القانون الدولي، على أساس الشراكة المتكافئة واستقلال القرار الوطني، بما يدعم الحقوق الفلسطينية ويوسع خيارات العمل السياسي والدبلوماسي والتنموي.


وبعد عام على إطلاق المبادرة، ينبغي أن يرتبط تقييمها بمدى قدرتها على الانتقال من المبادئ إلى الإصلاحات والنتائج القابلة للقياس، فالحضور في النقاش الدولي أو إعلان التأييد لا يكفي وحده للحكم على أثرها؛ إذ يتطلب التغيير توسيع تمثيل الدول النامية، وتعزيز فاعلية الأمم المتحدة، وتطوير آليات المساءلة، والحد من الانتقائية في تطبيق القانون الدولي، وتوسيع فرص الوصول إلى التمويل والتكنولوجيا والمعرفة، كما يستلزم تغليب الحلول السياسية والدبلوماسية على منطق القوة، وربط السياسات الدولية بأثرها الفعلي في حياة الشعوب وحقوقها.


وهذه الاستحقاقات ليست مسؤولية الصين وحدها، بل تقع على عاتق المجتمع الدولي بأسره، بما يشمل القوى الكبرى والصاعدة والدول النامية والمؤسسات متعددة الأطراف، فبناء نظام دولي أكثر عدالة لا يتحقق بمجرد طرح مبادرات جديدة، وإنما يتطلب إرادة سياسية لمراجعة الاختلالات القائمة، وتوسيع دائرة المشاركة في صنع القرار، وإخضاع السياسات الدولية لمعايير واضحة من الشفافية والمساءلة والفاعلية.


إن القيمة الأساسية لمبادرة الحوكمة العالمية تكمن في إعادة طرح سؤال جوهري: كيف يمكن بناء نظام دولي لا تتحول فيه القوة إلى مصدر للحق، ولا تصبح فيه السيادة امتيازاً متفاوتاً، ولا يبقى القانون مرجعية معلنة تتراجع أمام المصالح السياسية؟ إن الإجابة لا تتوقف على إعلان مبادئ جديدة، بل تتطلب تغييراً في قواعد المشاركة وصنع القرار، وفي العلاقة بين المصالح الوطنية والمسؤوليات الدولية، وفي قدرة المؤسسات على حماية الحقوق وضبط استخدام القوة.


لذلك، فإن مرور عام على المبادرة ينبغي أن يشكل مناسبة للتقييم والنقاش، وقياس المسافة التي لا تزال تفصل بين الرؤية والواقع، فنجاحها لا يقاس بعدد المؤتمرات التي تناقشها أو الدول التي تعلن تأييدها، بل بمدى إسهامها في توسيع المشاركة الدولية، وتعزيز فاعلية المؤسسات متعددة الأطراف، والحد من ازدواجية المعايير، وفتح آفاق أوسع أمام التنمية والسلام والاستقلال الوطني.


وفي عالم تتزايد فيه المخاطر المشتركة، لم تعد العدالة في إدارة الشؤون الدولية مطلباً أخلاقياً فحسب، بل شرطاً لاستدامة الاستقرار، فالنظام الذي يتيح لبعض الدول تقرير مصائر الآخرين، أو يتجاهل حقوق الشعوب وتفاوت فرص التنمية، يعيد إنتاج أسباب الصراع مهما امتلك من أدوات القوة والردع، ومن هنا، فإن الرهان على الحوكمة العالمية يتصل بقدرة المجتمع الدولي على بناء قواعد أكثر توازناً، تجعل القانون شريكاً فاعلاً في إدارة القوة، وتحول التعددية من إطار للتشاور إلى مشاركة حقيقية، وتضع حقوق الشعوب وكرامة الإنسان في صلب السياسات الدولية.


إن الطريق إلى نظام دولي أكثر عدالة يبدأ من وصل المبادئ بالممارسة، والحوار بالفعل، والتعاون بالمساءلة، وفي هذا السياق، تظل فلسطين معياراً مهماً لاختبار صدقية أي مشروع يدعو إلى العدالة الدولية؛ فحماية حقوق شعبها وإنهاء الاحتلال ليسا استثناءً من قواعد النظام الدولي، بل من أبرز الاستحقاقات التي تكشف مدى احترام تلك القواعد وقدرة المجتمع الدولي على تحويلها إلى واقع.

  • محمد علوش – كاتب وباحث، وأمين سر المكتب السياسي لجبهة النضال الشعبي الفلسطيني

شاهد أيضاً

علوش: نرفض استهداف راؤول كاسترو ونؤكد تضامننا مع كوبا في الدفاع عن سيادتها واستقلالها

علوش: نرفض استهداف راؤول كاسترو ونؤكد تضامننا مع كوبا في الدفاع عن سيادتها واستقلالها

شفا – أدان محمد علوش، أمين سر المكتب السياسي لجبهة النضال الشعبي الفلسطيني، بشدة إصدار …