
شفا – مرامي الغياب وحرية الكلمات: إبحارٌ في عوالم مريم بوشيخي الإنسانية
حوار:عطا درغام
شكلت كتابات الكاتبة مريم بوشيخي في السنوات الأخيرة صوتاً أدبياً لافتاً ينأى بنفسه عن الصخب، ويختار لغة تنبض بالبساطة العميقة والبوح الهادئ الذي يلامس جوهر الكينونة الإنسانية في مشهد ثقافي مزدحم، لا تبحث نصوصها عن المغايرة الفجة، بل تنساب كجريان ماء في أرض بكر، محملة بأسئلة الوجود، وأحوال الذات، وقلق الحرية المعنوي. تتميز تجربتها بقدرتها الفريدة على العبور المرن بين الفضاءات الأدبية؛ فمن قصيدة النثر الحاملة لشجون الروح، إلى عوالم السرد الروائي التي تتأمل النهايات ومصائر الأشياء، تؤسس لأفق يعيد الاعتبار للكلمة في صورتها الفطرية الخالصة إنها تجربة ترفض القيود النمطية والتأطير الجاهز، وتختار بدلاً من ذلك الانحياز الكامل للإنسان في ضعفه، قوته، وأشواقه الدائمة للانعتاق من ثقل الحياة المعاصرة
المحور الأول حركية الإبداع والانتقال بين الأنواع الأدبية
1-ما الذي يدفعه قلمكِ للتحول من قصر العبارة الشعرية المكثفة إلى فضاء الرواية الرحب، وهل تجدين في النثر حيزاً لا تسعه القصيدة؟
أكتب ما لا أستطيع كتمانه، أحيانًا تكفيني جملة، وأحيانا أحتاج إلى حكاية كاملة.. لا أحب أن أحبس نفسي في شكل واحد.
2-في روايتكِ “ينام أسفل عيني”، كيف تعاملتِ مع عنصر الزمن، وهل يختلف إحساسكِ بالوقت أثناء صياغة النص السردي عنه في اللحظة الشعرية؟
الزمن عندي شعور، وليس ساعة في الشعر.. أختصر عمرًا في سطر .وفي السرد ،قد أمنح لحظة واحدة عمرًا كاملًا.
3-هل ترين أن الكتابة المعاصرة تفرض على المبدع ألا يستقر في قالب أدبي واحد، أم أن هذا التنقل يأتي استجابة لنداء داخلي خالص؟
لا أتنقل بين الأنواع لإرضاء أحد ،أكتب حين يناديني النص، ولا أسأل نفسي إن كان يليق بالقصيدة أو الرواية.
4-يلاحظ القارئ لعملكِ السردي حضوراً طاغياً للحس الوجداني؛ إلى أي مدى يخدم هذا النفس الشاعري تصاعد الأحداث وحكايات الشخوص؟
أكتب الإنسان من الداخل.. من خوفه ورغباته وتناقضاته، وأعتقد أن المشاعر تمنح الحكاية روحًا لا تمنحها الأحداث وحدها.
5-كيف تتجنبين ذوبان الحدود الفنية بين الأنواع الأدبية المختلفة حين تجتمع كلها تحت سقف وعيكِ الإبداعي الواحد؟
أترك لكل نص حريته؛ فالقصيدة ليست رواية قصيرة ،والسرد ليس قصيدة طويلة ،ولكل منهما لغته ونفسه.
المحور الثاني أبعاد الكيان الإنساني وقضايا الذات
6-كتبتِ ذات مرة عن رغبتكِ في أن كوني امرأة تمشي دون يافطة معلقة؛ ما هي الملامح الحقيقية لهذه الحرية التي تنشدينها في نصوصكِ؟
أريد أن أمشي كامرأة،لا كقضية ولا كسمعة ولا كجسد.. يحق للجميع التعليق عليه.. أريد أن أعيش دون أن أعتذر عن حياتي.
7-كيف توظفين الصمت والغياب كأدوات للتعبير عن وجع الكائن الإنساني ومواجهته لتقلبات الواقع من حوله؟
أكتب الصمت؛ لأن بعض الأوجاع لا تجيد الكلام، وأكتب الغياب؛ لأن بعض الذين يرحلون يتركوننا مزدحمين بهم.
8-تبتعد كتاباتكِ عن الشعارات المباشرة في تناول قضايا المرأة، فما هو السبيل البديل الذي تتبعينه لإيصال صوتها بعيداً عن الخطابات الجاهزة؟
لا أريد أن أكتب عن المرأة كشعار، أريد أن أكتبها كإنسانة تشتهي وتغضب، وتخطئ وتختار ،وترفض أن تعيش حياة لم تخترها.
9-كيف يتشكل مفهوم “الهوية الكونية” في أعمالكِ، وكيف توازنين بين الخصوصية الثقافية والانفتاح على المشترك الإنساني العام؟
أنتمي إلى مكاني،لكنني لا أريد أن أكون سجينة حدوده.. أكتب من خصوصيتي، وأراهن على أن يصل وجعي إلى إنسان لا يعرف عني شيئًا.
10-إلى أي حد يعكس البحث عن الصوت الداخلي المفقود في قصائدكِ أزمة الإنسان المعاصر في مجتمع يغلب عليه الضجيج والاستهلاك؟
أبحث عن صوتي وسط عالم يريد للجميع أن يتكلموا بالطريقة نفسها.. ربما نكتب لأننا نخشى أن نعيش طويلًا بأصوات ليست لنا.
11- وصفتِ ذات مرة نهايات الأشياء بموت الحيتان بهدوء ثقيل في عرض البحر؛ من أين تستمدين هذه الصور التي تمزج الطبيعة بالعمق النفسي؟
أستمدها من الأشياء التي تموت فينا ،ولا نعلن موتها. ومن الطبيعة حين تشبهنا أكثر مما نتوقع.. فالحوت لا يموت في عرض البحر وحده ،بل يموت معه محيط كامل من الأسرار، وأنا أكتب لأمنح النهايات جسدًا يمكن رؤيته…
12-كيف تولد القصيدة لديكِ، وهل تختار الكلمات إيقاعها الهادئ تلقائياً أم أنكِ تمارسين نوعاً من التهدئة المتعمدة لحرارة العاطفة؟
تبدأ القصيدة بشيء يؤلمني، أو يدهشني ثم أترك اللغة تقودني ..لا أريد أن أصرخ في النص بقدر ما أريد أن أجعل القارئ يسمع ما وراء الصمت.
13-في قصيدة “امرأة”، يبدو الصوت معلقاً في زاوية الغرفة ينتظر اسمه؛ كيف تعيدين صياغة الأشياء المنسية والمهملة في فضائكِ الشعري؟
أحب الأشياء المنسية؛ لأنها تشبهنا أكثر مما نظن…أمنحها صوتا لأن العالم اعتاد أن يمر بجانبها دون أن يراها.
14-ما هو الدور الذي تلعبه الاستعارة في نصوصكِ، وكيف تجعلينها أداة لتقريب المعاني الغامضة دون السقوط في الغموض المستغلق؟
أستخدم الاستعارة ؛لأقول ما تعجز عنه العبارة المباشرة، لكنني لا أحب الغموض الذي يتباهى بنفسه.. أريد نصًا يربكك قليلًا ثم يلمسك بعمق.
15-كيف تفهمين علاقة القصيدة بالواقع، وهل هي مرآة تعكسه أم نافذة تفتح للمتلقي مساراً للهروب منه نحو عالم أرحب؟
القصيدة مرآة ونافذة في الوقت نفسه.. أكتب الواقع كما يؤلمني، وأعيد تخيله كما أتمنى لو كان.
المحور الرابع الحضور الرقمي وجسور التواصل مع المتلقي
16-حققت نصوصكِ انتشاراً واسعاً في الفضاء الرقمي والمجلات الثقافية؛ كيف أثر هذا التفاعل المباشر والسريع على نظرتكِ لعملية الكتابة ذاتها؟
النشر الرقمي جعلني أكتشف أن جملة كتبتها وحدي، قد تصبح جزءا من حياة شخص آخر، لكنني لا أريد أن أكتب لإرضاء الجمهور.
17-تداول القراء لاقتباساتكِ القصيرة بكثافة يطرح سؤالاً حول قدرة النص الوجيز على البقاء؛ هل ترين أن زمن النصوص الطويلة قد تراجع؟
لا أعتقد أن النصوص الطويلة ماتت، نحن فقط أصبحنا أقل صبرًا .أما الجملة الصادقة ؛فتستطيع أن تعيش أطول من كتاب كامل.
18-كيف تحافظين على أصالة وعمق نصوصكِ في بيئة افتراضية تتسم بالسرعة والسطحية أحياناً؟
أحافظ على أصالة كتابتي، حين أرفض أن أجعل الإعجابات مقياسًا لقيمتي.. أكتب أولًا لأن لدي ما أقوله، وليس لأن العالم ينتظر منشورًا جديدًا.
19-هل غيرت منصات التواصل الاجتماعي من وظيفة الكاتب وجعلته أكثر قرباً من نبض الناس، أم أنها وضعت عليه أعباءً إضافية؟
منحتنا المنصات صوتًا، لكنها جعلتنا نخلط أحيانًا بين الظهور والوجود.. الكاتب ليس آلة للنشر ،ومن حقه أن يصمت.
20-كيف تقيمين تجربة النشر في المجلات الدولية مقارنة بالنشر في الكتب المطبوعة من حيث الوصول إلى شرائح متنوعة من القراء؟
المجلات تفتح أبوابًا جديدة ،والكتب تمنح النص بيتًا أعمق.. لا يهمني أين يقرأني الناس ،بقدر ما يهمني أن يجد أحدهم نفسه في كلماتي.
المحور الخامس الخصائص الفنية وبساطة العبارة
21- تمتاز جملتكِ الأدبية بالوضوح الذي يخفي وراءه أبعاداً فلسفية؛ كيف تلتقطين العادي واليومي وتحولينه إلى مادة تثير التأمل؟
أحب التفاصيل الصغيرة؛ لأنها تخفي أسئلة كبيرة ..قد أكتب عن كوب بارد وأصل منه إلى الوحدة ،وقد أكتب عن امرأة؛ فأصل إلى العالم كله.
22 -يعيب البعض على الكتابة البسيطة سهولتها، بينما يراها آخرون قمة البلاغة؛ أين تضعين أسلوبكِ بين هذين الرأيين؟
أختار الكلمات التي تشبه إحساسي ،لا الكلمات التي تستعرض ثقافتي.. أريد للغة أن تلمس القارئ ،لا أن تقف أمامه؛لتخبره كم هي جميلة.
23 -كيف تختارين مفرداتكِ، وهل تؤمنين بأن للكلمات طاقة روحية تنتقل إلى القارئ بمجرد ملامستها لورق أو شاشة؟
أحب البساطة، لكنني لا أحب السذاجة.. أن تقول الكثير بكلمات قليلة أصعب عندي من أن تكتب صفحات كاملة، لتبدو عميقًا.
24- يظهر في نصوصكِ ميل واضح للاقتصاد اللغوي؛ كيف تدربين قلمكِ على قول الكثير بالقليل من الكلمات؟
أحذف كثيرًا ؛لأنني لا أثق بالكلام الزائد.. أحاول أن أترك في النص ما يستحق البقاء فقط.
25- -ما هي المرجعية الجمالية التي تستندين إليها في صياغة جملكِ، وكيف استطعتِ بناء نبرة خاصة بكِ يعرفها القارئ دون أن يرى اسمكِ عليها؟
لا أبحث عن أسلوب يشبه أحدًا ..أريد أن أكتب بطريقتي ،حتى لو أغضبت بعضهم، أو لم يفهمني الجميع.. يكفيني أن أقرأ نصي؛ فأعرف أنني لم أخن نفسي.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.