
من أكتوبر إلى أكتوبر.. من المستفيد، ومن يدفع الفاتورة؟، بقلم : صدام الدغمة
ليست العبرة دائمًا بمن يبدأ الحدث، بل بما يترتب عليه، وبمن يمتلك القدرة على توظيف نتائجه لصالحه. ففي السياسة، قد يتحول الحدث إلى نقطة انعطاف تعيد ترتيب موازين القوة، وقد تتحول الخسائر البشرية إلى أرقام في نشرات الأخبار، بينما تتقدم المصالح على حساب الإنسان وحقوقه. ومن هنا يبرز السؤال: من أكتوبر إلى أكتوبر، من حصد المكاسب، ومن دفع الفاتورة من دمه وأرضه ومستقبله؟.
بين حرب أكتوبر عام 1973، التي حقق فيها الجيش المصري مفاجأة عسكرية كسرت صورة التفوق الإسرائيلي المطلق في بداية الحرب، وأحداث السابع من أكتوبر 2023 وما أعقبها من حرب مدمرة على قطاع غزة، تبدلت المشاهد واختلفت الظروف، لكن السؤال عن النتائج والمستفيدين بقي حاضرًا. لسنا هنا بصدد افتراض أن ما حدث كان مخططًا له مسبقًا، بل قراءة ما أعقبه، ومقارنة الفعل بردة الفعل، ومساءلة السياسات التي قادت إلى هذا الواقع الكارثي.
بعد السابع من أكتوبر، أطلقت إسرائيل حربًا واسعة على غزة، تجاوزت نتائجها حدود المواجهة العسكرية إلى تدمير أحياء سكنية، وقتل وإصابة أعداد هائلة من المدنيين، وتهجير العائلات، وتدمير مقومات الحياة. وبينما كان الفلسطينيون يبحثون عن مأوى ولقمة خبز وماء ودواء، كانت حكومة بنيامين نتنياهو توظف الحرب في خطابها الأمني، وتعيد ترتيب أولوياتها السياسية، وتوسّع عملياتها العسكرية، في ظل أزمات داخلية وانتقادات لإخفاقاتها.
وهنا لا بد من التمييز بين الحدث وردة الفعل، وبين حق إسرائيل في حماية مواطنيها وفق القانون الدولي وبين استخدام القوة على نحو ينتهك حقوق المدنيين. فلا يمكن لأي ذريعة أمنية أن تبرر العقاب الجماعي أو التهجير القسري أو استهداف المدنيين، ولا يجوز أن تتحول مأساة شعب بأكمله إلى ثمن مفتوح لحسابات عسكرية وسياسية لا تنتهي.
لكن المسؤولية لا تقف عند حدود إسرائيل وحدها؛ فالمشهد العربي والدولي يطرح أسئلة موجعة عن جدوى المواقف المعلنة. لقد أُنهكت الشعوب من بيانات الإدانة والاستنكار، ومن القمم والاجتماعات التي تتكرر بينما يستمر الدمار، ويظل المدنيون محاصرين بين القصف والجوع والنزوح. أما الغرب الذي يتحدث عن حقوق الإنسان والقانون الدولي، فقد كشفت مواقف دول مؤثرة فيه عن فجوة مؤلمة بين المبادئ المعلنة والسياسات الفعلية، خصوصًا حين تتعطل الضغوط الجادة والقرارات الملزمة لوقف الحرب وحماية المدنيين.
إن المطلوب من الدول العربية والإسلامية، ومن القوى الدولية القادرة على التأثير، ليس مزيدًا من الخطابات، بل تحرك عملي يترجم المواقف إلى ضغط سياسي ودبلوماسي واقتصادي فعّال، وإلى خطوات تضمن وقف إطلاق النار، وتدفق المساعدات الإنسانية بلا عوائق، وحماية المدنيين، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات وفق القانون الدولي. فالتضامن الذي لا يغير واقع الناس يبقى أقل من حجم المأساة، والبيان الذي لا تتبعه خطوات عملية لا يوقف قنبلة ولا ينقذ طفلًا.
وفي الداخل الفلسطيني، لا يجوز إعفاء أي قيادة أو فصيل من مراجعة قراراته ونتائج سياساته. فحماس وسائر الفصائل والقيادة الفلسطينية مطالبة بأن تضع حياة الناس ووحدة القرار الوطني فوق الحسابات الفئوية، وأن تجيب عن أسئلة الشارع بشأن حماية المجتمع، وإنهاء الانقسام، واستعادة الأفق السياسي. ولا يعني ذلك مساواة مسؤولية الفلسطينيين عن خياراتهم بمسؤولية الاحتلال عن جرائمه، بل يعني أن حق الشعب في المساءلة لا يقل أهمية عن حقه في الحرية والاستقلال.
من أكتوبر إلى أكتوبر، لا يكفي أن نعلن النصر أو نحصي الخسائر؛ علينا أن نسأل من حوّل الأحداث إلى مكاسب، ومن دفع ثمنها، ولماذا تُترك الشعوب وحدها أمام نتائج الحروب بينما تتعامل القوى الكبرى مع مآسيها وفق حسابات المصالح والنفوذ؟
فلسطين ليست ساحة لتصفية الحسابات، وغزة ليست رقمًا في معادلة سياسية، وشعبها ليس وقودًا لمشروعات الآخرين. وإذا كان العالم عاجزًا عن وقف المأساة رغم كل ما يعلنه من مبادئ، فإن السؤال سيظل يلاحقه: ما قيمة الشرعية الدولية إذا لم تحمِ الإنسان، وما جدوى بيانات التضامن إذا بقي الدم الفلسطيني أرخص من المصالح؟
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.