
قراءة في قصيدة” ذكريات” للشاعر هيثم الريماوي
- تتمحور القصيدة حول فكرة “الذكريات” لكن ليس بمعناها الرومانسي البكائي التقليدي، بل بوصفها أداة مقاومة وحِصناً أخيراً للهوية والوجود
- أعاد شاعرنا المبدع الاعتبار لمفهوم “الذاكرة” كفعل ثوري ومقاوم
بقلم الكاتب: نصير أحمد الريماوي
إن التقصِّي عن حياة شاعرنا ” هيثم حسان أحمد الريماوي” يأتي بمثابة جمع لشظايا أثر بعثرته رياح المنافي، حيث فرضت عليه الهجرة عزلة وثائقية تجعل من تتبع خطاه، وتجميع نتاجه الشعري تحديا معرفيا استثنائيا، فقد تسببت الهجرة في تشتيت إرثه الأدبي بين أرشيفات متباعدة ومصادر شحيحة. لقد واجهت عقبة تتمثل في شتات الأثر الذي خلَّفه الإغتراب، مما جعل العثور على وثائق مكتملة حول مسيرته أمرا بالغ الصعوبة، رغم التواصل مع أقربائه داخل الوطن وفي الأردن الشقيق، الأمر الذي دفعني إلى اللجوء إلى موقع”غوغل” حتى عثرت على بعض من قصائده الجميلة بعنوان “ذكريات” منشورة في موقع “أكاديمية الفينيق الأدب العربي”، بتاريخ 22/5/2012م ، وقد أثارت إعجابي.
من الجدير ذكره، أن أسرة شاعرنا هاجرت من بلدة “بيت ريما” بعد النكسة إلى الأردن، حيث ولد في عام 1973 وترعرع هناك، ثم حصل على درجة البكالوريوس في الإدارة العامة من جامعة اليرموك. وقبل ثماني سنوات أو أكثر، هاجر إلى “جمهورية الصين الشعبية” وما زال يقيم ويعمل هناك حتى الآن. لكن أثناء وجوده في الأردن، صدرت له ثلاثة دواوين شعرية، هي: ” على إيقاع الشعر” والثاني بعنوان ” حي بن ظمآن” في عام 2013م، والثالث بعنوان” فناء الطبيعة” عن دار العنقاء للنشر والتوزيع.
تقدم للقارئ تجربة شعرية غنية تمزج بين التأمل الفلسفي، والوعي التاريخي، والواقع الإنساني والسياسي
من يقرأ قصيدة” ذكريات”،يجد أنها تقدم للقارئ تجربة شعرية غنية تمزج بين التأمل الفلسفي، والوعي التاريخي، والواقع الإنساني والسياسي. فهو يقول فيها:
ذكريات
خيطٌ رفيعٌ يفصلنا عن أمسنا
صرنا نصدّق أن للتاريخ أحجية
لا يفكّ طلاسمها ، غير شاعر
يزيّن أحجار الفلاسفة ، بالأغنيات
يموت أنطونيو من العشق
يموت يوليوس قيصر
ويعيش الطغاة
واستثناءً ، يعيش بروتوس
حتى أنت يا نيتشة ستموت
لو قلت : تحيا الحياة
تلك في ألواح جلجامش
مسرح أسخيليوس
شعر الصعاليك ، أو طاغور
نثر التوحيدي ، خيبة جبران في غربته
حتى أنت يا لوركا
ستحملك – حيا – أغاني الغجر والذكريات
أسرار الواقفين على الزبد
وحكاية الزنادقة
: ديوجين ، الحلاج
والشعراء النّادرون
ينثرون سحرهم فيلقف ما صنعوا
ويعيدون تشكيل الحياة من الذكريات
وحتى الممات
لم ننتبه أنّ كتّاب التاريخ يروون الحكايا وجدّاتنا كذلك
يضحك السياسيّون بلا مناسبة
وأطفالنا كذلك
يهتمّ أعداؤنا بنظافة أجسادهم
ونحن كذلك
لولا الكسل لطالبنا كلّ يومٍ بثورة جديدة
كلما هزمنا تنقذنا الذكريات فننتصر
كلما انتصرنا ، نحتاج ثورة
سنكتب أن للمكان حظا كبيرا من دمائنا
واختلافنا
وللرغيف سطوة على المسرح
سنرسم الوطن على شكل فراشة ،
حمامة ، طائر فينيق
أو ربما أمٍ باكية
نخاف من أعدئنا – فقط – لو سرقوا ذكرياتنا
. عند المساء
ينبجس الثوار والشعراء من تراب وماء
يعيدون ترتيب الصباح:
نفخة
عطسة
فانتشاء
تفاحة
ثورة
فانتصار أو هزيمة
والسبت للمساء والذكريات
لسهر العاشقين ، على الشرفات العالية
وفرح المتحذلقين ، ببذاخة الهباء
أستطيع القول من خلال قراءتي النقدية للقصيدة،إنها تنتمي هذه القصيدة إلى شعر التفعيلة (الشعر الحر) ، وإبراز جمالياتها وفنياتها:
تعتمد في بنيتها الإيقاعية على نظام السطر الشعري بدلاً من البيت ذي الشطرين، وتتحرك بحرية في الأوزان والقوافي دون الالتزام بقافية موحدة أو عدد ثابت من التفعيلات في كل سطر.وأما من حيث المضمون فتندرج تحت الشعر الحداثي التأملي والسياسي-الاجتماعي، تتداخل فيها الأبعاد الفلسفية والإنسانية مع الواقع الثوري واليومي، كما تتمحور قصيدة” هيثم الريماوي” حول فكرة “الذكريات” لكن ليس بمعناها الرومانسي البكائي التقليدي، بل بوصفها أداة مقاومة وحصناً أخيراً للهوية والوجود.
مقارنة جدلية ذكية بين التاريخ والشعر
يبدأ الشاعر بوضع مقارنة ذكية بين التاريخ كـ “أحجية” جافة، والشعر كـ “مفكك للطلاسم”. التاريخ يكتبه الطغاة ويموت فيه العشاق والملهمون “أنطونيو، قيصر”، بينما يعيش الخونة “بروتوس”. هنا يتدخل الشاعر ليعيد صياغة الوعي؛ فحتى الفلاسفة والشعراء الذين ماتوا جسدياً “نيتشه، لوركا، الحلاج، ديوجين”يمنحهم الشعر والذاكرة خلوداً يتجاوز الموت المادي.
⦁ تعرية الواقع والمفارقة:
ينتقل الشاعر في المقطع الثاني إلى نقد اجتماعي وسياسي لاذع ومبطن عبر عقد مقارنات ساخرة : السياسيون يضحكون بلا مناسبة كالأطفال، و الأعداء يهتمون بنظافة أجسادهم ونحن كذلك.
هذه المقارنات تبسط المشهد الإنساني لتعرية زيف السياسة والتشابه البيولوجي المقيت الذي يخفي وراءه صراعاً وجودياً.
⦁ الذكريات كآلية إنقاذ وثورة:
يتحول مفهوم الذكرى هنا إلى قوة ديناميكية، كلما هُزمنا تنقذنا الذكريات فننتصر الذاكرة هنا هي الوعي بالحق، والوطن يُختزل في هذه الذاكرة لدرجة أن الخوف الأكبر ليس من الموت أو الاحتلال المادي، بل من “سرقة الذكريات” لأن سرقتها تعني محو الوجود.
نلاحظ أن من جماليات القصيدة العناصر الفنية التالية:
أولا- اللجوء إلى التناص والاستدعاء الثقافي، لذلك نرى أن القصيدة مشحونة بروافد ثقافية وتاريخية وفلسفية هائلة، أخرجتها من الذاتية الضيقة إلى الأفق الإنساني الرحب.
وقد استدعى الشاعرفيها رموزاً تاريخية وأدبية غربية: أنطونيو، يوليوس قيصر، بروتوس، نيتشه، لوركا، أسخيليوس، و رموزاً شرقية وصوفية وأسطورية: ألواح جلجامش، شعر الصعاليك، طاغور، نثر التوحيدي، خيبة جبران، الحلاج، بالإضافة إلى رموز فلسفية: ديوجين – فيلسوف البرميل والزهد.
هذا الحشد المعرفي لم يكن مقحماً، بل جاء لخدمة فكرة أن “الذاكرة الإنسانية” واحدة وممتدة، وأن معاناة المبدعين والفلاسفة تتكرر عبر العصور.
ثانيا- تميزت الصور الشعرية والرمز بالعمق والابتكار، وابتعدت عن التقريرية المباشرة: فجاء الوطن على شكل فراشة، حمامة، طائر فينيق، أو أم باكية، هذه صور متدرجة للوطن من الجمال والحرية “الفراشة والحمامة” إلى الانبعاث من الرماد “الفينيق” وصولاً إلى الواقع التراجيدي الحزين (الأم الباكية). و”للرغيف سطوة على المسرح” صورة تختزل الصراع الطبقي والركض وراء لقمة العيش التي تطغى على الثقافة والفنون. و”الواقفين على الزبد” رمز للذين يعيشون على الهامش أو يواجهون تقلبات الحياة السريعة والزائلة.
استخدام أسلوب المفارقة الساخرة للتعبير عن مرارة الواقع
استخدم الشاعر في قصيدته هذه أسلوب المفارقة الساخرة و التهكم الهادئ للتعبير عن مرارة الواقع: لولا الكسل لطالبنا كل يوم بثورة جديدة مفارقة تلخص حالة الخمول العربي والتقاعس الشعبي بعبارة صادمة وعفوية، وفرح المتحذلقين ببذاخة الهباء سخرية من النخب الثقافية أو السياسية التي تنشغل بالمعارك الهامشية (الهباء) وتظنها إنجازاً باذخاً.
تتسم لغة القصيدة بأنها تجمع بين الجزالة الفلسفية والسهولة اليومية (الكسل، العطسة، الرغيف). هذا المزج يجعل القصيدة قريبة من وجدان القارئ المعاصر دون أن تفقد رصانتها، وتظهرالموسيقى الداخلية بوضوح في السطور الأخيرة عبر التناغم الصوتي والاشتقاقي السريع”نفخة، عطسة، فانتشاء، تفاحة، ثورة، فانتصار”، وهو إيقاع متلاحق يواكب حركة “ترتيب الصباح” السريعة والديناميكية.
في الختام، لا أغالي إذا قلت، إن القصيدة تُعدُّ عملا أدبيا ناضجا، وأن شاعرنا المبدع يعيد الاعتبار لمفهوم “الذاكرة” كفعل ثوري ومقاوم. وقد نجح أيضا في ربط الوعي الفلسفي العالمي بالهمّ اليومي البسيط (الخبز، الكسل، الثورة)، وقدم نصاً متماسكاً يتحرك بسلاسة بين أروقة التاريخ وأزقة الواقع، مشكّلاً لوحة فنية تحتفي بالحياة رغم الموت والمأساة.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.