5:31 مساءً / 21 أكتوبر، 2026
آخر الاخبار

الخليل والرئاسة: لماذا ننتظر أن يختار الآخرون؟ بقلم: المهندس غسان جابر

لماذا تنتظر الخليل أن يختار الآخرون مرشح الرئاسة، ثم تبدأ البحث عن موقعها في حساباتهم؟ ولماذا تبقى محافظة بهذا الثقل الوطني والتاريخي والاقتصادي والاجتماعي في موقع من يُطلب منه التصويت، بدل أن تكون شريكًا في صناعة الخيارات الوطنية؟

آن للخليل، المدينة والجبل، أن تنتقل من انتظار القرار إلى المشاركة في صناعته، وأن تطرح منذ الآن فكرة التوافق على مرشح رئاسي من أبنائها، يحمل مشروعًا لفلسطين كلها.

بعد قرار تأجيل الانتخابات التشريعية وضمّها إلى الانتخابات الرئاسية في الموعد الجديد المعلن، لم يعد من الحكمة أن ننتظر حتى تقترب صناديق الاقتراع، وتُطرح الأسماء، وتُعقد التفاهمات، ثم نبدأ البحث عن خياراتنا تحت ضغط الوقت. فالاستحقاق الانتخابي، متى توافرت شروط إجرائه، ليس شأنًا يخص الفصائل وحدها، ولا امتيازًا تحتكره مراكز النفوذ، بل حق للشعب في اختيار قيادته، وفرصة لإعادة بناء الثقة بين المواطن ومؤسساته.

والخليل ليست هامشًا في الجغرافيا الفلسطينية، ولا مجرد كتلة أصوات تُضاف إلى رصيد هذا المرشح أو ذاك. إنها مدينة وجبل وبلدات وقرى، وتاريخ من الصمود والعمل الوطني، وثقل اقتصادي واجتماعي يمتد إلى مختلف أنحاء الوطن. ومن حق هذا الثقل أن يعبّر عن نفسه بمبادرة سياسية مسؤولة، لا أن يكتفي بانتظار ما تقرره الغرف المغلقة.

لسنا نطالب برئيس للخليل، ولسنا بصدد تحويل الرئاسة إلى استحقاق جغرافي أو منافسة عشائرية. فلسطين أكبر من ذلك، والرئاسة مسؤولية وطنية لا امتيازًا لمحافظة. لكن من حق الخليل، كما من حق سائر محافظات الوطن، أن تشارك في طرح الخيارات، وأن تسهم في تقديم شخصية وطنية من أبنائها تستطيع أن تخاطب الفلسطينيين جميعًا، وتتجاوز حدود المدينة والجبل إلى رحاب الوطن.

نريد مرشحًا من الخليل يستطيع أن يجمع فلسطين، لا مرشحًا يطلب من فلسطين أن تصطف خلف الخليل.

وهذا الفارق هو جوهر المبادرة. فالمطلوب ليس اسمًا يُطرح بحكم الانتماء العائلي أو الفصائلي أو الجغرافي، بل شخصية تمتلك الكفاءة والنزاهة والرؤية السياسية، وتؤمن بالشراكة الوطنية، وتحترم التعددية، وتقبل المساءلة، وتضع الحقوق الوطنية وكرامة المواطن ومصالح الناس في صلب مشروعها.

فكيف نبدأ؟

أدعو إلى إطلاق مبادرة وطنية بعنوان «الخليل شريك في صناعة القرار الفلسطيني»، تبدأ بمشاورات مفتوحة بين الشخصيات الوطنية والمستقلة، والفعاليات المجتمعية والاقتصادية، والنقابات، والأكاديميين، والشباب والمرأة، ومختلف القوى السياسية والعائلات، وصولًا إلى لقاء تأسيسي يحدد آلية العمل ومعايير اختيار الشخصية التي يمكن أن تحظى بأوسع توافق ممكن.

لا نريد لجنة لتسجيل الأسماء، ولا واجهة تمنح شرعية مسبقة لمرشح محسوم، ولا مبادرة تحتكرها جهة أو فصيل أو عائلة. نريد حوارًا حقيقيًا يضع المعايير قبل الأسماء، والبرنامج قبل المصالح، والتوافق قبل الاصطفاف. وإذا تعذر الاتفاق على اسم واحد في البداية، فليكن الاتفاق على آلية شفافة وعادلة تتيح الاختيار على أساس الكفاءة والقبول الوطني.

بعد ذلك، ينبغي أن ينتقل الحوار من الخليل إلى بقية المحافظات، لأن قيمة أي مرشح لا تُقاس بعدد المؤيدين له في مسقط رأسه، بل بقدرته على بناء ثقة وطنية عابرة للمناطق والفصائل. وهنا يمكن لمبادرة تنطلق من الخليل أن تفتح بابًا لنقاش أوسع بشأن شكل القيادة الفلسطينية التي نحتاج إليها، وطبيعة البرنامج الذي ينبغي أن يحكم المرحلة المقبلة.

أما الحديث عن قدرة مرشح من الخليل على تغيير الحسابات الانتخابية، فيبقى احتمالًا مرتبطًا بشخصيته وبرنامجه ومدى قبوله وطبيعة المنافسة والمشاركة. فلا أحد يستطيع أن يضمن النتائج مسبقًا، لكن من المؤكد أن المبادرة المنظمة تمنح الناس فرصة للتأثير في الخيارات بدل الاكتفاء باستقبالها جاهزة.

ولنكن صريحين: إذا بدأنا هذه المبادرة بمنطق المحاصصة، فقدنا معناها قبل أن تولد. وإذا اختزلناها في اسم عائلة أو حسابات فصيل، فلن نكون قد قدمنا جديدًا. أما إذا نجحنا في بناء توافق على معايير واضحة، ثم اخترنا شخصية قادرة على مخاطبة الوطن كله، فسنكون قد أسهمنا في ترسيخ ثقافة سياسية مختلفة، قوامها المشاركة لا الإملاء، والبرنامج لا الولاء الشخصي، والمساءلة لا الامتيازات.

إن فلسطين تحتاج إلى قيادة تستعيد ثقة المواطن، وتحمي التعددية، وتعيد الاعتبار للمؤسسات والانتخابات، وتواجه الاحتلال، وتدافع عن الحقوق الوطنية، وتضع العدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية في صدارة الأولويات. وهذه مسؤولية لا تختصرها محافظة، ولا يستطيع شخص واحد النهوض بها دون شراكة وطنية واسعة.

لهذا، فإن دعوتنا ليست إعلانًا عن مرشح محسوم، ولا مطالبة بمنصب للخليل، بل دعوة إلى أن تبدأ الخليل حوارها الآن، وأن تقدم نموذجًا في التوافق المسؤول، وأن تتحول من ساحة تتنافس فيها الخيارات التي يصنعها الآخرون إلى طرف يساهم في صياغة الخيارات الوطنية.

الخليل لا تريد رئيسًا لها؛ تريد أن تكون شريكًا في اختيار رئيس لفلسطين.

فلا تنتظروا أن يختار الآخرون عنكم. ابدأوا الحوار اليوم؛ لأن من يغيب عن صناعة القرار، قد يجد نفسه غدًا مجرد رقم في حسابات الآخرين.

والوطن الذي يستحقه الجميع، لا يُبنى إلا بشراكة الجميع.

م. غسان جابر.

شاهد أيضاً

ليلى غنام تبحث مع ممثل الاتحاد الأوروبي الجديد لدى فلسطين تطورات الأوضاع الفلسطينية

ليلى غنام تبحث مع ممثل الاتحاد الأوروبي الجديد لدى فلسطين تطورات الأوضاع الفلسطينية

شفا – بحثت عضو اللجنة المركزية لحركة “فتح”، محافظ رام الله والبيرة ليلى غنام، مع …