12:35 مساءً / 11 أكتوبر، 2026
آخر الاخبار

دخان له أجنحة.. حين تتحول الحكاية إلى مرآة للإنسان والوطن ، قراءة نقدية في المجموعة القصصية «دخان له أجنحة» للقاص الفلسطيني سمير الأسعد ، بقلم : محمد علوش

دخان له أجنحة.. حين تتحول الحكاية إلى مرآة للإنسان والوطن ، قراءة نقدية في المجموعة القصصية «دخان له أجنحة» للقاص الفلسطيني سمير الأسعد ، بقلم : محمد علوش

دخان له أجنحة.. حين تتحول الحكاية إلى مرآة للإنسان والوطن ، قراءة نقدية في المجموعة القصصية «دخان له أجنحة» للقاص الفلسطيني سمير الأسعد ، بقلم : محمد علوش

ليست القصة القصيرة حكاية تروى لمجرد الحكي، ولا واقعة عابرة يعاد ترتيبها بلغة أدبية، وإنما هي محاولة لاقتحام ما وراء الظاهر، والكشف عما تختزنه التفاصيل اليومية من أسئلة ومخاوف ورغبات ومصائر، فالقصة، حين تبلغ شرطها الفني، لا تكتفي بأن تقول ماذا حدث، بل تدفعنا إلى السؤال: لماذا حدث؟ وماذا ترك في الإنسان؟ وماذا كشف الحدث عن ذاته وعن العالم الذي يعيش فيه؟


من هذه الزاوية يمكن مقاربة المجموعة القصصية «دخان له أجنحة» للكاتب القاص الفلسطيني سمير الأسعد، الصادرة عن منشورات الاتحاد العام للكتّاب والأدباء الفلسطينيين عام 2023، بوصفها تجربة سردية تنشغل بالإنسان في مواجهة واقع مضطرب، وتتقاطع فيها التجربة الفردية مع الهم الوطني والاجتماعي، ويتجاور الاحتلال والاعتقال والذاكرة والفقد والمرض والفقر والخوف والمفارقة والسخرية.


تضم المجموعة ثماني عشرة قصة تتفاوت في موضوعاتها وأجوائها وطرائق بنائها، لكنها تلتقي عند خيط دلالي واضح: الإنسان في مواجهة قوة تتجاوز قدرته؛ احتلالاً أو سجناً أو مرضاً أو حاجة اقتصادية أو خوفاً داخلياً أو علاقة غير عادلة، ومن هنا لا تبدو فلسطين في المجموعة مجرد خلفية للأحداث، بل جزءاً من التكوين النفسي والوجودي للشخصيات، فيما تتخذ المأساة أشكالاً متعددة، من الحدث الوطني الكبير إلى التفاصيل اليومية التي تبدو صغيرة، لكنها تترك ندوبها في الروح.


ومنذ الإهداء، الذي يوجهه الكاتب إلى أبطال التغيير وإلى أرواح الذين ماتوا واستشهدوا على العهد، تتحدد زاوية نظر أخلاقية ووطنية واضحة، غير أن قيمة هذا الانحياز لا تتحدد بوضوح الموقف وحده، وإنما بقدرة الكاتب على تحويله إلى حياة سردية: شخصيات تتحرك، وأحداث تتنامى، وحوار يكشف الصراع، وصور تتجاوز وظيفتها التزيينية، ونهايات تترك أثراً يتجاوز لحظة إغلاق النص.


في «احذر وأنت طيب» يضع الأسعد شخصية جندي إسرائيلي أمام تناقض أخلاقي حاد بين ما تفرضه المؤسسة العسكرية وما يمليه عليه ضميره الإنساني وهو يشاهد الاعتداء على الفلسطينيين في أحد المخيمات، وتنبع قوة الفكرة من أن الصراع لا يدور فقط بين الفلسطيني والجندي، وإنما داخل الجندي نفسه؛ بين الإنسان الذي يرى الألم والمؤسسة التي تطلب منه أن يكون جزءاً من إنتاجه.


وتتعمق هذه المفارقة حين تنتقل الحكاية من التجربة الذاتية إلى التقرير العسكري ثم إلى نشرة الأخبار، فتتقابل اللغة الحية التي عاشت الحدث مع اللغة الرسمية التي تختصر المأساة في معلومات وأرقام، وهنا يصبح السؤال أوسع من الحدث نفسه: من يملك حق رواية ما حدث؟ فالمأساة حين تتحول إلى خبر تفقد شيئاً من حرارتها الإنسانية، بينما تبقى آثارها في ذاكرة من عاشها.


وفي «نكبة من ذهب» تتقدم الذاكرة الفلسطينية إلى الواجهة، لا بوصفها استعادة لماضٍ مغلق، وإنما باعتبارها جرحاً مستمراً في علاقة الإنسان بالمكان والبيت والهوية، وتأتي مفارقة العنوان بين «النكبة» بما تحمله من اقتلاع وفقد وتشرد، و«الذهب» بما يحيل إليه من قيمة وثروة، لتفتح سؤالاً حول الأشياء التي لا يمكن تعويضها مهما امتلك الإنسان من أسباب التعويض المادي، فالمكان، في الوعي الفلسطيني، ليس مساحة جغرافية فحسب، بل جزء من الذات، ولذلك تنتقل النكبة من جيل إلى جيل بوصفها ذاكرة وهوية ووجعاً متجدداً.


أما «دخان له أجنحة»، التي حملت المجموعة اسمها، فتبدو من أكثر القصص قدرة على الجمع بين الخاص والعام، وبين مأساة الفرد ومأساة البيئة الاجتماعية، يبدأ النص بصورة الدخان الأسود المتجه نحو المدينة، قبل أن تنكشف مأساة رجل فقد زوجته بسبب مرض سرطاني في الجهاز التنفسي، ويربط بين المرض والدخان المنبعث من مصنع قريب، لكن الصراع يتجاوز التلوث البيئي حين يكتشف الرجل أن عمله في المصنع يجعله، بصورة ما، جزءاً من إنتاج الأذى الذي يهدد حياة الناس، بينما هو نفسه مهدد بفقدان العمل والمسكن والأمان.


هنا تتحول القصة إلى سؤال عن الإنسان المحاصر بين حاجته إلى الرزق وحقه في حياة آمنة، فالضرورة الاقتصادية قد تجعل الإنسان شريكاً في إنتاج الخطر الذي يخشاه، لا لأنه اختار الشر، بل لأنه لا يمتلك دائماً رفاهية الاختيار، ومن ثم يصبح الدخان استعارة تتجاوز التلوث؛ فهو صورة للخطر الذي ينتشر بلا حدود، وللحصار حين تتعدد أشكاله بين المرض والفقر وضيق الخيارات.


وفي «أسير ضد الموت» ينتقل الأسعد إلى تجربة الأسر والإضراب عن الطعام من خلال شخصية أبي صمود، الذي يواجه تدهور حالته الصحية وضغوط المحيطين به للتراجع عن إضرابه، ويصبح الجسد هنا مساحة للصراع والإرادة والاحتجاج والتمسك بالكرامة، والأهم أن الكاتب لا يقدم الأسير في صورة رمزية جامدة، بل يترك مساحة للإنسان خلف الموقف: خوفه على نفسه وأسرته ورفاقه، وصراعه بين غريزة البقاء وإرادة الكرامة، وهنا تكتسب القضية الوطنية قيمتها الأدبية لأنها تتحول إلى تجربة جسدية ونفسية ملموسة.


ولا تتوقف المجموعة عند الاحتلال والأسر والنكبة، بل توسع مفهوم المأساة في قصص مثل «المصدوم» و«عندما يستغل الخطأ» و«أزمة مالية» و«صاروخ الحظ» وغيرها، حيث يصبح الاعتقال والتحقيق والفساد والاستغلال والحاجة والضائقة الاقتصادية والعلاقات الإنسانية المختلة وجوهاً أخرى للحصار، فالمأساة ليست دائماً دبابة أو سجناً أو اقتلاعاً؛ قد تكون ورقة توقيع، أو حاجة مالية، أو خطأ يستغله الآخرون، أو خوفاً لا يجد صاحبه سبيلاً إلى الخلاص منه.
وهذا ما يجعل مفهوم «الإنسان المحاصر» مفتاحاً مناسباً لقراءة المجموعة: الفلسطيني محاصر بالاحتلال، والأسير بالسجن، والعامل بالحاجة، والمريض بالمرض، والفرد بالخوف، والإنسان بعلاقاته وخياراته، وعلى اختلاف هذه الحالات، تتكرر المسألة نفسها: كيف يحافظ الإنسان على ذاته حين يصبح العالم المحيط به أقوى من قدرته على السيطرة؟


وعلى مستوى البناء القصصي، يميل الأسعد إلى تحويل الفكرة إلى موقف، والموقف إلى مأزق، ثم دفع الحكاية نحو لحظة تكشف ما كان خفياً أو تقلب توقع القارئ، وتظهر هذه السمة بوضوح في عدد من النصوص التي تعتمد المفارقة والنهاية المفاجئة وإعادة تفسير الحدث.


في «حالة هبل» يبدأ الخوف من عالم متخيل، من فيلم رعب ومخيلة مضطربة، ثم يتسلل الواقع إلى الحكاية ليقلب العلاقة بين الوهم والحقيقة، فما بدا في البداية خوفاً ذهنياً من الأشباح والوحوش يصبح أقل خطراً من الخطر الحقيقي الذي يقتحم المكان في صورة قوة عسكرية، وهكذا ينتقل مركز الخوف من الشاشة إلى الحياة، ومن المتخيل إلى الواقعي، ومن الوهم إلى الاحتلال.


ويحسن الكاتب توظيف الظلام والأصوات والحركة والتردد والتصاعد التدريجي للقلق، بحيث يصبح المكان جزءاً من إنتاج الخوف، والأهم أن النهاية تعيد ترتيب ما سبقها: القارئ الذي دخل القصة من بوابة الرعب المتخيل يجد نفسه أمام رعب واقعي أشد قسوة.


وفي «الرحمة تأتي صدفة» يبني الكاتب من مطاردة فأر داخل منزل ضيق حكاية ساخرة تقوم على المفارقة، فالحدث البسيط يتحول إلى معركة تستنزف الإنسان، قبل أن تأتي النهاية على نحو لا يتناسب مع حجم الجهد المبذول، إذ يموت الفأر مصادفة تحت الحذاء الذي لجأ إليه للاختباء، وتنبع المفارقة من التفاوت بين حجم الخصم وحجم المعركة، وبين الطاقة التي استنزفها الإنسان والنتيجة التي لم تكن تحتاج إلى كل ذلك العناء.


أما «المجنون والسحاب» فتذهب إلى منطقة أكثر التباساً بين الحقيقة والوهم، من خلال رجل يرى في الغيوم مشاهد وأحداثاً تجري في العالم، يبدأ الراوي من موقع المراقب الذي يعتقد أنه قادر على تفسير حالة الرجل، لكنه يجد نفسه تدريجياً جزءاً من لعبة سردية لا يملك مفاتيحها كاملة، وهنا تنقلب العلاقة بين المراقب والمراقَب، ويتحول سؤال الجنون الفردي إلى سؤال أوسع عن جنون الإنسان والحروب التي يخوضها على الأرض، فيما تبدو الطبيعة وكأنها تخوض معاركها الخاصة فوقه.


ومن خلال هذه النصوص تتضح عناية الأسعد بالنهاية بوصفها لحظة كشف وإعادة تفسير، لا مجرد نقطة توقف، غير أن المفاجأة لا تكفي وحدها لصناعة نهاية ناجحة؛ فالنهاية الفنية ينبغي أن تبدو غير متوقعة قبل وقوعها، وحتمية منطقياً بعد وقوعها، وهذه إحدى المساحات التي يمكن أن تتطور فيها التجربة، إذ تبدو بعض النهايات أحياناً وكأن الأحداث تحركت باتجاهها، أكثر مما نمت عضوياً من منطق الشخصية. والقارئ لا يبحث عن المفاجأة وحدها، بل يريد أن يشعر، بعد وقوعها، بأن الحكاية كان يمكن أن تنتهي بهذه الطريقة تحديداً.


وتتحرك لغة المجموعة بين الوصف والحوار والسرد المباشر والمونولوج الداخلي، مع حضور واضح للتفاصيل الحسية، ولا سيما الضوء والظلام والصوت وحركة الجسد وتسارع التنفس في مشاهد الخوف والتوتر، وتتحول هذه العناصر من مجرد وصف إلى أدوات لبناء الحالة النفسية، كما في «حالة هبل» و«المجنون والسحاب».
وفي «دخان له أجنحة» يكتسب الدخان وظيفة مزدوجة؛ فهو عنصر واقعي يملأ المكان ويؤثر في الجسد، لكنه يتحول في الوقت نفسه إلى صورة للفقد والمرض والخوف والعجز، وهنا تكمن إحدى أنجح وظائف الرمز في المجموعة، لأن الرمز لا يأتي منفصلاً عن الواقع، بل يولد من داخله.


ويحضر الحوار بوصفه أداة أساسية في بناء الصراع، لا مجرد وسيلة لنقل المعلومات، ففي «المصدوم» يتحول الحوار داخل غرفة التحقيق إلى فعل ضغط نفسي، ويدور الصراع حول التوقيع والاعتراف والاتهام، وصولاً إلى تمزيق الورقة الذي يتحول إلى فعل مقاومة ورفض للاستسلام، وفي «احذر وأنت طيب» يكشف الحوار التناقض بين القناعة الأخلاقية للجندي والأوامر العسكرية، فيصبح الكلام جزءاً من الصراع الداخلي.


أما الشخصيات فتتنوع بين الأسير والمعتقل والجندي والعامل والرجل المأزوم والشخصية التي تواجه ضائقة اقتصادية أو اجتماعية، وهو تنوع يمنع المجموعة من الوقوع في نموذج واحد للإنسان الفلسطيني، ومع ذلك، تبدو بعض الشخصيات أحياناً أقرب إلى تمثيل فكرة أو موقف منها إلى كونها كائنات سردية مكتملة التعقيد؛ فنحن نعرف موقفها بوضوح، لكننا لا نلمس دائماً المسار النفسي الذي أوصلها إليه، وتحتاج الشخصية الأكثر إقناعاً إلى مساحة من التردد والخطأ والتناقض والانكسار، فالإنسان يصبح حقيقياً حين يصارع ذاته وظروفه، ويتغير تحت ضغط التجربة ويدفع ثمن خياراته.


ومن هنا تبرز ملاحظة أخرى تتصل بالاقتصاد اللغوي، ففي بعض المواضع تميل التفاصيل إلى التراكم، بما قد يبطئ إيقاع القصة، بينما يستطيع الاختزال أن يمنح المشهد توتراً وكثافة أكبر، فالتفصيل لا تكتسب قيمته من كونه تفصيلاً، وإنما من قدرته على الكشف عن الشخصية أو دفع الحدث أو تكثيف الجو أو إنتاج دلالة جديدة، وكذلك فإن بعض المقاطع تقترب من التفسير المباشر، خصوصاً حين يتصل السرد بموقف أخلاقي أو اجتماعي؛ وفي اللحظة التي يستطيع فيها الحدث أو الصورة حمل الدلالة، يصبح الشرح الزائد قابلاً للحذف.


وهذه الملاحظة لا تعني الدعوة إلى إخفاء الموقف الوطني أو الإنساني، بل إلى منحه شكلاً فنياً أكثر استقلالاً، فالأدب الملتزم لا يقاس بصدق القضية وحده؛ القضية العادلة تحتاج إلى بناء فني يحولها إلى تجربة محسوسة، وكلما تحولت القضية إلى مصير فردي، وإلى خوف أو قرار أو تضحية أو خسارة، ازدادت قدرتها على الوصول إلى القارئ، أما حين تقدم الفكرة جاهزة، فقد تفقد شيئاً من طاقتها الأدبية، حتى لو بقيت صحيحة أخلاقياً ووطنياً.


وهنا تكمن إحدى المسائل الجوهرية في «دخان له أجنحة»: التوازن بين حرارة الموقف واستقلال الفن، وبين وضوح الرسالة وحرية التأويل، بعض النصوص ينجح في تحقيق هذا التوازن حين تترك المفارقة والنهاية والصورة المجال مفتوحاً أمام القارئ، فيما كان يمكن لبعض النصوص الأخرى أن تصبح أكثر قوة لو خف حضور التفسير المباشر، وتركت الشخصيات والأحداث تحمل دلالتها من تلقاء نفسها.


ويحتل عنوان المجموعة موقعاً مركزياً في بنيتها الجمالية، فـ «دخان له أجنحة» تركيب يجمع بين عنصرين متباعدين: الدخان الذي يتبدد وينتشر ويصعب الإمساك به، والأجنحة التي توحي بالحركة والامتداد، وحين يمنح الكاتب الدخان أجنحة، فإنه يحوله من مادة عابرة إلى قوة قادرة على الانتشار والتغلغل، فيصبح الخطر نفسه شيئاً يصعب تطويقه.


وفي ضوء أحداث القصة التي تحمل العنوان، يصبح الدخان صورة للأذى الذي لا يبقى في مكان إنتاجه، بل يعبر إلى البيوت والأجساد والذاكرة، وبذلك لا يعود العنوان دالاً على التلوث وحده، وإنما على كل خطر يتجاوز حدوده ويصبح جزءاً من الحياة اليومية. كما أن العناوين الأخرى، مثل «الرحمة تأتي صدفة» و«أسير ضد الموت» و«المجنون والسحاب»، تقوم بدرجات متفاوتة على المفارقة أو السؤال أو تأجيل اكتمال المعنى إلى نهاية النص.


ولا تقوم وحدة المجموعة على شخصية أو حكاية ممتدة، وإنما على وحدة الأسئلة، فالإنسان في معظم القصص يواجه قوة تتجاوز قدرته: احتلالاً أو سجناً أو مرضاً أو حاجة أو خوفاً أو علاقة غير عادلة أو مصادفة تقلب حساباته، ولذلك يمكن النظر إلى المجموعة باعتبارها تنويعات على سؤال واحد: كيف يحافظ الإنسان على ذاته حين يصبح العالم المحيط به أقوى من قدرته على السيطرة؟


وهذه الوحدة لا تلغي التعدد الأسلوبي؛ فالمجموعة تتحرك بين الواقعي والوطني والاجتماعي والنفسي والساخر والتشويقي وما يقترب من الرعب والحكاية ذات المغزى، وقد يبدو هذا التنوع تحدياً للتجانس في بعض المواضع، لكنه في الوقت نفسه يكشف عن رغبة الكاتب في اختبار أكثر من شكل سردي. والتجانس الحقيقي في المجموعة متعددة الأصوات لا يعني تشابه القصص، بل أن تكون وراء اختلافها رؤية مشتركة، وهذه الرؤية حاضرة في انشغال الأسعد بالإنسان حين يواجه واقعاً يهدد توازنه، وفي تتبع لحظات الاختبار التي تكشف جوهره أكثر مما تكشفه الحياة العادية.


وتتمثل قيمة التجربة، في تقديري، في قدرتها على الجمع بين القضية الوطنية والهشاشة الإنسانية، فالاحتلال والاعتقال والنكبة والفقد لا تظهر كعناوين سياسية مجردة، بل كوقائع تترك آثارها في الجسد والبيت والذاكرة والقرار الفردي، وهذا ما يجعل المجموعة تتجاوز التسجيل المباشر للواقع إلى مساءلة أثره في الإنسان.


وفي المقابل، فإن المساحات الأكثر قابلية للتطور تتمثل في تعميق البناء الداخلي للشخصيات، وزيادة الاقتصاد اللغوي، وربط النهايات بمنطق الحكاية، وتخفيف التفسير حين يكون الحدث قادراً على أداء وظيفته الدلالية، وهي ملاحظات لا تنتقص من قيمة المجموعة، بل تضعها في سياق تجربة سردية قابلة لمزيد من النضج؛ إذ لا تتأسس القيمة الأدبية على الموضوع وحده، ولا على التقنية وحدها، وإنما على التفاعل بينهما، وعلى قدرة الكاتب على تحويل القضية إلى حياة، والحياة إلى سؤال، والسؤال إلى أثر يبقى في ذهن القارئ.


تقدم «دخان له أجنحة»، في محصلتها، تجربة قصصية تنطلق من الواقع الفلسطيني لكنها لا تكتفي بتسجيل وقائعه، إنها تنظر إلى الإنسان وهو يعيش تحت ضغط التاريخ والسياسة والحاجة والمرض والخوف، وتلتقط اللحظة التي ينكشف فيها جوهره أمام نفسه وأمام الآخرين، ومن التحقيق والاعتقال إلى الأسر والمقاومة، ومن النكبة والذاكرة إلى المرض والعمل والأزمة الاقتصادية، ومن الرعب المتخيل إلى السخرية والمفارقة، يواصل الأسعد البحث عن الإنسان في أوضاع مختلفة، وكأن المأساة لا تسكن الأحداث الكبرى وحدها، بل تتوزع أيضاً على تفاصيل الحياة الصغيرة.


ولعل الصورة التي تختصر عالم المجموعة بأكمله هي صورة عنوانها: دخان له أجنحة؛ شيء يبدو هشاً وعابراً، لكنه قادر على الانتشار والتغلغل وترك أثر لا يزول بسهولة، وهكذا تصبح الحكاية محاولة للإمساك بما يتبدد قبل أن يختفي، ومنح التجارب التي يعيشها الناس شكلاً يمكن تأمله ومساءلته وتذكره.


إن سمير الأسعد يضع أمام القارئ عالماً قصصياً تتجاور فيه قسوة الواقع مع مفارقات الحياة، وتلتقي القضية الوطنية بالهشاشة الإنسانية، ويتحول الحدث اليومي إلى مدخل لسؤال أكبر عن الحرية والكرامة والخوف والاختيار والمصير، وربما تكمن أهمية المجموعة في أنها لا تقدم الإنسان بطلاً منتصراً دائماً، ولا ضحية مكتملة العجز، وإنما تضعه في المنطقة الأكثر إنسانية، منطقة الصراع؛ حيث يتردد، ويخاف، ويخطئ، ويقاوم، ويخسر، ويحاول أن يحافظ على شيء من ذاته وسط عالم لا يكف عن الضغط عليه.


ومن هنا تمتلك تجربة سمير الأسعد عناصر واضحة تؤهلها لمزيد من التبلور، كلما ازداد التوازن بين حرارة الموضوع ودقة البناء، وبين وضوح الموقف وعمق الإيحاء، وبين الحكاية التي تريد أن تقول شيئاً والكتابة التي تمنح القارئ فرصة اكتشاف ما لم يقل، فالقصة، في نهاية الأمر، ليست ما يحدث فقط، وإنما ما يبقى من الحدث في الروح بعد أن ينتهي، و«دخان له أجنحة» تحاول أن تلتقط هذا الباقي؛ ذلك الأثر الذي لا يرى دائماً، لكنه يظل عالقاً في الذاكرة، مثل دخان له أجنحة، يعبر المكان ويغادره، لكنه لا يغادر الإنسان بسهولة.

⦁ شاعر وناقد فلسطيني

شاهد أيضاً

إصابة مسنة وأربع مواطنات بالاختناق إثر اعتداء الاحتلال على قاطفي الزيتون في بلدة يتما جنوب نابلس

إصابة مسنة وأربع مواطنات بالاختناق إثر اعتداء الاحتلال على قاطفي الزيتون في بلدة يتما جنوب نابلس

شفا – أصيبت خمس مواطنات، بينهن مسنة، اليوم الأحد، بحالات اختناق جراء إطلاق قوات الاحتلال …