3:00 مساءً / 2 نوفمبر، 2026
آخر الاخبار

وسائل التواصل… مصنع جديد للفتنة؟ بقلم : د. عمر السلخي

وسائل التواصل… مصنع جديد للفتنة؟ بقلم : د. عمر السلخي

في الماضي، كانت الفتنة تحتاج إلى مجلس، وخطيب، ومجموعة من الناس حتى تنتشر.
أما اليوم، فقد لا تحتاج إلا إلى هاتف، وحساب مجهول، وضغطة زر.

لم تعد الشائعة تمشي على أقدام أصحابها؛ أصبحت تطير في ثوانٍ بين آلاف الهواتف. ولم يعد الكذب يحتاج إلى شهود، بل يكفيه منشور مصاغ بعناية، وصورة مجتزأة، وتعليق غاضب، وحساب لا يعرف أحد صاحبه.

هكذا تحولت وسائل التواصل الاجتماعي من مساحة للتواصل وتبادل المعرفة إلى ساحة مفتوحة يمكن أن تُستخدم أيضًا لصناعة الفتنة، وتصفية الحسابات، وتشويه السمعة، وتمزيق النسيج الاجتماعي.

من نقل الكلام إلى صناعة الرواية

في السابق، كان نقل الكلام يحتاج إلى شخص ينتقل من مجلس إلى آخر. اليوم، يمكن لشخص واحد أن يصنع رواية كاملة، ثم يتركها تنتشر وحدها.

منشور بلا دليل يمكن أن يهدم سمعة إنسان.

صورة خارج سياقها يمكن أن تغيّر نظرة الناس إلى شخص أو مؤسسة.

مقطع مجتزأ يمكن أن يقلب معنى موقف كامل.

وشائعة واحدة يمكن أن تشعل خلافًا عائليًا أو عشائريًا أو سياسيًا، ثم يصبح من الصعب إيقافها بعد أن تتوزع على مئات الصفحات والمجموعات.

المشكلة ليست في سرعة انتشار المعلومة فقط، بل في أن الناس غالبًا يتفاعلون مع الخبر قبل أن يتحققوا منه.

الحساب المجهول لا يصنع إنسانًا بلا مسؤولية

الأخطر أن البعض يتعامل مع مواقع التواصل باعتبارها منطقة خارج الأخلاق والقانون.

كأن الشاشة تمنح صاحبها حصانة.

وكأن الحساب الوهمي يلغي المسؤولية.

وكأن عدم ظهور الاسم الحقيقي يعني أن الكلمة بلا صاحب.

وهذا وهم خطير.

فالإنسان مسؤول عن الكلمة التي يكتبها، كما هو مسؤول عن الفعل الذي يقوم به. والاختباء خلف اسم مستعار لا يحول الباطل إلى حقيقة، ولا يحوّل الإساءة إلى حرية، ولا يعفي صاحبها من نتائج ما نشره.

الاسم المستعار قد يخفي الوجه، لكنه لا يلغي المسؤولية.

من الاختلاف إلى الخصومة

المجتمع الصحي لا يخلو من الاختلاف.

نختلف سياسيًا، وفكريًا، واجتماعيًا، وحتى في تقييم الأشخاص والمواقف.

لكن الخطر يبدأ عندما يتحول الاختلاف في الرأي إلى استهداف للشخص.

نناقش الفكرة فنهاجم صاحبها.

ننتقد القرار فنشوه من اتخذه.

نختلف سياسيًا فنبحث عن أسرار العائلة.

نختلف انتخابيًا فنحوّل المنافسة إلى تخوين.

وهنا تصبح وسائل التواصل أداة لنقل الخلاف من المجال العام إلى العلاقات الشخصية، ومن النقاش إلى الكراهية.

ليس كل من نختلف معه خصمًا، وليس كل منافس عدوًا.

الشائعة لا تنتهي عند لحظة النشر

قد يعتقد البعض أن حذف المنشور ينهي المشكلة.

لكن الحقيقة مختلفة.

الكلمة التي خرجت إلى الفضاء العام قد تكون وصلت إلى عشرات الأشخاص قبل حذفها، والصورة قد تكون حُفظت، والمنشور قد يكون نُسخ، والرواية قد تكون بدأت حياة جديدة في مجموعات مغلقة.

لذلك فإن مسؤولية الإنسان تبدأ قبل النشر، لا بعده.

السؤال الحقيقي ليس: هل أستطيع نشر هذا؟

بل:

هل يحق لي أخلاقيًا أن أنشره؟ وهل أملك دليلًا عليه؟ وما الضرر الذي قد يترتب عليه؟

أخطر ما في الفتنة أنها تبدأ صغيرة

الفتنة لا تبدأ دائمًا بخطاب كبير.

أحيانًا تبدأ بجملة.

ثم تعليق.

ثم إعادة نشر.

ثم تفسير شخصي.

ثم اتهام.

ثم رد غاضب.

ثم يتحول الأمر إلى معسكرين.

وبعد ذلك يصبح الجميع أسرى رواياتهم ومواقفهم.

وهنا تظهر خطورة ما يمكن تسميته “اقتصاد الغضب” في وسائل التواصل؛ فالمحتوى الأكثر إثارة غالبًا هو الأكثر جذبًا للتفاعل، وكلما كان المنشور أكثر استفزازًا زادت احتمالات انتشاره.

وهكذا يصبح الغضب وقودًا للخوارزميات، وتصبح الفتنة محتوى قابلًا للانتشار.

حرية التعبير ليست حرية الإيذاء

نحتاج إلى التمييز بين حق الإنسان في التعبير وبين حقه المزعوم في الإساءة.

من حقك أن تنتقد.

من حقك أن تختلف.

من حقك أن تسأل.

ومن حقك أن تكشف الخلل عندما تملك معلومات موثوقة.

لكن ليس من حقك أن تختلق الاتهام، أو تنشر الشائعة، أو تشهر بالناس، أو تحرض عليهم، ثم تختبئ خلف عبارة: “هذه حرية رأي”.

حرية التعبير مسؤولية قبل أن تكون امتيازًا.

مسؤولية المجتمع أكبر من مسؤولية المنصة

لا يمكن تحميل المنصات وحدها مسؤولية كل ما يحدث.

المشكلة تبدأ من المستخدم أيضًا.

من يضغط “مشاركة” قبل أن يتحقق، شريك في انتشار المعلومة.

ومن يكتب تعليقًا مهينًا، يساهم في رفع مستوى الخطاب.

ومن يصنع حسابًا مجهولًا لتصفية الحسابات، لا يستطيع أن يتحدث لاحقًا عن الأخلاق.

ومن يعرف أن الخبر كاذب ثم يعيد نشره لأنه يخدم موقفه السياسي أو الاجتماعي، لا يمكنه أن يدعي أنه مجرد ناقل.

إعادة نشر الكذبة لا تجعلها حقيقة، لكنها تجعل صاحبها جزءًا من انتشارها.

نحتاج إلى أخلاق رقمية

المجتمع اليوم لا يحتاج فقط إلى مواطن يعرف حقوقه، بل إلى مواطن يعرف أيضًا مسؤولياته الرقمية.

نحتاج إلى ثقافة تقول:

تحقق قبل أن تنشر.

اسأل قبل أن تتهم.

ناقش الفكرة ولا تهدم الإنسان.

لا تنشر خصوصيات الآخرين.

لا تجعل الخلاف السياسي سببًا للقطيعة الاجتماعية.

ولا تجعل هاتفك أداة لتدمير ما عجز الآخرون عن تدميره في الواقع.

فكما تعلمنا في حياتنا الاجتماعية أن للكلمة وزنًا، يجب أن نتعلم أن الكلمة الرقمية لها وزن مضاعف؛ لأنها قابلة للانتشار والبقاء وإعادة الإنتاج.

الكلمة قد تبني مجتمعًا… وقد تهدمه

وسائل التواصل ليست شرًا في ذاتها.

هي أداة.

يمكن أن تكون منبرًا للمعرفة، ومساحة للحوار، ووسيلة للدفاع عن الحقوق، وكشف الفساد، وتقريب الناس من بعضهم.

لكنها يمكن أيضًا أن تتحول إلى مصنع للشائعات، ومنصة للابتزاز، وساحة للفتنة، إذا غابت الأخلاق والمسؤولية.

وفي النهاية، المشكلة ليست في الهاتف الذي نحمله، بل في القيم التي نحملها ونحن نستخدمه.

لذلك، قبل أن تضغط زر النشر، تذكر أن خلف الشاشة إنسانًا، وخلف الكلمة أسرة، وخلف الشائعة مجتمعًا، وخلف الفتنة وطنًا.

فلا تجعل هاتفك مصنعًا للفتنة، ولا تجعل إصبعك شريكًا في صناعة خصومة قد لا تستطيع إيقافها.

لأن بعض الكلمات تُكتب في ثانية…
لكن آثارها قد تبقى سنوات.

شاهد أيضاً

أسعار الذهب اليوم الأثنين

أسعار الذهب اليوم الأثنين

شفا – جاءت أسعار الذهب اليوم الأثنين 2 نوفمبر كالتالي :عيار 22 84.700 دينارعيار 21 …