
ائتلاف فلسطين المستقبل.. قرار سياسي يتجاوز الحسابات التقليدية ، بقلم : محمد علوش
لم يكن قرار جبهة النضال الشعبي الفلسطيني المشاركة في الانتخابات التشريعية المقبلة من خلال بناء «قائمة ائتلاف فلسطين المستقبل» قراراً انتخابياً عابراً، ولا مجرد صيغة للبحث عن مقاعد في المجلس التشريعي، وإنما جاء تعبيراً عن قراءة سياسية لطبيعة المرحلة الفلسطينية، وللتحولات التي طرأت على المجتمع والقوى السياسية، وللحاجة إلى تجديد أدوات العمل الوطني والديمقراطي، وفتح المجال أمام مشاركة أوسع من حدود التنظيمات والفصائل، فالانتخابات في الظروف الفلسطينية الراهنة لا يمكن اختزالها في منافسة بين قوائم أو في حسابات عددية حول فرص كل قوة، وإنما ينبغي النظر إليها باعتبارها محطة سياسية لإعادة بناء المؤسسات وتجديد الحياة الديمقراطية، واستعادة دور المواطن، وإعادة صياغة العلاقة بين المجتمع والنظام السياسي على أساس المشاركة والمساءلة والتمثيل الحقيقي.
من هنا تبرز أهمية خيار جبهة النضال الشعبي الفلسطيني بالانفتاح على مكونات وشخصيات من المجتمع، وبناء ائتلاف انتخابي لا يقوم على الهوية الحزبية وحدها، وإنما على مساحة مشتركة من الرؤية والبرنامج والمصلحة الوطنية والاجتماعية، وهو خيار جريء؛ لأن الطريق الأسهل لأي تنظيم سياسي هو أن يخوض الانتخابات بقائمة حزبية مغلقة، مستنداً إلى بنيته التنظيمية وجمهوره التقليدي وأدواته المعتادة، أما فتح المجال أمام شخصيات ومكونات من خارج البنية التنظيمية، والدخول في شراكة سياسية ومجتمعية أوسع، فيعني الذهاب إلى تجربة مختلفة تتطلب مرونة سياسية، وثقة بالمجتمع، وقدرة على إدارة التنوع والاختلاف ضمن إطار مشترك.
لكن الجرأة الحقيقية في هذا القرار لا تكمن في شكل القائمة وحده، بل في الفكرة التي تقف خلفها: أن المجتمع الفلسطيني أكبر من الفصائل، وأن السياسة الفلسطينية بحاجة إلى استعادة صلتها بالمجتمع، وأن العمل الوطني لا يمكن أن يبقى محصوراً في الأطر التنظيمية التقليدية، فالمجتمع الفلسطيني شهد خلال السنوات الماضية تحولات عميقة، واتسعت المسافة لدى قطاعات من المواطنين بين الخطاب السياسي التقليدي وبين الأسئلة التي تواجههم في حياتهم اليومية، من العمل والدخل والتعليم والصحة والحماية الاجتماعية، إلى الحريات العامة والعدالة وتكافؤ الفرص، وفي المقابل، برزت أدوار متزايدة للشخصيات المهنية والمجتمعية والنقابية والأكاديمية والشبابية والنسوية والفعاليات المدنية، ولذلك لم يعد كافياً أن تتحدث الأحزاب باسم الناس؛ بل المطلوب أن تفتح المجال أمام الناس ليكونوا شركاء في صياغة البرامج والسياسات والخيارات الوطنية.
وهنا يأتي معنى «ائتلاف فلسطين المستقبل» باعتباره محاولة للانتقال من مفهوم التمثيل الحزبي الضيق إلى مفهوم أوسع للشراكة السياسية والمجتمعية، فالقائمة، لكي تكتسب معناها الحقيقي، يجب ألا تكون مجرد مجموعة من المرشحين، وإنما إطاراً يجمع رؤى وتجارب مختلفة حول برنامج مشترك، ويمنح المجتمع فرصة أوسع للمشاركة في صناعة القرار السياسي.
ولا يعني ذلك أن جبهة النضال الشعبي الفلسطيني تدخل هذه التجربة من موقع التخلي عن هويتها السياسية أو برنامجها الوطني والاجتماعي، بل على العكس، فإن الانفتاح على المجتمع يمكن أن يكون وسيلة لتوسيع دائرة تأثيرها وربط تجربتها السياسية والتنظيمية بمكونات اجتماعية أوسع، فالقوة السياسية لا تقاس فقط بحجم التنظيم، وإنما أيضاً بقدرته على التجدد والانفتاح والاستجابة للتحولات الاجتماعية، وتحويل الأفكار والمبادئ إلى برنامج قادر على مخاطبة الناس والدفاع عن مصالحهم.
وهنا يصبح البرنامج الانتخابي هو الاختبار الحقيقي للائتلاف، فإذا كان «ائتلاف فلسطين المستقبل» يريد أن يقدم نفسه باعتباره إطاراً سياسياً ومجتمعياً مختلفاً، فعليه أن يطرح برنامجاً واضحاً ومحدداً يجيب عن الأسئلة الوطنية والاجتماعية والاقتصادية والديمقراطية التي تواجه الفلسطينيين، بدءاً من مواجهة الاحتلال والدفاع عن الحقوق الوطنية، مروراً بإنهاء الانقسام وإعادة بناء النظام السياسي والمؤسسات على أسس ديمقراطية، وصولاً إلى الاقتصاد والعمل والحماية الاجتماعية والحريات العامة والعدالة الاجتماعية.
ولا يمكن فصل القضية الوطنية عن القضية الاجتماعية، فالاحتلال لا يصادر الأرض والموارد وحرية الحركة فقط، بل يترك آثاراً مباشرة على الاقتصاد وسوق العمل ومستوى المعيشة وفرص التنمية، ولذلك فإن النضال الوطني والتحرر من الاحتلال يجب أن يترافقا مع بناء مجتمع أكثر عدالة، ومؤسسات أكثر كفاءة، واقتصاد أكثر إنتاجية، ونظام حماية اجتماعية يحفظ كرامة المواطن.
ومن هنا يجب أن تحتل قضايا العمال موقعاً مركزياً في أي رؤية انتخابية جادة، فالطبقة العاملة الفلسطينية ليست مجرد كتلة انتخابية، وإنما قوة اجتماعية أساسية تحملت تاريخياً أعباء الاحتلال والأزمات الاقتصادية، وتدفع اليوم ثمن البطالة وتراجع فرص العمل وارتفاع تكاليف المعيشة وضعف الحماية الاجتماعية وانتهاك الحقوق العمالية.
ولهذا فإن الدفاع عن حقوق العمال يجب أن يتحول من خطاب موسمي إلى سياسة عامة وتشريعات واضحة تشمل حماية العمل، والأجر العادل، والحماية الاجتماعية، والحقوق النقابية، والعمل اللائق، ودعم القطاعات الإنتاجية، وحماية العمال من الاستغلال، وخلق فرص العمل للشباب، وتعزيز دور النقابات في الحوار الاجتماعي وصناعة السياسات، وهذه ليست أجندة نقابية فحسب، وإنما جزء من مشروع وطني لبناء مجتمع قادر على الصمود والاستمرار.
كما أن الشباب والنساء والفئات الاجتماعية المهمشة يجب ألا يكون حضورهم في الانتخابات مرتبطًا فقط بمتطلبات تشكيل القوائم، وإنما ينبغي أن يكونوا جزءاً أصيلاً من صياغة المشروع السياسي والاجتماعي، فالتجديد السياسي لا يتحقق بتغيير الأسماء وحده، وإنما بإدخال قضايا وأفكار وطاقات جديدة إلى قلب الحياة العامة.
وفي المشهد الانتخابي الأوسع، تتعدد خيارات القوى السياسية والمجتمعية، فهناك من يتجه إلى قوائم ذات طابع حزبي وتنظيمي واضح، وهناك من يبحث عن قوائم وطنية أوسع، وهناك من يتجه إلى تحالفات سياسية أو مجتمعية جديدة، وهذه الخيارات تعكس اختلافاً في قراءة المرحلة وفي فهم وظيفة الانتخابات ودور المجلس التشريعي المقبل.
ولا ينبغي أن تتحول هذه التعددية إلى صراع حول من يحتكر تمثيل الوطن، وإنما إلى منافسة ديمقراطية بين برامج ورؤى ومقاربات مختلفة، فالقيمة الحقيقية للتعدد السياسي تكمن في أن يجد المواطن أمامه خيارات واضحة يستطيع من خلالها المقارنة بين البرامج والسياسات، وليس مجرد تعدد في الشعارات والأسماء.
ومن هذه الزاوية تحديداً تكتسب تجربة «ائتلاف فلسطين المستقبل» أهميتها، لأنها تحاول التحرك في المساحة الفاصلة بين التنظيم السياسي والمجتمع، والجمع بين الخبرة السياسية والتنظيمية والخبرات المجتمعية والمهنية، وتحويل تنوع الخلفيات إلى عنصر إثراء للبرنامج والعمل المشترك.
لكن هذا الخيار يفرض مسؤوليات كبيرة على أطراف الائتلاف، فالائتلاف الواسع يحتاج إلى برنامج أكثر وضوحاً، وآليات واضحة لاتخاذ القرار، واحترام للتنوع بين مكوناته، والتزام مشترك بما يتم الاتفاق عليه، ولا يكفي أن يجتمع المشاركون تحت اسم واحد؛ فالمطلوب أن تكون هناك رؤية مشتركة تجاه القضايا الأساسية، وأن يشعر كل مكوّن وكل شخصية وكل ناخب بأن الائتلاف يمثل شراكة حقيقية، وليس مجرد ترتيب انتخابي مؤقت.
ومن هنا فإن التحدي لا يتوقف عند تسجيل القائمة أو خوض الحملة الانتخابية، بل يبدأ فعلياً بعد ذلك، فإذا وصل الائتلاف إلى المجلس التشريعي، فإن مسؤوليته ستكون في ممارسة التشريع والرقابة، والدفاع عن الحقوق، ومساءلة السلطة التنفيذية، وطرح البدائل، والتعبير عن مصالح الفئات الاجتماعية التي منحته ثقتها، أما إذا بقيت علاقته بالمجتمع محصورة في فترة الانتخابات، فإن الفكرة الأساسية التي قام عليها ستفقد جزءاً كبيراً من معناها.
لذلك فإن القيمة السياسية الأهم لهذه التجربة ستكون في قدرتها على التحول من «قائمة انتخابية» إلى مساحة سياسية ومجتمعية مستمرة، تفتح قنوات دائمة مع النقابات والاتحادات والقطاعات المهنية والشبابية والنسوية والمجتمع المدني، وتبني علاقة قائمة على الاستماع إلى الناس ومتابعة قضاياهم ومراقبة أداء ممثليهم.
وهنا يمكن أن يتحول قرار جبهة النضال الشعبي الفلسطيني من مجرد قرار انتخابي إلى جزء من عملية تجديد سياسي أوسع تعيد تعريف علاقة التنظيم السياسي بالمجتمع، فالتنظيم الذي ينغلق على ذاته يعيد إنتاج أدواته وخطابه، بينما التنظيم القادر على الانفتاح والتجدد يستطيع أن يوسع دائرة تأثيره ويستجيب بصورة أفضل للتحولات الاجتماعية والسياسية.
إن فلسطين تحتاج اليوم إلى تجديد سياسي حقيقي، لا إلى إعادة تدوير المشهد نفسه؛ تحتاج إلى مؤسسات تستند إلى الإرادة الشعبية، وقوى سياسية أكثر التصاقاً بالمجتمع، ومجلس تشريعي يمارس دوره التشريعي والرقابي، وحياة سياسية تقوم على التعددية والمساءلة، وبرنامج اجتماعي يجعل العدالة والحماية والكرامة والعمل اللائق جزءاً من المشروع الوطني.
وفي هذا السياق، فإن «ائتلاف فلسطين المستقبل» يمثل محاولة لفتح مسار جديد يقوم على توسيع المشاركة وتعزيز الشراكة والانفتاح على المجتمع، وتحويل الانتخابات من مجرد مناسبة لتجديد الوجوه إلى فرصة لتجديد السياسة نفسها، فالمعركة الحقيقية ليست على مقعد هنا أو مقعد هناك، وإنما على طبيعة الحياة السياسية التي نريد بناءها، وعلى شكل العلاقة بين المواطن والمؤسسة، وعلى قدرة السياسة الفلسطينية على استعادة ثقة الناس، وعلى جعل الديمقراطية وسيلة لإعادة بناء النظام السياسي والمجتمع معاً.
ولهذا فإن قرار جبهة النضال الشعبي الفلسطيني بخوض الانتخابات عبر «ائتلاف فلسطين المستقبل» هو، في جوهره، رهان على أن المستقبل لا يبنى داخل الأطر المغلقة، وأن السياسة حين تفتح أبوابها للمجتمع تصبح أكثر قدرة على التجدد، وأن النضال الوطني حين يرتبط بالعدالة الاجتماعية وحقوق العمال والحريات والديمقراطية يصبح أكثر التصاقاً بحياة الناس.
ويبقى الاختبار الأهم أن يتحول هذا القرار الجريء إلى ممارسة سياسية مختلفة: قائمة تنتهي عند الانتخابات، أم ائتلاف يستمر بعدها؟ تحالف انتخابي مؤقت، أم مساحة سياسية واجتماعية قابلة للبناء؟ أسماء تتنافس على المقاعد، أم برنامج يفتح طريقاً جديداً أمام المجتمع؟ وهنا تحديداً ستتحدد القيمة السياسية الفعلية لـ«ائتلاف فلسطين المستقبل» في المشهد الفلسطيني.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.