5:49 مساءً / 25 سبتمبر، 2026
آخر الاخبار

120 عاما على ميلاد شوستاكوفيتش.. موسيقى وُلدت وسط العواصف

120 عاما على ميلاد شوستاكوفيتش.. موسيقى وُلدت وسط العواصف

شفا – يُصادف اليوم ذكرى دميتري شوستاكوفيتش، أحد أبرز مؤلفي القرن العشرين، الذي وُلد في 25 سبتمبر 1906 وترك إرثا موسيقيا عالميا جمع بين التجديد الفني والالتزام بالمشهد الثقافي السوفيتي.

نشأ شوستاكوفيتش في أسرة تهتم بالموسيقى، فقد كان والده دميتري بوليسلافوفيتش مهندسا كيميائيا، بينما كانت والدته صوفيا فاسيلييفنا عازفة بيانو، وقد تلقت تعليمها في معهد بطرسبورغ الموسيقي وبدأت تعليم ابنها الموسيقى بنفسها. وسرعان ما ظهر أن الصبي يمتلك موهبة استثنائية.

في الثالثة عشرة من عمره، التحق شوستاكوفيتش بصف البيانو في معهد بتروغراد الموسيقي، وبعد عامين بدأ دراسة التأليف الموسيقي. وفي السنوات التالية، جمع بين الدراسة والعمل عازفا للبيانو في عروض الأفلام الصامتة، خصوصا بعد وفاة والده عام 1922.

وفي تلك الفترة، حصل على دعم من مدير المعهد الموسيقي ألكسندر غلازونوف، الذي ساعده ماليا ووفّر له حصصا إضافية من المواد الغذائية في ظروف اقتصادية صعبة.


في 12 مايو 1926، قُدمت سيمفونيته الأولى للمرة الأولى، وكانت العمل الذي أعده خلال دراسته. وقد كشفت منذ البداية عن ملامح أسلوبه الخاص، من الإيقاعات الحادة والمقاطع التي تستحضر أجواء الموسيقى العسكرية والراقصة، إلى الانتقال المفاجئ بين السخرية والغنائية. وسرعان ما منحت السيمفونية مؤلفها شهرة واسعة داخل الاتحاد السوفيتي وخارجه.

ولم تقتصر موهبته على الموسيقى السيمفونية، فقد ألّف موسيقى لعشرات الأفلام. وكانت بدايته في هذا المجال مع الفيلم الصامت “بابل الجديدة” عام 1929، من إخراج غريغوري كوزينتسيف وليونيد تراوبرغ. كما ارتبط اسمه لاحقا بأعمال سينمائية أخرى، بينها “الحرس الشاب” و”لقاء على نهر الإلبه” و”سقوط برلين”.

لكن مسيرة شوستاكوفيتش الفنية لم تخلُ من صدامات حادة مع المؤسسة الثقافية السوفيتية.

ففي عام 1936، نشرت صحيفة “برافدا” مقالتين انتقدتا بشدة أوبراه “ليدي ماكبث من متسينسك”، واتُهم بـ”الشكلانية” والابتعاد عن المبادئ الفنية المطلوبة في تلك المرحلة. وأصبح وضعه أكثر خطورة بسبب صلاته بالمارشال ميخائيل توخاتشيفسكي، الذي كان من الشخصيات العسكرية البارزة آنذاك.

وفي ظل هذا الضغط، ألّف شوستاكوفيتش عام 1937 سيمفونيته الخامسة، التي جاءت أكثر توافقا مع متطلبات الواقعية الاشتراكية، وقدمتها الصحافة السوفيتية بوصفها استجابة من الفنان للنقد الموجه إليه. وفي المقابل، أثارت السيمفونية خارج الاتحاد السوفيتي نقاشا واسعا حول العلاقة بين الإبداع الفني والضغوط السياسية.


موسيقى تحت الحصار

جاءت الحرب العالمية الثانية لتمنح واحدة من أشهر أعمال شوستاكوفيتش مكانتها التاريخية. فقد بدأ تأليف السيمفونية السابعة، المعروفة باسم “لينينغراد”، أثناء حصار المدينة، وأكملها بعد إجلائه إلى كويبيشيف- سامارا حاليا.

عُرضت السيمفونية للمرة الأولى في 5 مارس 1942 في كويبيشيف، وسرعان ما تحولت إلى أحد أشهر الأعمال الموسيقية المرتبطة بالحرب. وفي يونيو من العام نفسه، ظهرت صورة شوستاكوفيتش على غلاف مجلة “تايم”.

وفي 9 أغسطس 1942، عُزفت السيمفونية في لينينغراد المحاصرة بقيادة كارل إلياسبرغ، وبث الحفل عبر الإذاعة. وأصبحت الموسيقى، التي ارتبطت بصمود المدينة وسكانها، رمزا ثقافيا يتجاوز حدود الاتحاد السوفيتي.

بعد الحرب، واصل شوستاكوفيتش نشاطه الأكاديمي والفني، ودرّس في معهدي موسكو ولينينغراد الموسيقيين.

كما شغل مواقع رسمية، وانتُخب نائبا في مجلس السوفيت الأعلى لجمهورية روسيا الاتحادية الاشتراكية السوفيتية، وشارك في مسابقة تأليف النشيد الوطني للاتحاد السوفيتي، حيث قدم عملا منفردا، وآخر بالاشتراك مع آرام خاتشاتوريان.

بين الإدانة والتكريم

عاد الضغط الرسمي على شوستاكوفيتش بقوة عام 1948، عندما وُجهت إليه اتهامات جديدة بـ”الشكلانية”. وسُحبت منه ألقابه ومناصبه الأكاديمية، ومُنعت بعض أعماله من العرض.

ومع ذلك، لم يتوقف عن التأليف. ونُسب إليه قوله في تلك الفترة: “لو قُطعت يداي، لظللت أكتب الموسيقى، ممسكا بالقلم بين أسناني”.

ومع بداية مرحلة الانفراج السياسي، تحسن وضعه تدريجيا. وفي عام 1954 حصل على لقب فنان الشعب في الاتحاد السوفيتي، ثم صدر عام 1958 مرسوم رسمي بشأن تصحيح التقييم السابق لأعمال عدد من المؤلفين، ومن بينهم شوستاكوفيتش، وأُسقطت عنه الاتهامات السابقة.

وفي الوقت نفسه، رافق المرض شوستاكوفيتش لسنوات طويلة. فقد ظهرت لديه في شبابه أعراض مرتبطة بضعف اليد اليمنى، وعانى لاحقا مشكلات صحية متزايدة. ويُعتقد حاليا أن المرض الذي عانى منه كان التصلب الجانبي الضموري.

الحب والأسرة

شهدت حياة شوستاكوفيتش الخاصة بدورها مراحل معقدة. ففي شبابه ارتبط عاطفيا بتاتيانا غليفنكو، التي ظل على علاقة بها لسنوات، وأهدى إليها عددا من أعماله المبكرة.

وفي عام 1932، تزوج نينا فارزار، وهي ابنة الفيزيائي أبراهام يوف، وأنجبا ابنتهما غالينا عام 1936 وابنهما مكسيم عام 1938. درست غالينا علم الأحياء، بينما أصبح مكسيم عازف بيانو وقائد أوركسترا، وحصل لاحقا على لقب فنان الشعب في جمهورية روسيا الاتحادية الاشتراكية السوفيتية.

توفيت نينا فارزار عام 1954 بعد إصابتها بالسرطان. وتزوج شوستاكوفيتش بعدها مارغريتا كاينوفا، لكن الزواج لم يستمر طويلا.

أما زوجته الثالثة فكانت إيرينا سوبينسكايا، التي تزوجها عام 1962. وساندته في سنواته الأخيرة، وبعد وفاته كرست جانبا من حياتها للحفاظ على تراثه وأعماله.

إرث موسيقي كبير

واصل شوستاكوفيتش التأليف حتى أشهره الأخيرة. وبلغ عدد أعماله الموسيقية 147 عملا، من بينها 15 سيمفونية، إلى جانب أعمال للأوركسترا والحجرة والمسرح والسينما. وكان آخر أعماله “سوناتا الفيولا والبيانو”، التي أتمها في 5 يوليو 1975. وتوفى دميتري شوستاكوفيتش في 9 أغسطس 1975، ودُفن في مقبرة نوفوديفيتشي في موسكو.

وبعد 120 عاما على ولادته، لا تزال موسيقاه حاضرة في قاعات الحفلات حول العالم، فيما تبقى سيرته واحدة من أكثر السير تعقيدا في تاريخ الموسيقى السوفيتية: فنان حقق شهرة عالمية مبكرة، وواجه في الوقت نفسه رقابة وضغوطا سياسية متكررة، وترك وراءه أعمالا تجاوزت ظروف عصره لتصبح جزءا من التراث الموسيقي العالمي.

شاهد أيضاً

موسكو تختتم النسحة الـ15 من مهرجان الدراجات النارية بعروض مبهرة

موسكو تختتم النسحة الـ15 من مهرجان الدراجات النارية بعروض مبهرة

شفا – اختتم في العاصمة الروسية موسم الدراجات النارية فعاليات النسخة الـ 15 من مهرجان …