
شفا – شجون الجنوب وهتاف اليقين: الحوار الكامل مع الشاعرة منال عبد الرازق
حوار:عطا درغام
في هذا الحوار المفعم بالصدق والأصالة، نلتقي بصوت شعري قادم من قلب الصعيد الطاهر، يحمل في طياته هموم البسطاء وأوجاع الشارع المصري. تنحاز الشاعرة منال عبد الرازق إلى قصيدة العامية باعتبارها لسان حال الطبقة الكادحة، محلقة بجناحي عصفورها الرمزي نحو آفاق الحرية والعدالة، ومتسلحة بإرث أجدادها لتصنع بنيانًا شعريًا يعيد صياغة الواقع بوعي حاد ومصداقية تنفذ إلى القلوب. تبحر معنا في فلسفة الكلمة ووظيفة القلم، لتؤكد أن الشعر ليس ترفًا، بل هو صرخة في وجه الصمت وسيف مسلول لنصرة المظلومين، وصولًا إلى عقيدتها الراسخة في اليقين بالله، وتوجيه رسالة حب وسلام جامعة لكل بني الإنسان.
المحور الأول: الهوية الشعرية، الأسلوب، والبناء الفني
1 لغة النص والشغف الزجلي: تتنقلين ببراعة بين العامية المصرية الرصينة والزجل ذي الإيقاع السريع؛ كيف تختارين قالبك الشعري، وهل العامية بالنسبة لكِ هي الأقدر على حمل أوجاع الشارع من الفصحى؟
كما تفضلت بالقول؛ فإن الشاعر الحقيقي لا بد أن يمتلك البراعة والإتقان، فهذه هي أدواته الأساسية في الكتابة. أما عن كيفية اختياري لقالب القصيدة، فليس لي قالب محدد، بل هو حرف تخطه يدي؛ حرف متميز وحقيقي مستمد من الواقع، إذ يتعين على الشاعر ملامسة الواقع أثناء الكتابة، وهذا ما يُسمى بمصداقية الإحساس لديه. وبالنسبة لكون العامية الأقدر على حمل أوجاع الشارع مقارنة بالفصحى، فهذه وجهة نظري الشخصية؛ فالأولى هي لغة الشارع الدارجة، بينما الثانية هي لغتنا الجميلة والمهذبة. لقد كنا في حقبة زمنية معينة نتحدث بالفصحى لأنها كانت لغة العرب آنذاك، ثم تبسطت اللغة بعد ذلك لتصبح لهجة مصرية بسيطة، ومعروفة عالميًا بأنها لهجة مصر. إن العامية أبسط فهمًا لدى الشعب، ولها جمهورها من عامة الناس البسطاء، فهي تمثل “الغلابة” في الشارع المصري، وحين يكتب شاعر العامية، فهو يخاطب الشعب البسيط والطبقة الكادحة.
2-البناء الموسيقي والتراكيب: نلاحظ في قصائدكِ حساً غنائياً عالياً واعتتماداً مكثفاً على الجناس والقافية السلسة (مثل: “تخفيف أحمال وعبور.. بتطفي بيوت عصفور”).. كيف تطبخين هذه الموسيقى الداخلية دون أن تفقد الكلمة حرارتها؟
لأن أي قصيدة تُكتب تشبه البنيان الذي تشيده؛ لها أسس وقواعد تمامًا كالفصحى، بل إنني أجد القصيدة العامية أصعب من الفصحى في الجناس، والقافية، والوزن.
3-رمزية الطير والعصفور: يتردد رمز “العصفور” و”الطير” كثيراً في نصوصكِ؛ تارة يمثل الحلم وتارة السجين وتارة الشعب المقهور.. ماذا يمثل هذا الرمز في جدولكِ الشعري؟
بالنسبة لي، يمثل العصفور رمزًا لحرية الشاعر المطلقة في الكتابة والتعبير؛ إذ يعبر عن إنسان بسيط سجين في هذه الحياة. أنا لا أضيق على القارئ بقواعد الفعل والمفعول به، بل أريده أن يرى من خلال هذا التبسيط من هو الإنسان؛ عصفور يحلم بالحرية والعدالة، عصفور مقيد وليس حرًا، وهذا تعبير مجازي يا أستاذنا.
4-التناص مع المأثور والشعبي: تستخدمين مفردات من عمق البيئة المصرية الصعيدية والأرياف (مثل: بابور الجاز، الجورة، العتاولة، البنادر).. كيف يخدم هذا المزيج صالة النص ويربط الشعر بالهوية؟
أنا صعيدية الجذور، ابنة الأرض، والتربة، والعادات، والتقاليد، والأعراف. أبني قصيدتي من موروثاتي التي تعلمتها من أجدادي وأبي؛ لذا لا أجد صعوبة في فرض ذاتي أمام القارئ، بل أريده أن يتعرف على هويتي، وماهية الموروثات التي نشأت عليها، فكل المفردات التي أكتبها تمثلني أنا؛ ابنة الجنوب.
5-الصورة الشعرية الصادمة: تكررين مصطلحات حادة وصادقة للتعبر عن الوجع (مثل: فلاش تاني، ساطور، كرباج، جراحي).. هل تعتمدين المدرسة المباشرة المقلقة لوعي القارئ بدلاً من التجميل الشعري؟
يجب على الشاعر أن يكون واضحًا، ومن هنا يأتي اعتمادي على الحدية نظرًا لجدية الأمر والحرف. يا أستاذي، أنا لم أكتب حرفًا عبثًا، ولكننا نسيج واحد؛ أرواح تلتقي متساوية في الفكر والوعي، وتجمعنا آراء وأمور مشتركة حياتية بحتة.
المحور الثاني: القضايا الاجتماعية وأوجاع البسطاء
6-صوت المقهورين والصمت: في نصوص عدة تركزين على فكرة “الصمت والصرخة المكتومة”.. كيف يعبر الشعر عن شخص يسير وإبهامه على خده ولا يجد من يسمعه؟
كيف يعبر الشعر عن شخص غير مسموع؟ الشعر كلمة حرة مطلقة، وصوت ضمير ثائر، ولا بد أن يأتي يوم يستمع فيه أحد ما لهذا الصوت. إنني أكتب كي أخرج ما بداخلي من صمت؛ فالشعر بمثابة متنفس للروح. الصمت والصرخة ضدان، والضد يبرز المعنى ويوضحه؛ لذا فإن كتاباتي تنبع من واقع اللحظة. كيف للمرء أن يرى ولا يتكلم؟ لا بد أن يعبر عن واقع لامسه، لأن الشاعر إنسان قبل كل شيء، وهو ابن هذا المجتمع الذي ينتمي إليه؛ يكتب عنه ويوجه حرفه له.
7- الهم اليومي وأزمات المعيشة: تناولتِ قضايا ملموسة جداً مثل قطع الكهرباء، الغلاء، والفقر (“يا حلاوة لمبة جازي”).. كيف يتحول الموقف اليومي البسيط إلى نص محرك للشغف والرأي العام؟
لأن الشاعر يحمل رسالة مجتمعية، وحرفه يجسد المواقف اليومية التي تحدث في المجتمع؛ عبر طرح المشكلات العامة في حروف منسوجة بتبسيط شديد، لضمان سهولة قراءتها وفهمها. الشاعر قلم حر، يعطي دون مقابل، ويطرح معاناة الشعب وأزماته في حرف مسموع يبلغ الجميع، ليكون بمنزلة تنبيه هام لمن يهمه الأمر؛ حتى يولي هذه القضايا الأهمية المستحقة.
8- ثنائية “ابن الباشا وابن الغفير”: تطرقتِ للطبقية والعدالة الاجتماعية بنقد لاذع؛ هل ترين أن وظيفة الشاعر الحقيقية هي أن يكون لساناً لمن لا لسان له؟
نعم، الشاعر لسان قوي، وحد حرفه سيف يقاتل به لنيل العدالة لأولئك الذين لا يملكون صوتًا قويًا. إنه قلم ملهم؛ فالشاعر كلمة تشتق صفتها من الشعور، وهل يُطلق على من يمتلك القلب، والضمير، والإحساس بالغير أي وصف آخر سوى أنه شاعر؟ الشاعر كلمة لا يمتلكها أي أحد، بل تطلق حصريًا على شعراء متميزين، ممن يمتلكون حرفًا حادًا، وقويًا، وهادفًا، وخادمًا لقضايا مجتمعهم فحسب.
9- نقد الزيف والنفاق الاجتماعي: كتبتِ عن “زمن النفاق” والناس التي تتلون بألف وجه.. كيف يحمي الشاعر نسيجه ونقاء حرفه في مجتمع تسوده بعض العلاقات المزيفة؟
كيف يحمي الشاعر نسيجه ونقاء حرفه في مجتمع زائف؟ الإجابة تكمن في عدم الانخراط مع الزيف، وألا يجعل من حرفه أداة للتكسب أو حصد المال، بل يوظف حرفه في الخدمة العامة، ويبث معاناة الناس لمن يهمه الأمر؛ فالمشاعر لا تُشترى بالمال، بل هي صفة مكتسبة تنبع من الروح فقط.
10-المرأة وشيالة الهموم: نلمح في نص “أنا هي” قوة وحيرة وغرور النفس العنيفة والمتحملة في آن واحد.. كيف ترسمين صورة المرأة الصعيدية/المصرية الشجاعة التي تتحدى الظلم والهموم؟
كيف ترسم صورة المرأة الصعيدية؟ المرأة الصعيدية لا يدرك كنهها ولا يعرفها حق المعرفة إلا المرأة الصعيدية نفسها؛ تلك التي نشأت في بيئة صعيدية، وهي وحدها من تمتلك الحرف القوي لأنها وليدة هذه الأرض، والتربة، والبيئة المحيطة بها. إن المرأة الصعيدية تدرك حجم المسؤولية الملقاة على عاتقها منذ ولادتها، وهي الأجدر بنيل لقب “المرأة الحديدية” بمعنى الكلمة. كيف لا أراها بهذه الصورة وأنا التي تربيت على يدها؟ إنني ابنتها، وأدرك حقيقتها تمام الإدراك والمعرفة؛ إنها أنا، وهي، وهن جميعًا. تجمع الصعيدية بين الصبر، والجلد، والقوة، والطيبة، وتتحمل الكثير؛ فالمرأة عمومًا هي عماد البيت وعمود الخيمة، وهي مدرسة الدنيا التي تُعلم، وتنجب، وتربي مستقبل وطن يستمد من تضحياتها النماء، والتطور، والاستمرارية.
المحور الثالث: الفلسفة والرؤية للوجود والحياة
11- تقولين “الصبر ع اللي بيوجعك قوة.. والقوة من عزم الجبال جبروت”.. كيف تشكلت لديكِ هذه الرؤية الفلسفية التي ترى في الألم منبعاً للصمود؟
وكيف لا يولد من المعاناة والألم القوة؟ كيف لا أراها وأنا قد ولدت في رحمها، وكثير منا قد مر بها؟ على سبيل المثال: عندما يكون الإنسان فقيرًا معدمًا لا يملك إلا قوت يومه، فإن عزيمته هي التي تجعله قادرًا على بذل الجهد أمام الطغيان، والمعاناة، والضغوطات؛ وهذا ما يُسمى بالصمود أمام الألم. لم يُخلق الإنسان عبثًا، بل خُلق من أجل الصمود، وهي حكمة في غيب الله تعالى للإنسان؛ إذ خلقنا في هذه الدنيا لحكمة معينة يعلمها هو سبحانه، وقد رأيت هذه الحكمة متجسدة في أرواح تعاني وما زالت صامدة في الحياة.
12- نجد في أزجالكِ ومربعاتكِ نبرة مشابهة لـ”عجبي” صلاح جاهين حول تقلب أحوال الدنيا والنهاية المحتومة.. كيف تنظرين لخريطة الصراع بين الخوف والأمل؟
إن “جاهين” حالة منفردة تعلمنا منها الكثير؛ فحرفه يمثل لسان البشر، ومدرسة الحياة هي أكبر مدرسة يتعلم فيها الإنسان الذي يرى من حوله دون الاستعانة بأحد يريه معاني الخوف والأمل؛ فالخوف والأمل يمثلان كل روح موجودة على هذه الأرض. الإنسان مخلوق جُبل في داخله الخوف والأمل معًا؛ الخوف من العقاب، والخوف من الغد وكيف وأين سيكون، في حين يمنح الأمل طمأنينة للروح، والصراع بينهما قائم ومستمر؛ خوف وطمأنينة، أي أمل. فمن يتملكه الخوف، يمتلك في الوقت ذاته الأمل في الله عز وجل، هكذا هي الحياة وهكذا هم البشر؛ مخلوقات ضعيفة قد يسيطر عليها خوفها، ولكن يظل في داخلها الأمل بأن الغد سيكون أجمل.
13-: تتردد فكرة “الموت المكتوم” و”الاستشهاد” و”الموت على أرضك”.. هل تعتقدين أن الشاعر يمارس نوعاً من البعث الفكري والروحي من خلال كلماته؟
الشاعر يمنح الناس الشجاعة؛ فالموت حق مكتوب على الجميع، والاستشهاد هو أعلى مراتب الموت. والأرض هي هوية الإنسان، والدفاع عنها والموت في سبيلها هو الفوز بالجنة ومرضاة الله؛ فالبعث مذكور في القرآن الكريم، وهذا هو المعين الذي يستمد منه الشاعر رؤيته لكتابة القصيدة الوطنية أو القصيدة العامية بصفة عامة. لا بد من الموت لأنه نهاية حياة الإنسان على الأرض، أما الدفاع عن الوطن فشرف عظيم، والموت في سبيله مفازة من الرحمن.
14-تضعين حداً فاصلاً بين “الفتوة” الحقيقي وبين الظالم.. كيف تُعرّف فلسفة الجدعنة والأصل في زمن الماديات؟
“الجدعنة” ليست فلسفة تُدرس، بل هي هبة من الله للإنسان، و”الفتوة” الحقيقي هو الذي يدافع عن الحق وعن المظلوم، فيأخذ الحق بقوة مقرونة بالأخلاق؛ هذه هي “الفتونة” الحقة. أما الظلم أو الظالم فهو التعدي المرفوض على حق المظلوم. وكما أسلفت؛ نحن نعيش في زمن الماديات، هذا الزمن الذي كثر فيه القتل، والطغيان، والتجبر، فنرى دومًا الظالم يقتل، وينهب، ويتاجر بالإنسان مستعينًا بقوته وجبروته؛ لذا يتعين على الفتوة الحقيقي أخذ الحق وإعادته إلى صاحبه، عبر الدفاع عن المظلوم والوقوف في صفه ضد الظلم والظالمين؛ فمن يمتلك الضمير يمتلك الحق.
15- تكررين فكرة “إخفاء الهم بدمعة أو بضحكة غلب”.. كيف يتعايش الإنسان مع هذا التناقض النفسي الصعب في نظرك؟
هذا ليس تناقضًا نفسيًا، بل هو تقديم حل للإنسان؛ فالهموم تقتل الإنسان من داخله، والإنسان المهموم لا يرى الراحة في حياته لأنه يحمل عبئًا كبيرًا، وعليه أن يلقي بعبئه على الله، فهو الخالق والمدبر لكل أمور البشر. بالصبر والتقرب إليه سبحانه؛ فكلما تفاقمت الأزمات على الإنسان، وجب عليه اللجوء إلى الله. الإنسان بطبيعته وفطرته يميل إلى الخوف والتعجل في الأمور، وقد وهبه الله الصبر واليقين بأن كل شيء زائل لا يدوم، فلا الحزن باقٍ ولا السعادة دائمة؛ هكذا هي حياة الإنسان.
المحور الرابع: روح الصعيد والعروبة والحس الوطني
16-أفردتِ مساحات واسعة للتغني بالصعيد ونسبه وجدعنته (“سلام مربع للجدعان”).. ماذا يعني لكِ الانتماء للتراب الصعيدي وكيف ينعكس على طباع قصيدتكِ؟
إن بيئتي التي نشأت وترعرعت فيها وتزوجت منها هي الصعيد، والصعيد جزء كبير من مصر؛ بل هو جذورها الأصيلة. وعندما أكتب وأتغنى بحبي للصعيد، يقول لي كثيرون: “لماذا تكتبين عن الصعيد حصريًا؟”، وأنا في الحقيقة لم أكتب عن الصعيد وحده، بل كتبت لمصر كلها؛ فكل كتاباتي هي من أجل مصر الحبيبة التي تمثل هويتي ووجودي. أما عن الصعيد، فقد كتبت عنه لأجعل العالم يقرأه، ويتعرف على ما يكون عليه في عيون أبنائه وبناته. إن للصعيد لهجة معينة معروف بها؛ لذا كلما ذهبت إلى القاهرة وتحدثت بلكنتي الصعيدية، يُقال لي: “أنتِ من نجع حمادي في قنا!”، فأسألهم: “كيف عرفتم ذلك؟”، فيجيبون بأنها لهجة مألوفة، فكل محافظة من محافظات الصعيد تتميز بلكنتها الخاصة. الصعيد يزخر بقصص وتراث تتحاكى عنه آلاف الأجيال، فما أجمل اللهجة الصعيدية! ولعل قصائدي الصعيدية تكتسب سحرها الخاص حين تُقرأ بتلك اللهجة تحديدًا.
17-في قصيدتكِ “جيش دفاع” و*”اصحي يا مصر”* هناك رد قوي وحاسم على التشكيك في الوطن.. كيف يوازَن الشاعر بين نقده للأوضاع المعيشية وبين دفاعه المطلق عن هيبة بلده وجيشها؟
لا بد للشاعر أن يعبر ويكتب عن الوطن؛ لأنه هويته وانتماؤه الذي يلهمه الكتابة. وعن كيفية موازنة الشاعر بين حبه لوطنه ونقده للأوضاع والمعيشة؛ فالشاعر قبل أن يكون شاعرًا هو ابن هذا الوطن وفرد من الشعب، وحين يمتلك موهبة الشعر، فإن هذه ميزة تميز بها عن غيره، وكتابته قصيدة عن الأوضاع والمعيشة لا تقلل أبدًا من انتمائه أو حبه، بل هو صوت الحق الذي لا يصمت. فعندما أكتب عن وضع خاطئ، فإن هذا واجبي نحو وطني لأنني أحبه؛ فالوطن يمثل للشاعر الأرض، والسماء، والهواء، والماء، والحياة كلها. إن دفاعي عن هيبة وطني وجيشه هو عنوان انتمائي، وحبي، ودعمي له. وأود أن أقول شيئًا لكل إنسان على وجه الأرض: الوطن ليس شخصًا، بل هو أرض موهوبة لكل أصحابها الذين يعيشون فوق تراها، والانتقاد أمر طبيعي وعادي تجاه وضع يعيشه الإنسان وجعله يعاني من قسوة المعيشة والغلاء، لذا يكتب الشاعر عن ذلك في قصائده.
18- في “حني يا لون دمي” و*”صرخة حق”* تحضر غزة والأطفال والطوفان بألم حاد.. كيف ترين التلاحم الشعري بين الهم المصري والهم العربي؟
18- مصر هي محور العالم العربي والإسلامي، وبوابة الشرق، وأم الدنيا. فمصر منذ قديم الزمان وهي الحاضنة لكل شعوب العالم العربي، وكل شاعر قد تغنى بمصر وحبها لكل الوطن العربي؛ فالوطن العربي جزء لا يتجزأ من مصر، ونحن جميعًا إخوة. وتأتي القضية الفلسطينية في مقدمة أولويات مصر، والعمل على حلها واجب مصري أصيل؛ لأن مصر ميزها الله سبحانه وتعالى وذكرها في كتابه الكريم، فهي الملاذ، والأمن، والحاضنة، والداعمة لكل القضايا العربية.
19- النيل والقمح والغيطان حضورهم يُمثل أصل الحياة في قصائدكِ.. كيف يُغذي الطمي المصري مخيلتكِ الشعرية؟
النيل هو سر الحياة وشريان مصر، وهو مكمن قوتها. فعندما ترى حقول القمح في أرض مصر تتمايل تحت أشعة الشمس كأنها سبائك الذهب اللامعة، تعم السعادة الروح، ومن هنا يستلهم الشاعر حروفه؛ فالنيل هو روح مصر. ومن خلال وجودي في الصعيد، فإن كل ما يحيط بي هو النيل، والأرض، والطين الذي تمنحك رائحته المميزة كل ما تصبو إليه لكتابة قصيدة رائعة. كيف لا أراهم يكتبون وأنا ابنة هذه الأرض، وابنة الجنوب والنيل، وقمحية الملامح والسمار؟!
20- بالرغم من الوجع والصراخ المكتوم، تختمين دائماً بنبرة انتظار الصبح والعودة والتغيير.. كيف تحافظين على ثقتكِ في غد أفضل؟
لأن عندي اليقين، والأمل، والتفاؤل في الله بأن الغد سيكون أجمل. فمن خلال مواجهتي لبعض المشكلات الحياتية، تمر هذه العقبات مرار الكرام بفضل صبري وحكمتي؛ فالحق لا بد له أن ينتصر في النهاية، والليل لا بد له أن ينجلي، والصبح يأتي ليمحو ظلمة الليل؛ هكذا هي الحياة. الشاعر يكتب من روحه وقلبه، ويسكب إحساسه الصادق الذي يشعر به تمامًا؛ وحين يكتب الشاعر بمشاعر صادقة، فإن القارئ يصدقه حتمًا.
المحور الخامس: الشاعر، الذات، وتجربة العاطفة
21-كتبتِ عن الحب الذي يمرر العيشة ويكسر القلوب (“حبيت واحد ناكر ولأقلبك شات”).. هل العاطفة في الشعر أداة للشفاء أم باب إضافي للألم؟
الحب هو عاطفة القلوب، وهو شيء جميل أودعه الله في نفوس البشر لتأتلف به القلوب. البدايات دائمًا تكون جميلة، لكن النهايات قد تأتي صادمة؛ فقليلون هم الذين يبقون كما كانوا في البدايات ولا يتغيرون، وكثيرون هم الذين يكسرون القلوب. العاطفة في الشعر تجمع الأمرين معًا: الشفاء والألم؛ فعندما تحب بصدق ثم يبتعد المحبوب نتألم، وبعد ذلك نُشفى من هذا الألم؛ هكذا هي العاطفة، والشعر يرمي إلى جعل المحبين يرقبون حقيقة العاطفة وجوهرها من خلال الكتابة.
22- تشبهين الشاعر بـ “مغنواتي البلد” الذي يحسدونه على غنائه بينما يحترق بالسم في داخله.. هل الشعر ضريبة قاسية يدفعها المبدع من صحته وروحه؟
بالتأكيد؛ فالشاعر عندما يكتب يستنزف طاقته بالكامل، لأن الكتابة تنبع من أعماق القلب والروح. الشاعر البارع هو من يكون حرفه صادقًا، فيمتثل له القلم، والعقل, والقلب، والروح، والقارئ على حد سواء. وحين أكتب قصيدة، فإنني أعيد كتابة المشهد وتجسيده من جديد، كأنني أقتل نفسي مرتين؛ مرة عندما عشت الموقف ورأيته، ومرة أخرى عندما أعدت كتابته وصياغته؛ هكذا يكتب الشاعر الحقيقي.
23- تقولين “أنا حرفي منه العجب والكلمة زي رصاص”.. إلى أي مدى تعتقدين أن الكلمة قد تكون أشد تأثيراً وسلطة من السلاح؟
الكلمة تبني وتهدم، وهي أقوى بكثير من السلاح؛ فعندما يكتب الشاعر، فإنه يتحول إلى شعلة مدمرة وقوية، وهنا يخاطب الشاعر شعوبًا بأكملها. الكلمة تصنع المستحيل، وهي التي تهتز منها العروش؛ وكم من صاحب حرف يقبع اليوم خلف القضبان، وما ذلك إلا لأن حرفه قوي ويخافون من أثره!
24- نجد دائماً لجوءاً ورجاءً لله في نهايات مقاطكِ (“يارب فيا الحزن.. انت العليم بالنفس”).. كيف تشكل العقيدة والرضا ملاذكِ الأخير من قسوة الأيام؟
إن كل إنسان يتجه إلى الله عند كل محنة، داعيًا إياه ومستعينًا به لطلب العون والمساعدة؛ لأننا مخلوقاته، وهو الأعلم بذات أنفسنا، وليس لنا ملجأ سواه سبحانه مالك الملك. العقيدة الراسخة في الإنسان هي مخافة الله دائمًا، واليقين التام به في كل الأحوال.
25- بعد هذا الأرشيف الحافل بالأوجاع والأفراح والأصالة.. ما هي الرسالة التي تريد منال عبد الرازق أن تتركها في ذاكرة قارئها وشعبها؟
رسالتي التي أريد أن أوصلها لكل قارئ ومحب لحرفي ولوطنه هي: أنتم بنو الإنسان، والإنسان من الأنس، فتأنسوا ببعضكم بعضًا. اتجهوا إلى الله، واجعلوا يقينكم به أكبر وأقوى، وربوا أولادكم على قيم الحب، والتسامح، والسلام، وحب الوطن، وحب الجار، والأخ. ازرعوا فيهم القيم الصحيحة وتعاليم ديننا الحنيف، وتقربوا منهم لأنهم جيل المستقبل، وآباء الغد، وحماة الوطن. وأخيرًا، أرجو أن أكون ضيفة خفيفة على قلوبكم، وأن تنال حروفي إعجابكم.
الشاعرة/ منال عبد الرازق.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.