2:58 مساءً / 20 سبتمبر، 2026
آخر الاخبار

حين تنظر إلى الخليل من بكين ، بقلم : معمر يوسف العويوي

حين تنظر إلى الخليل من بكين ، بقلم : معمر يوسف العويوي

أحيانًا نحتاج أن نبتعد قليلًا عن مدينتنا حتى نراها بوضوح أكبر. من بكين وعلى بعد آلاف الكيلومترات من الخليل، وجدت نفسي أفكر في مدينتي بطريقة مختلفة. لم تكن المسافة مجرد انتقال جغرافي من مدينة إلى أخرى، بل كانت فرصة للتأمل في سؤال أكبر: كيف تصنع الشعوب مستقبل مدنها؟ وكيف تتحول المدن من مجرد أماكن نعيش فيها إلى مشاريع وطنية تحمل ذاكرة الماضي وتصنع ملامح المستقبل؟

في زيارتي إلى الصين، توقفت كثيرًا أمام مشاهد التنمية والعمران والتنظيم، لكن أكثر ما بقي في ذهني كان سؤالًا بسيطًا: كيف استطاعت الصين أن تنتقل من واقع صعب إلى ما نراه اليوم من تطور هائل؟

لا توجد إجابة واحدة، ولا يمكن نقل التجربة الصينية إلى فلسطين كما هي، فلكل شعب ظروفه وتاريخه وخصوصيته. لكن التجربة الصينية تضع أمامنا سؤالًا يستحق التفكير: ماذا يمكن أن يحدث عندما تتحول الإرادة الوطنية إلى رؤية، والرؤية إلى تخطيط، والتخطيط إلى عمل مستمر؟

هذا السؤال أخذني مباشرة إلى الخليل. فالخليل ليست مدينة عادية في الذاكرة الفلسطينية. إنها مدينة التاريخ والتجارة والصناعة والعلم، مدينة الحرم الإبراهيمي والبلدة القديمة والأسواق، ومدينة الجامعات ورجال الأعمال والحرفيين والمزارعين والشباب.

لكن الخليل اليوم تقف أمام تحديات كبيرة؛ تحديات الاحتلال وإجراءات الإغلاق والاستيطان وتقسيم المدينة، وتحديات اقتصادية واجتماعية وإدارية وتنموية في الوقت نفسه.

وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: إذا كانت الخليل قد استطاعت أن تصمد أمام كل هذه العقود من الضغوط، فهل نستطيع أن ننقلها من مرحلة الصمود فقط إلى مرحلة البناء والتقدم؟

الصمود ضرورة لكنه ليس النهاية، نحن بحاجة إلى أن ننتقل من مفهوم إدارة الأزمة إلى صناعة الفرصة، ومن التعامل مع الواقع كما هو إلى التخطيط لما نريد أن يكون عليه.

حين تنظر إلى بكين، ترى مدينة ضخمة تتحرك وفق رؤية طويلة المدى. وحين تعود بذاكرتك إلى الخليل، ترى مدينة تملك مقومات كبيرة، لكنها بحاجة إلى مزيد من الرؤية والتكامل بين مؤسساتها وقطاعاتها المختلفة.

ماذا لو نظرنا إلى الخليل باعتبارها مشروعًا تنمويًا فلسطينيًا متكاملًا؟ ماذا لو أصبحت البلدة القديمة مشروعًا اقتصاديًا وسياحيًا وثقافيًا، وليس فقط موقعًا تاريخيًا نحاول حمايته؟


ماذا لو استثمرنا في جامعات الخليل ومؤسساتها التعليمية لتكون شريكًا أساسيًا في صناعة القرار والتنمية؟

ماذا لو تحولت المدينة إلى نموذج فلسطيني في الإدارة الرقمية، والخدمات الإلكترونية، وإدارة الموارد، وتشجيع الاستثمار؟
ماذا لو جمعنا البلدية، والجامعات، والغرفة التجارية، والقطاع الصناعي، والمؤسسات الأهلية، والشباب، والمرأة، والمغتربين الفلسطينيين، حول رؤية واحدة للمدينة؟
فالمدن التي تريد البقاء لا تكتفي بالدفاع عن حاضرها، بل تخطط لمستقبلها.

وفي الصين، لا يمكن للزائر أن يتجاهل حجم الاستثمار في الإنسان والبنية التحتية والتعليم والتكنولوجيا. وهذا يعيدنا إلى فلسطين: المعركة الحقيقية على المستقبل هي معركة الإنسان.

نحن نملك شبابًا متعلمًا، وعقولًا فلسطينية مميزة، ورجال أعمال قادرين على الاستثمار، وجامعات لديها إمكانات، وقطاعًا صناعيًا وتجاريًا واسعًا. لكن المطلوب هو ربط هذه الطاقات ضمن منظومة واحدة.

الخليل تحتاج إلى رؤية لا تتوقف عند دورة انتخابية أو مشروع مؤقت.

نحتاج إلى أن نسأل اليوم: كيف نريد أن تكون الخليل عام 2030؟ وكيف نريد أن تكون عام 2040؟

أي مدينة نريد لأبنائنا؟ هل نريدها مدينة تعيش فقط على تاريخها، أم مدينة تستخدم تاريخها لصناعة مستقبلها؟

هل نريد البلدة القديمة مجرد شاهد على الماضي، أم قلبًا نابضًا للسياحة والاقتصاد والثقافة؟

هل نريد جامعاتنا أن تكون مؤسسات للتعليم فقط، أم مراكز للبحث والابتكار وصناعة السياسات؟

هل نريد اقتصاد الخليل قائمًا فقط على التجارة التقليدية، أم قادرًا على الدخول بقوة إلى الاقتصاد الرقمي والصناعات الحديثة والأسواق الخارجية؟

وهل نستطيع أن نجعل الإدارة العامة أكثر كفاءة وشفافية وقدرة على خدمة المواطن؟

هذه الأسئلة تصبح أكثر وضوحًا عندما تراها من بعيد. ولعل أجمل ما يمكن أن نتعلمه من سور الصين العظيم هو أن الإنجازات الكبرى لا تُبنى في يوم واحد.

وقفت أمام هذا البناء الضخم، الممتد فوق الجبال، وفكرت: كم احتاج من وقت وجهد وإرادة حتى يصل إلى ما نراه اليوم؟

ثم تذكرت الخليل. مدينتنا أيضًا تحتاج إلى بناء، ولكن ليس بالضرورة بالحجارة.
نحتاج إلى بناء المؤسسات، وبناء الاقتصاد، وبناء الإنسان، وبناء الثقة، وبناء المستقبل.
نحتاج إلى أن يكون حب الوطن فعلًا يوميًا في المدرسة والجامعة والمصنع والسوق والبلدية والمؤسسة، لا مجرد شعار نردده في المناسبات.

ومن هنا، فإن المسافة بين بكين والخليل ليست آلاف الكيلومترات فقط.
إنها مسافة بين تجربتين، بين تاريخين، وبين واقعين مختلفين، لكنها أيضًا مساحة واسعة للتفكير في المستقبل.

لا أعود من الصين لأقول إن علينا أن نصبح الصين، فهذا غير ممكن وغير مطلوب.
لكنني أعود بسؤال فلسطيني خالص:
ماذا نستطيع أن نصنع نحن، بمواردنا وإمكاناتنا وظروفنا، إذا امتلكنا رؤية واضحة، وإدارة فعالة، وإرادة حقيقية للبناء؟

ربما هذه هي الرسالة الأهم التي يمكن أن يحملها الإنسان عندما يسافر بعيدًا عن وطنه.

أن تكتشف أن الوطن لا يصبح عظيمًا فقط لأنه يملك تاريخًا عظيمًا، بل لأنه يعرف ماذا يريد أن يكون في المستقبل.

شاهد أيضاً

من شمال غربي الصين إلى الشرق الأوسط: منصة رقمية تسهّل تجارة السلع العابرة للحدود

من شمال غربي الصين إلى الشرق الأوسط: منصة رقمية تسهّل تجارة السلع العابرة للحدود

شفا – في منطقة نينغشيا الذاتية الحكم لقومية هوي شمال غربي الصين، تعمل منصة رقمية …