
حين تصبح فلسطين ثلاث ملفات ، بقلم: المهندس غسان جابر
أخطر ما يمكن أن يحدث لفلسطين ليس أن نخسر معركة، أو جولة، أو حتى مدينة.
الأخطر أن نعتاد على فكرة أن فلسطين لم تعد قضية واحدة.
بل ثلاثة ملفات.
غزة: ملف إنساني.
الضفة: ملف أمني.
القدس: ملف سياسي.
أما فلسطين نفسها؟
نضعها في ملف رابع، ونتركه في آخر الدرج، إلى أن تنتهي الظروف الاستثنائية التي يبدو أنها قررت أن تصبح دائمة!
هذه ليست نكتة سياسية.
هذه هي النكتة السوداء التي يجب أن نخاف منها.
غزة تُختصر في سؤال: كم شاحنة دخلت؟ وكم طنًا من المساعدات وصل؟ ومن يدفع فاتورة الإعمار؟
والضفة تُختصر في سؤال: كم حاجزًا؟ كم مداهمة؟ كم مستوطنة؟ وكم قرارًا جديدًا على الأرض؟
والقدس تظهر غالبًا في نهاية البيانات، في فقرة تبدأ بـ«نؤكد»، وتنتهي بـ«نستنكر»، ثم نعود إلى جدول أعمالنا وكأن القدس أخذت نصيبها من الاهتمام.
وهكذا، بهدوء شديد، تتحول القضية الفلسطينية من قضية شعب يريد الحرية والاستقلال إلى مشروع ضخم لإدارة الأزمات.
غزة تحتاج إلى إعمار، بالتأكيد.
لكن غزة ليست ورشة إعمار.
والضفة تحتاج إلى حماية، بالتأكيد.
لكن الضفة ليست ملفًا أمنيًا مفتوحًا إلى الأبد.
والقدس تحتاج إلى موقف سياسي، بالتأكيد.
لكن القدس ليست صورة جميلة نضعها على رأس البيان كي لا يتهمنا أحد بأننا نسيناها.
المشكلة تبدأ عندما يصبح إدارة الأزمة بديلًا عن حل القضية.
وهنا نحن جميعًا شركاء في المشكلة إذا لم ننتبه.
العالم لديه مؤتمرات لإعمار غزة.
ولجان للضفة.
واجتماعات للقدس.
ونحن، كالعادة، لدينا لجنة.
ثم لجنة متابعة.
ثم لجنة تنسيق.
ثم لجنة لمتابعة لجنة التنسيق.
وبعد ذلك نحتاج إلى لجنة لتفسير لماذا لم تجتمع لجنة المتابعة!
المشكلة ليست في اللجان.
المشكلة عندما يصبح محضر الاجتماع أهم من المشروع الوطني، وعندما يصبح نجاحنا في تنظيم الأزمة أكبر من قدرتنا على إنهائها.
فلسطين لا تحتاج إلى مدير أزمات جديد.
تحتاج إلى مشروع سياسي يعيد جمع ما جرى تفكيكه.
وهنا تأتي اللحظة الفلسطينية الراهنة بكل ثقلها.
نحن أمام استحقاقات سياسية وانتخابية، وأمام حاجة ملحة لإعادة بناء المؤسسات وتجديد الحياة السياسية، لكن السؤال الذي يجب أن يسبق أسماء القوائم وترتيب المقاعد هو:
هل نريد انتخابات تعيد توزيع المقاعد، أم سياسة تعيد بناء البيت الفلسطيني؟
الكرسي مهم طبعًا.
خصوصًا إذا كان مريحًا.
لكن فلسطين أهم.
والانتخابات ليست مجرد سباق على عدد من المقاعد، ولا فرصة لتجديد الوجوه وتبديل المواقع ثم نعود بعد أربع سنوات إلى السؤال نفسه: ماذا فعلنا؟
الانتخابات يجب أن تكون وسيلة لإعادة الاعتبار للسياسة، لا وسيلة لإدارة الانقسام بصورة أكثر أناقة.
فإذا دخلنا الانتخابات بعقلية «غزة لها حساباتها، والضفة لها حساباتها، والقدس لها حساباتها»، نكون قد قبلنا، من حيث لا ندري، بالمنطق نفسه الذي يحاول تفكيك فلسطين على الأرض.
غزة ليست دولة مؤقتة.
والضفة ليست منطقة أمنية.
والقدس ليست ملحقًا تفاوضيًا.
والفلسطيني في غزة ليس «ملف غزة»، والفلسطيني في الخليل ليس «ملف الضفة»، والفلسطيني في القدس ليس «ملف القدس».
إنه فلسطيني.
وهذه ليست مسألة لغوية.
هذه هي القضية كلها.
نعم، نحن مختلفون.
في البرامج.
في الأدوات.
في التحالفات.
وفي تفسير الطريق إلى المستقبل.
وهذا طبيعي في السياسة.
بل ربما يكون صحيًا.
لكن هناك فرقًا كبيرًا بين أن نختلف على كيفية الوصول إلى فلسطين، وأن نختلف على فلسطين نفسها.
نريد منافسة سياسية، نعم.
لكن نريدها على البرامج، لا على تفكيك الوطن.
نريد انتخابات، نعم.
لكن نريدها لتوحيد السياسة لا لتثبيت الجغرافيا السياسية للانقسام.
نريد قوائم، نعم.
لكن لا نريد أن يصبح الوطن مجرد مقدمة طويلة لاسم القائمة.
لأن السؤال الحقيقي اليوم ليس: من سيفوز بالمقعد؟
السؤال: أي فلسطين نريد أن نضعها على الطاولة بعد أن تنتهي الانتخابات؟
فإذا كانت الإجابة هي فلسطين واحدة، فليكن ذلك واضحًا في السياسة قبل الشعارات.
وإذا كانت غزة تحتاج إلى الإعمار، فلنُعمرها وهي جزء من فلسطين.
وإذا كانت الضفة تحتاج إلى الحماية، فلنحمها باعتبارها أرض الدولة الفلسطينية.
وإذا كانت القدس تحتاج إلى تثبيت، فلنثبتها باعتبارها قلب القضية، لا هامشها.
لا نريد فلسطين ملفًا للإغاثة.
ولا ملفًا للأمن.
ولا ملفًا للتفاوض.
نريدها وطنًا.
والوطن، يا سادة، لا يُدار من ثلاث غرف منفصلة.
لأن أخطر لحظة ليست عندما يحاول الآخرون أن يقولوا لنا إن فلسطين ثلاثة أجزاء.
أخطر لحظة هي عندما نبدأ نحن بشرح ذلك لبعضنا البعض.
وحين يصبح لكل جزء من فلسطين ملف، ولكل ملف لجنة، ولكل لجنة ناطق، ولكل ناطق بيان…
فلا تستغربوا أن يأتي يوم نبحث فيه عن فلسطين… بين الملفات.
- – م. غسان جابر – قيادي في حركة المبادرة الوطنية الفلسطينية – الخليل
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.