7:10 مساءً / 19 سبتمبر، 2026
آخر الاخبار

سماء فلسطين ونسمة الحياة ، بقلم : المهندس منير سعد

سماء فلسطين ونسمة الحياة ، بقلم : المهندس منير سعد


ارتبط الهواء منذ البدايات بمعنى الحياة. ففي قصة الخلق، يصوّر النص الكتابي لحظة ميلاد الإنسان حين جبل الخالق التراب ونفخ في أنفه «نَسْمَةَ حَيَاةٍ» (تكوين 2: 7). ويأتي صدى هذه الصورة في كلمات أيوب: «رُوحُ اللَّهِ صَنَعَتْنِي، وَنَسْمَةُ الْقَدِيرِ أَحْيَتْنِي» (أيوب 33: 4).


فالإنسان يبدأ حياته بنَفَس، ويواصلها بأنفاس متتابعة لا يتوقف عنها إلا بتوقف الحياة نفسها. وربما لهذا يبدو الهواء شيئاً عادياً إلى درجة أننا لا نشعر بقيمته.
وفي الكتاب المقدس يقول السيد المسيح له المجد: «الرِّيحُ تَهُبُّ حَيْثُ تَشَاءُ، وَتَسْمَعُ صَوْتَهَا، لَكِنَّكَ لَا تَعْلَمُ مِنْ أَيْنَ تَأْتِي وَلَا إِلَى أَيْنَ تَذْهَبُ» (يوحنا 3: 8). فالهواء الذي لا نراه يحمل في اللغة الكتابية معنى يتجاوز المادة إلى الحياة والحركة والتجدد. ومن هنا يمكن أن نفهم العناية بالهواء باعتبارها أكثر من قضية بيئية؛ إنها أيضاً مسؤولية تجاه الحياة نفسها.


وربما من أكثر ما يجعل الهواء مختلفاً عن كثير من النعم أننا لا نملك أن نؤجل حاجتنا إليه. نستطيع أن نؤجل شرب الماء، أو أن نضع الطعام جانباً، لكننا لا نستطيع أن نقول لأنفسنا: سأتنفس لاحقاً. فالهواء حاضر معنا في كل لحظة، ولهذا فإن حمايته ليست ترفاً من ترف الحياة الحديثة، بل هي جزء من شروط استمرارها.


ومن هنا تصبح المسؤولية أكثر قرباً من حياتنا اليومية. فقد لا نفكر كثيراً في الهواء ونحن نقود السيارة، أو ننتظر في شارع مزدحم، أو نرى دخاناً يتصاعد من مكان قريب. لكن كل هذه المشاهد الصغيرة تتصل بشيء واحد: الهواء الذي نتشارك فيه جميعاً. وما يبدو فعلاً فردياً في لحظته قد يصبح جزءاً من مشكلة أوسع عندما يتكرر على مستوى مدينة أو مجتمع كامل.


علمياً، لا يعني تلوث الهواء أن السماء يجب أن تكون مغطاة بالدخان حتى نشعر بوجود المشكلة. فكثير من الملوثات لا تُرى بالعين المجردة، وقد يكون الهواء ملوثاً حتى عندما تبدو السماء صافية.


ومن الملوثات التي تستحق الانتباه الجسيمات الدقيقة PM2.5، وهي جسيمات صغيرة جداً يمكن أن تتغلغل عميقاً في الجهاز التنفسي، ويرتبط ارتفاع مستوياتها بمخاطر صحية متعددة. وتوصي منظمة الصحة العالمية بألا يتجاوز متوسطها السنوي 5 ميكروغرامات في المتر المكعب. وتشير بيانات IQAir إلى أن متوسط تركيزها في فلسطين بلغ نحو 17.4 ميكروغراماً في المتر المكعب عام 2025، أي نحو 3.5 أضعاف القيمة الإرشادية لمنظمة الصحة العالمية. وبسبب محدودية شبكة الرصد، ينبغي النظر إلى هذا الرقم بوصفه مؤشراً عاماً، لا بديلاً عن شبكة وطنية شاملة للقياس.


وهنا تكمن إحدى مشكلات تلوث الهواء: إنه خطر لا نراه دائماً. قد نرى الدخان أو الغبار، لكننا لا نستطيع بالعين المجردة أن نعرف دائماً ما الذي يدخل إلى رئتينا مع كل شهيق. والإنسان، في نهاية الأمر، لا يستطيع اختيار ألا يتنفس.


إذا انتقلنا من الصورة العلمية العامة إلى فلسطين، يصبح السؤال أكثر قرباً. توجد في فلسطين مصادر متعددة يمكن أن تؤثر في جودة الهواء، من بينها حركة المرور، والغبار، وبعض الأنشطة الصناعية والعمرانية، والحرق المكشوف، وغيرها.


لكن تقدير حجم المشكلة بدقة يحتاج إلى بيانات محلية منتظمة، تغطي مناطق مختلفة وعلى فترات زمنية كافية. فالمتوسط العام قد يعطينا صورة عن الاتجاه، لكنه لا يخبرنا بالضرورة بما يتنفسه سكان مدينة معينة أو منطقة قريبة من طريق مزدحم أو نشاط صناعي. ولهذا تبرز أهمية وجود شبكة رصد موزعة جغرافياً، ونشر بياناتها بصورة واضحة، بما يساعد على معرفة أين تتركز الملوثات، ومتى ترتفع مستوياتها، وما المصادر الأكثر تأثيراً، وما الإجراءات التي يمكن أن تحقق نتائج أفضل.


وتواجه فلسطين تحديات اقتصادية وسياسية ومكانية تجعل إدارة البيئة أكثر تعقيداً، لكن ذلك لا يعني غياب القدرة على الفعل. يمكن تحسين النقل العام، وتقليل الازدحام، وتشجيع صيانة المركبات وفحص انبعاثاتها، ورفع كفاءة استخدام الطاقة، والتوسع في الطاقة الشمسية، وتشديد الرقابة على الانبعاثات الصناعية، والحد من الحرق المكشوف للنفايات، وتحسين إدارة النفايات، وإدخال جودة الهواء في التخطيط العمراني.


ويبقى التشجير مهماً، لكنه ليس بديلاً عن معالجة مصادر التلوث. فالأشجار تساعد البيئة وتحسن المشهد الحضري، لكن المعالجة الأساسية تبدأ من خفض الانبعاثات عند مصدرها.


لفلسطين سماء يعرفها أهلها جيداً؛ سماء فوق الجبال والسهول والوديان، وفوق أشجار الزيتون والقرى والمدن. وربما لهذا تبدو عبارة المزمور: «السَّمَاوَاتُ تُحَدِّثُ بِمَجْدِ اللهِ» (مزمور 19: 1)، قريبة من وجدان المكان.


وحين تكون السماء صافية، نرى الجبل أبعد، والشجرة أوضح، والأفق أوسع. وحين يغلب الدخان والغبار المشهد، نخسر شيئاً من الصحة ووضوح المكان.
فالهواء مورد مشترك، وما يخرج من عادم مركبة أو مصدر صناعي لا يتوقف بالضرورة عند حدود المكان الذي انطلق منه. لذلك فإن حمايته مسؤولية مشتركة بين المؤسسات والبلديات والجهات الرسمية والأفراد.


وقد تبدأ هذه المسؤولية بمحطة قياس إضافية، أو صيانة مركبة، أو مصنع يلتزم بمعايير الانبعاثات، أو بلدية تمنع الحرق المكشوف، أو مواطن يدرك أن ما يخرج من مركبته يدخل في الهواء الذي يتنفسه الآخرون.


وفي النهاية، تعود بنا الحكاية إلى حيث بدأت: إلى «نَسْمَةَ حَيَاةٍ». ذلك النفس الذي تصفه قصة الخلق لا يزال يحمل معنى عميقاً كلما أخذ الإنسان شهيقه الأول في الصباح، وكلما شعر بنسمة تمر على وجهه دون أن يسأل من أين جاءت. العلم يخبرنا كيف يتلوث الهواء، وما الذي يمكن أن يفعله التلوث بجسد الإنسان، أما الإيمان فيذكّرنا لماذا ينبغي أن نهتم. فالشكر على الحياة لا يكون بالكلمات وحدها، بل أحياناً يكون في أن نحافظ على الماء، ونصون الشجرة، ونقلل ما نلقيه في الهواء، ونترك المكان من حولنا أصلح مما وجدناه.


وفي فلسطين، حيث تعانق الجبال السماء، وتنتشر أشجار الزيتون على السفوح، وحيث كان الإنسان وما زال يعيش قريباً من الأرض، تصبح حماية الهواء جزءاً من حماية المكان نفسه، ومن الوفاء لنسمة الحياة التي أُعطيت لنا.

  • – المهندس منير سعد – بيرزيت

شاهد أيضاً

أسعار الذهب اليوم

أسعار الذهب اليوم

شفا – جاءت أسعار الذهب اليوم السبت 19 سبتمبر كالتالي :عيار 22 91.500 دينارعيار 21 …