
لهذا السبب أزلت لحيتي؟ بقلم : الفيلسوف والمفكر الإسلامي والأديب الفلسطيني د. محمد نبيل كبها
كريم.. أرسله الله تعالى هدية لي بعد عشرة سنوات من الانتظار، فارضاً حضوره النوعي في ميداني، فكان على مسافة واحدة مني، ومني كان على مسافة واحدة منه.
هذا الصغير الذي أشعل الاشتباكات الفصائلية، والحروب الطائفية، والاختلافات الشرائعية، وهو بريء من كل هذه التفسّخات؟!
بأعينه البريئة حركني كما تحرك الآلة بالريموت عن بعد، فصنعت ما صنعت، وعندما انزلقت، كان هذا الصغير قد لخبط المعايير الثقافية، فأربك عقل الملحد، أسقط ورقة المسيحي، كسر قلم المسلم، وهدم لبنة الشيوعي، ثم حضن الألوان كلها، ورفع راية الوحدة والرحمة والإنسانية غير عابئٍ بموتي!!
وكرسالة مائلة على جسدي، وماثلة على جسد الكوكب، رفع صوته عاليا في زمن لا يسمع فيه إلا الهمهمات، قائلاً: “لقد فعل أبي ذلك من أجلي”.
قبل بضعة أيام..
وجّه لي فيضان من الاستفسارات من القريب والبعيد بشأن إزالتي لشعر لحيتي قبل بضعت أيام، وكوني محاط بجسور من التنوع الفكري والأكاديمي، والتلون الثقافي والأدبي، والاختلاف الطائفي والديني، والتنازع السياسي والفصائلي، فقد وجّهت لي أصابع الاتهام عندما أزلت لحيتي!!
في الفضاء المحيط بنا، الذي يتنازعه الاختلاف الثقافي، لا تعود اللحية مجرد غلاف بيولوجي، بل تتحول إلى نظام دال (Signifier) يحمله كل طرف على علة مدلول يناسب خريطته الذهنية.
فعلى الصعيد الديني قال لي أحد رجال الدين أثناء خروجي من المسجد: “لقد كنت أجمل باللحية يا أستاذ محمد، لماذا أزلتها؟”، وعندما زارني رجال الدعوة في منزلي، قال لي أميرهم: “يا شيخ محمد.. اللحية سنة مؤكدة، هل تراجعت عن التزامك؟”.
وعلى الصعيد الطائفي، بعث لي أحد المعارف من الشيعة الذي قفز بذهول الى لحيتي المخلوعة: “شيخ محمد… إن نفراً من الناس يتحدثون أنّك تشيّع، وأنت تعلم حرمة حلق اللحية على الأحوط، هل بدأت تتنصل من هويتك وبيئتك؟”.
من الزاوية المسيحية، وأثناء ما كنت متجها نحو العمل، صادفت احدى الزملاء المسيحيين، وعندما رآني قد أزلت لحيتي أخذ يتأمل وجنتي، ثم ابتسم في وجهي ابتسامة هادئة، وسألني وأعينه مصوبة نحو خدّاي: “قرأت العهد الجديد اللي أعطيتك اياه الشهر الماضي؟، فقلت له: أجل، ثم سألني بتردد: شكلك غيرت من حالك وحلقت اللحية!، فأجبته: صحيح، فقال لي على سبيل المُزاح: هيك أحلى.. ويالله، بلكي جِبناك لعِنّا وصرت مسيحي”. وتمتم في سره بعض الصلوات، ثم طبع قبلة على خدي ورحل.
على المستوى الأكاديمي، قال لي أحد المحاضرين الأعزاء عندما دخلت مكتبه: (شو هالتغيير المفاجئ!! بتعرف هيك أحلى بمليون مرّة! يا زلمة.. إنت كنت دافن حالك بهاللحية، شوف وجهك كيف بيّن.. بس شو سر هالتغيير؟! شكلها الداخليّة -زوجتك- ما عجبها؟!) وأخذ يضحك ملئ شدقيه، ثم ربت على كتفي وقال: “عمرو ما كان الدين باللحية، الدين بالقلب مش بالشكل يا مفكرنا وفيلسوفنا”.
أما على الصعيد السياسي، أوقفني احدى المسؤولين وانتحى بي جانباً، وكانت أعينه مصوّبة نحو ذقني، ثم قال لي: “أحب أن أطالع فيديوهاتك ودروسك التي تملأ العقل بأثقال العلم، وكم أنا سعيد بك، ولكن بعيداً عن كل هذا.. صدر مدينتنا يغلي، ويريد اجابة واضحة منك تشفي غليله، خصوصاً بعد إزالتك للحيتك؟!”.
وفي نطاق الثقافة الشعبوية، كنت أركب الحافلة في طريقي الى المنزل، كان على يميني شاب يافع لم يتجاوز الثلاثين ربيعاً، يجلس مُباعدا بين رجليه، وكان يصوّب نظره نحوي بين الفينة والفينة، ظل صامتا للحظات، ثم هز بكتفه كتف صديقه الذي يجلس مُلاصقاً له من الجهة الأخرى، وانحنى بكتفه نحو صديقه، ثم همس في أذنه: “مش هادا الشيخ اللي خطب فينا الجمعة المرة اللي فاتت بالجامع؟”، مدّ صديقه برقبته نحوي ليسرق نظرة، ثم عاد بجذعه وهمس لصديقه السائل: “مش عارف.. بس شكلو هوّة!”، فردّ الأخير عليه: “يا زلمة هوّة.. بس حالق لحيتو.. أبصر ليش حلقها؟ شكلو تزعزعت عندو بعض القناعات”، ثم أخذا يتبادلان خبث السريرة.
أما من الناحية الفكرية، فقد طلبت لقائي احدى الزميلات -وهي لادينية الإعتقاد- ولكنها تَكن لي احتراماً واسعاً، فدعتني لاحتساء كوب من القهوة بصحبتها، فلبيتها، لأني أبادلها هذا الاحترام، رغم المسافات الفلكية في الرأي والتفكير بيني وبينها.
أثناء ارتشافي للقهوة لمزتني بعينها وقالت لي: “آن الأوان يا محمد أن تلغي كلمة -مفكر إسلامي- وأن تقتصر فقط على كلمة -مفكر- دون إسلامي”.
ومن المنظور الثقافي، أخذ معظم معارفي من شتى المجالات يمتشقون وجهي، ويبحثون عن لحيتي، رأيت ذلك في تلافيف رؤوسهم نحوي وهم يفتشون كالمحمومين عنها، ولا ألومهم، فقد اعتاد الجميع على رؤيتي بلحية بحجم قبضة اليد.
كانت عيون المجتمع تواظب التحديق في لحيتي المخلوعة، تقرأ فيها انتماءً مسبقاً أو تمردًا على خط أيديولوجي معين، بعضهم كان يجد فيها وقاراً أصيلاً، أو ربما نمطية بحاجة للتفكيك. والآخر يستنكر إزالتي لها، ويعتبر هذا جُرماً لا يغتفر. لكن كان جميع محيطي في محاولة للقفز داخل رأسي لمعرفة السبب الحقيقي لإزالتي للحيتي؟
أثناء عودتي إلى المنزل، سألت عن صغيري “كريم”، فناولتني اياه زوجتي، فحملته بين ذراعي، وجعلت أنظر في وجهه، وأقول له:
((أفكر يا حبيبي “كريم” في ذقني وبضع شعرات، فجرت فيضاً من الاستفسارات، وكشفت لي عورات المجتمعات؛ اِعتبرت صكّ ولاء لبعض الايدلوجيات، وانهارت من جهة أخرى أمامها الثقافات.
تحولت الى جبهة حرب جديدة في حياتي، يسعى جنودها بكل حيلة ووسيلة الى انتزاع ولو كلمة واحدة مني تؤكد هويتي، أو تسقطني في شرك الاعتراف.
قيل عني كل المتناقضات؛ قيل عني شيعي، وسُنِّي، ومتستَّر بالتصوف، ومثقف متلون.. وصاحب دعوة سياسية، وفتح، وحماس، وجبهة، ومفكر وفيلسوف يتفنن..
يطرحونني على بعضهم البعض، فرقة ترميني على الأخرى، وطائفة تعلن انزياحها عني، حزب يتبناني، واتجاه يتنصل مني.. قيل عني كل الخرافات والأساطير يا بني.
لكن في الحقيقة.. كان كل ذنبي عندما أزلت لحيتي هو كي أقبّلك..))
أيها العالم العابر.. لقد كان كل ذنبي عندما أزلت لحيتي، هو كي أقبل ابني ومولودي الصغير “كريم”، لأنني كلما كنت أطبع قبلة على وجنتيه، كان يتحسّس من شعر لحيتي الذي كان ينغرس في وجنتيه كالدبابيس، فتظهر الحبوب وتنتشر على وجهه، وأحيانا كان يبكي من شدة الألم.. لذلك أزلت شعر لحيتي!!
أعتذر للجميع على إزالة شعر لحيتي..
الفيلسوف والمفكر الإسلامي والأديب الفلسطيني د. محمد نبيل كبها
رئيس جمعية صالون وتد الثقافي، ورئيس رابطة المفكرين والمثقفين (IATI)، وعضو الإتحاد العام لكتاب وادباء فلسطين، والعرب، ومنتدى الكتاب العربي، والإتحاد الدولي للمثقفين العرب، والإتحاد الدولي لجامعات العلوم والبحوث والثقافة، وممثل دولة فلسطين لمجلة نور العربية الثقافية
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.