
الشاي لأصحاب البصيرة والقهوة لمن ضلّ الطريق ، بقلم : غدير حميدان الزبون
توقف القلم بين أصابعه، والتفت نحوي بجسده المنهك وعينيه المتسعتين من أثر فنجان القهوة الثالث.
كان يقلّب ورقة كتب عليها بخط مضطرب خططاً لإنقاذ غده متسائلاً بنبرة يكسوها الذعر:
ـ ألا تلاحظين أنّ الوقت يهرب؟
يجب أنْ أستيقظ، وأسبق الجميع، وحدها القهوة تمنحني السيطرة.
إنّ ضربات قلبي المتسارعة هي شغفٌ بالحياة!
ابتسمتُ ببطء، وأنا أضع كأس الشاي الدافئة بين كفيّ تاركة بخارها العقيقي يتصاعد هادئاً بيننا.
نظرتُ إلى يده المرتجفة وقلت:
ـ أنت لا تسبق أحداً يا صديقي…القهوة توهمك بالسيطرة لتشاهد كابوسك بدقة أطول وبأبعاده الثلاثيّة.
أنت تطفئ حريق الأرق بسكب الوقود على رأسك.
أنت في الحقيقة مجرد كائن مرتعد الفرائص، تحركك ثلاث ملاعق من البودرة المرة لتجري في ساقية اللانهائية.
كيف لك أنْ تعيد حساباتك الخاسرة وتفكر في أخطاء ارتكبتها عام 2012.
تسمّر في مكانه، ونظر إلى الفنجان الأسود بين يديه وكأنه يكتشف عبثه لأول مرة، ثم سأل بذهول:
ـ وماذا تفعلين أنت في هذا الليل إذن؟
ارتشفتُ قطرةً من الشاي، وركبتُ موجة السكون وراء النافذة، ثم أجبته بنبرة خفيضة:
ـ أمارس البصيرة… ألا تعرف بأنّ العالم انتهى منذ الغروب، وأنت لن تنقذه الليلة.
الشاي يخبرك بهذه الحقيقة الحافية، ويمنحك شرف الضحك على السباق قبل أنْ تنام ببطء، فهو لا يعدك بالمعجزات، ولا يدعي أنه سيجعلك مديراً تنفيذياً بحلول الصباح.
إنه فقط يخبرك بالحقيقة الحافية بأنّ اليوم انتهى، وأنت لم تنقذ العالم، وهذا أمر رائع جداً.
أمّا أنت أيها القارىء إذا انتصف ليلك وبدأ قلقك الفردي إما أن تختار البصيرة، أو أن تصرّ على السير في ضلالك القهوجي الجميل مثلي.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.