2:20 مساءً / 14 سبتمبر، 2026
آخر الاخبار

من النفط إلى رأس المال: كيف تتعمق الشراكة الاقتصادية بين السعودية والصين؟ بقلم : تيان جيانينغ

من النفط إلى رأس المال: كيف تتعمق الشراكة الاقتصادية بين السعودية والصين؟ بقلم : تيان جيانينغ


لطالما شكّل التعاون في مجال الطاقة الركيزة الأبرز للعلاقات الاقتصادية والتجارية بين السعودية والصين. لكن مع تعمق المواءمة الاستراتيجية بين البلدين، والتكامل المتزايد بين رؤية السعودية 2030 ومبادرة الحزام والطريق الصينية، تشهد هذه الشراكة تحولا مهما في طبيعتها. فقد بعث انعقاد ملتقى الأسواق المالية “سيليكت” – شانغهاي 2026م برسالة واضحة: فالتعاون السعودي الصيني يتجاوز التجارة التقليدية في السلع والمشروعات الصناعية، ليمتد بصورة متزايدة إلى الترابط المتبادل بين أسواق رأس المال وتعزيز الارتباط بين رأس المال والاقتصاد الحقيقي، بما يرسي أساسا ماليا أكثر متانة للتعاون طويل الأمد وتحقيق المنفعة المتبادلة.

وقد أسهم الانفتاح المتواصل لسوق رأس المال السعودية وتطوير أطرها التنظيمية في فتح قنوات أساسية أمام حركة رأس المال بين البلدين. وفي إطار جهودها لتنويع الاقتصاد وتنشيط السوق المالية، واصلت السعودية تنفيذ إصلاحات في سوق رأس المال، إذ وسعت هذا العام نطاق السوق الرئيسية أمام المستثمرين الأجانب، وألغت شرط التأهل ضمن فئة المستثمرين الأجانب، بما يوفر قناة أكثر سهولة أمام المستثمرين الدوليين للمشاركة المباشرة في السوق. وفي الوقت نفسه، أطلقت السوق المالية السعودية حزمة من الإجراءات الداعمة لتطوير سوق المشتقات، شملت الإعفاء من رسوم تداول العقود الآجلة، وخفض رسوم المقاصة، وتحسين آليات صناعة السوق والضمانات، بما يعزز السيولة ويرفع جاذبية السوق الاستثمارية بصورة مستمرة.

وتضم السوقان الرئيسيتان للأوراق المالية في السعودية حاليا أكثر من 390 شركة مدرجة، فيما تبلغ القيمة السوقية الإجمالية نحو 2.52 تريليون دولار، وتشمل مجموعة متنوعة من المنتجات، من الأسهم والصكوك إلى صناديق المؤشرات المتداولة. ويجري بذلك تشكيل منظومة أكثر انفتاحا وتنوعا لسوق رأس المال، بما يوفر منصة واسعة لتعميق التعاون الاستثماري والمالي بين السعودية والصين.

كما انتقل التعاون بين سوقي رأس المال في البلدين تدريجيا من الاتفاقات الإطارية إلى تطبيق منتجات مالية ملموسة، مع اتساع قنوات الاستثمار المتبادل. فمنذ توقيع بورصة شانغهاي للأوراق المالية والسوق المالية السعودية مذكرة تفاهم في عام 2023 وإرسائهما آلية للتعاون المنتظم، تواصلت وتيرة التبادل المالي بين البلدين في التصاعد. وفي عام 2024، أُطلقت في بورصة شانغهاي أولى صناديق المؤشرات المتداولة المحلية التي تستثمر في السوق السعودية، ما أتاح للمستثمرين الصينيين قناة أكثر سهولة لتنويع محافظهم من خلال الأصول السعودية.

وبحلول أغسطس 2026، تجاوز حجم صناديق المؤشرات المتداولة العابرة للحدود في بورصة شانغهاي 500 مليار يوان، مع امتداد نطاق استثماراتها إلى عدد من الأسواق المتقدمة والناشئة، من بينها السوق السعودية، بما يتيح للمستثمرين الصينيين الوصول بصورة أكثر سهولة إلى الأصول السعودية. وتشير البيانات إلى أن أكثر من 400 مستثمر صيني يشاركون في السوق المالية السعودية، بإجمالي حيازات يتجاوز 4.8 مليار دولار، في مؤشر على تنامي نشاط تدفقات رأس المال بين البلدين.

وتكمن القيمة الأساسية للترابط بين أسواق رأس المال في قدرته على دعم التكامل العميق بين رأس المال والاقتصاد الحقيقي، بما يساعد على تشكيل حلقة حميدة قوامها “رأس المال يدعم الصناعة، والصناعة تعزز قيمة رأس المال”.

وتقدم شركة أكوا باور السعودية مثالا بارزا على ذلك. فقد وضعت الشركة هدفا يتمثل في استثمار نحو 30 مليار دولار في الصين بحلول عام 2030، مع التركيز على مجالات واعدة مثل تخزين الطاقة، والتخزين بالضخ، والهيدروجين الأخضر، وإمدادات الطاقة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي وغيرها من القطاعات المستقبلية. واستنادا إلى سلسلة الإمداد المتكاملة التي تتمتع بها الصين في قطاع الطاقة المتجددة، واستقرار بيئة السياسات، والنمو المستمر في السوق، عززت أكوا باور ارتباطها بالشركات الصينية. فمن بين مشاريعها العالمية البالغ عددها 111 مشروعا، يشارك في نحو نصفها شركات صينية، فيما تجاوزت قيمة المشاريع التي تستخدم خدمات المقاولات العامة أو المعدات الأساسية من الشركات الصينية 50 مليار دولار منذ عام 2008، وهو ما يعكس الإمكانات الكبيرة للتكامل بين رأس المال والصناعة في التعاون السعودي الصيني.

وفي المرحلة الراهنة، يتجه التعاون بين أسواق رأس المال السعودية والصينية نحو مزيد من التفعيل والتطوير على مستوى الآليات والمنتجات. وترى مؤسسات متخصصة في القطاع أن التعاون ينتقل تدريجيا من مرحلة “بحث الجدوى” إلى مرحلة استكشاف الآليات العملية، مع تعميق التعاون في مجالات تشمل شهادات الإيداع، والإدراج المزدوج، والاكتتابات العامة الأولية العابرة للحدود، والمقاصة والتسوية، والإفصاح عن المعلومات.

ومع دخول الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين السعودية والصين عامها العاشر، أصبحت أسواق رأس المال إحدى القنوات المهمة الجديدة التي تربط بين اقتصادي البلدين. فمقارنة بالتجارة التقليدية والتعاون في المشروعات، يتيح الترابط بين أسواق رأس المال قنوات أكثر تنوعا واستدامة للتمويل وتخصيص الأصول، بما يعزز ديناميكيات التحول الصناعي والابتكار التكنولوجي وتنويع الاقتصاد في كلا البلدين.


ومع استمرار تطوير التنسيق التنظيمي، وتوسّع منظومة المنتجات المالية، واتساع قنوات الاستثمار، يمكن أن يصبح “طريق الحرير المالي الجديد” بين السعودية والصين أكثر عمقا وفاعلية، بما يضيف زخما جديدا للنمو الاقتصادي والتحول الصناعي والانفتاح المالي في البلدين.

شاهد أيضاً

محافظ جنين يترأس الاجتماع الأمني الدوري ويؤكد أهمية تعزيز النظام والحفاظ على السلم الأهلي

محافظ جنين يترأس الاجتماع الأمني الدوري ويؤكد أهمية تعزيز النظام والحفاظ على السلم الأهلي

شفا – ترأس محافظ جنين أ. كمال أبو الرب، اليوم الاثنين، في مكتبه، الاجتماع الأمني …