10:47 صباحًا / 14 سبتمبر، 2026
آخر الاخبار

يأتي أيلول فتتحول أحزاننا إلى غيمة ، بقلم : غدير حميدان الزبون

يأتي أيلول فتتحول أحزاننا إلى غيمة ، بقلم : غدير حميدان الزبون

أمسكتُ قلمي هذا المساء وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة مؤرّخا للثالث عشر من أيلول، وعلى سيرة أيلول كتبت: يأتي أيلول فتتحوّل أحزاننا إلى غيمة…وسرعان ما انفتح في الذاكرة بابٌ قديم، بابٌ كنتُ أظنّ أنّ السنوات أغلقتْه إلى الأبد.
خرجتُ منه طفلةً تركض حافيةً في ممرات البيت، يطاردها ضحكُ الصباح، وتتعلّق في ضفائرها رائحةُ الخبز الساخن، وعلى كفّيها غبارُ الحكايات التي كبرت معها.
كان أيلول في طفولتي موعدًا سريًا مع الفراشات لكنني لم أكن أعرف وأنا أركض خلف فراشةٍ في باحة الطفولة أنّ بعض الفراشات لا تُمسك، وأنّ بعض الذين يلوّحون لنا عند عتبة العمر لا يعودون، لذلك كلما جاء أيلول سمعتُ وقعَ طفلةٍ قديمة تركض في داخلي باحثة عن الفراشات والضحكات.
كبرت ولا زال أيلول يعرف طريقه إلى قلبي، فأنتظره كلّ عام ليأتي دون أنْ يستأذن، فيفتح نوافذ الذاكرة واحدةً واحدة، وينثر على عتبات البيوت رائحة التين الناضج، ويترك في الهواء شيئًا من برودة لا تكفي لإطفاء حرارة الصيف، لكنها تكفي لإيقاظ ما نام طويلًا في تجاويف الروح.
وفي كلّ مرة يأتي فيها أيلول كانت أمي تقول: سيأتي المطر هذه المرة.
كنت أبتسم، ولا أجيب، فأنا أعرف أنّ أمي لم تكن تتحدث عن المطر.
في ذلك الأيلول البعيد كنت طفلة لا أعرف من الفقد إلا اسمه، وكانت عمتي المريم تقف عند الباب حاملة حقيبة بنية صغيرة، تشدّ أزرار ثوبها بشموخ، ولا زالت حريصة على وضع أحمر الشفاه رغم أنينها، بينما كانت أمي تراقبها بصمت يشبه صمت القدس المثقلة بأحاديث المساء.
قلت لها: إلى أين؟
انحنت حتى صار وجهها بمحاذاة وجهي، ومسحت على رأسي وقالت: إلى مكان قريب.
ومتى تعودين؟
ترددت قليلًا، ثم ابتسمت، وكانت تلك الابتسامة أول كذبة جميلة تعلمتها من الحياة: عندما ينتهي أيلول.
ركضت خلفها حتى آخر الزقاق ولا زلت أرمقها بعيني، فكانت تمشي بتثاقل على غير هداية، وأنا أعدّ خطواتها: واحد…اثنان…ثلاثة…ثم اختفت عند المنعطف.
لم أكن آنذاك بالحدس الذي يجعلني أعرف أنّ بعض المنعطفات لا تعيد إلينا الذين يذهبون منها.
مرت السنوات…كبرتُ…وكبر الغياب معي.
تزوّجت ذاكرتي من الحنين، وأنجبت عشرات الأسئلة.
يا تُرى أين ذهبت عمّتي؟ ولماذا لم تعد؟
وهل كانت تعرف أنها لن تعود؟
وهل يستطيع الإنسان أنْ يشعر في اللحظة التي يغادر فيها بأنّ الطريق الذي أمامه سيصير أطول من العمر؟
كنت أطرح الأسئلة على أمي، فتشيح بوجهها نحو النافذة.
وكانت النافذة تعرف أكثر منا جميعًا.
في أحد الأيام، قلت لها: أمي، لماذا قلتِ دائمًا إنها ستعود؟
أجابت: لأنّ الأطفال يحتاجون إلى وعد كي لا يخافوا من الليل.
ثم سكتت، فرأيت في صمتها عمّتي للمرة الأولى كما رأتها هي: شابّة جميلة لكنّها تحمل خوفها في صدرها، وتمشي بهدوء كي لا توقظ خوفنا.
كبرتُ أكثر، وصرت أعمل في المدرسة التي كانت أمي تحدّثني عنها وأنا صغيرة.
وفي صباح أيلولي آخر بينما كنت أكتب التاريخ على السبورة، سألتني إحدى الطالبات: معلمتي، لماذا تحبون أيلول؟
توقفت يدي، وحدقت في الكلمة المكتوبة أمامي عشرات المرات: أيلول… وفجأة صارت الكلمة بابًا.
فتحت الباب بكامل وعيي، فخرجت منه طفلة صغيرة تركض في زقاق قديم، وراء امرأة تحمل حقيبة بنية.
خرجت عمتي مريم، وخرجت جدتي الفاطمة، وخرج عمي الخليل، وخرجت أمي الفاطمة، وخرج البيت، فخرجت رائحة الخبز، وخرج صوت مذياع قديم يعلن أخبارًا بعيدة، ثمّ خرجت أغنية كانت أمي ترددها وهي تخبز.
خرج كل شيء ظننت أنّ الزمن دفنه.
هل كان الماضي ينتظر أيلول كي يعود؟
في تلك الليلة عدت إلى بيت أمي، فوجدتها جالسة قرب النافذة تفرز حبات التين.
قلت: أمي، هل تتذكرين آخر أيلول؟
ضحكت، وقالت: أي أيلول؟
قلت: أيلول الذي ذهبت فيه عمتي.
وضعت حبة التين في طبق صغير، وقالت: لا يا بنتي، عمّتك لم تذهب في أيلول.
لكنك قلتِ إنها ستعود عندما ينتهي أيلول.
رفعت عينيها إليّ، وكان في عينيها شيء لم أفهمه إلا بعد سنوات.
قالت: كنت أخشى أن أقول لك الحقيقة.
وأين الحقيقة؟
أشارت إلى صدرها: هنا، ثم أضافت: بعض الناس لا يعودون إلينا بأجسادهم يا بنتي، لكنهم يعودون بأشياء أخرى.
أشياء أخرى! مثل ماذا؟
ابتسمت وقالت: مثل المطر.
في تلك اللحظة أغلقت السماء بابها الأزرق فهطل المطر.
قفزت مثل أرنب وأنا أصرخ: يا إلهي أول مطر في أيلول.
وقفتُ أمام النافذة، فكانت السماء رمادية، والشارع يلمع، وأوراق الأشجار ترتجف تحت الماء.
وفجأة تذكرت أسطورة قديمة كانت جدتي تحكيها لنا بأنّ الآلهة عندما تعجز عن إعادة الموتى إلى الأرض ترسلهم غيومًا، كي يستطيعوا العودة دون أن يخيفوا أحدًا.
ضحكت يومها من الحكاية، أما الآن، فقد صدقتها رغم كفري بالأساطير، لأنّ القلب الذي يعجز عن احتمال الحقيقة يصنع لها جناحين.
قلت لأمي: ربما عمتي هناك.
سألتني باستغراب: أين؟
رفعتُ يدي نحو السماء وقلت: في الغيمة.
نظرت إليّ طويلًا، ثم قالت: ربما كانت تنتظر أيلول مثلك.
ومنذ ذلك اليوم صرت أرى الأشياء بطريقة مختلفة، فيخيّل لي أنّ كلّ إنسان يحمل في داخله أوديسة صغيرة لرحلة طويلة بين شواطئ الفقد ومرافئ العودة، وأننا مثل أولئك الأبطال الذين صنعتهم الملاحم نعود محملين بالندوب، نعم…لكننا نعود.
ولم تكن عمتي وحدها بطلة حكايتي… فأمي بطلة الملحمة السرية التي لم يكتبها أحد.
كانت امرأة صامدة أمام سنوات طويلة، ربّت أبناءها بيد، وأمسكت بغياب الأحباب باليد الأخرى.
في صباح اليوم التالي أخبرتني أمي أنها وجدت صندوق عمتي القديم.
كان الصندوق خشبيًا، مغبرًا، مختبئًا في أعلى الخزانة.
فتحناه، فوجدنا صورًا، ورسائل، وساعة متوقفة، ومنديلًا أبيض، وقلم شفاه أحمر.
وفي قاع الصندوق وجدت ورقة صغيرة…فتحتها…كان خط عمتي.
قرأت: إذا طال غيابي، فلا تجعلوا الحزن بيتكم.
توقفت، وارتجفت أصابعي.
تابعت: افتحوا النوافذ كلما جاء أيلول، واتركوا للسماء مكانًا.
لم أستطع أنْ أكمل.
بكيت، وبكت أمي، وللمرة الأولى كان أشبه بالمطر.
في تلك الليلة خرجت إلى فناء البيت، فكانت السماء مملوءة بالغيوم.
رفعت رأسي وقلت: عمتي، هل كنت تعرفين أنّ أيلول سيعيدك إلينا؟
لم يجبني أحد، لكنّ الريح مرت على وجهي، وشعرت بشيء يشبه يدًا تربت على كتفي.
تذكرت هوميروس، وتذكرت أوديسيوس، وتذكرت كلّ الذين عادوا من البحار بعد أنْ ظن الناس أنهم صاروا حكايات، تذكرت كل تلك الملاحم التي ينتصر فيها الإنسان على حزنه.
مرت أعوام أخرى، وصرت أنا أمًا.
وفي خامس أيلول بعد ولادة ابنتي الكبرى أخذتها إلى النافذة.
كانت صغيرة لا تعرف شيئًا عن الغياب، ولا عن عمتي التي صارت صورة، ولا عن أمّ كانت تنتظر، ولا عن طفلة كانت تركض وراء حقيبة بنية.
وضعت يدها الصغيرة في يدي.
قلت لها: انظري يا صغيرتي.
نَظَرت إلى السماء، فرأت غيمة بيضاء تعبر ببطء.
سألتني: ماذا يوجد في الغيمة؟
ابتسمتُ، ولم أخبرها أنّ فيها عمرًا كاملًا من الحنين.
قلت: ربما فيها شخص يحبنا.
ضحكَت، ثم مدّت يدها نحو السماء.
الآن فهمت ما كانت أمي تقصده، فالحزن لا يختفي…إنه يتغير.
كان بالأمس حجرًا في القلب، ثم ارتفع أخيرًا غيمة.

شاهد أيضاً

تعليق: ما الذي تجلبه "الخدمات الصينية" للعالم؟

تعليق: ما الذي تجلبه “الخدمات الصينية” للعالم؟

شفا – CGTN – في معرض الصين الدولي لتجارة الخدمات 2026 الذي أقيم من 9 …