
شفا – حوار مع صالح الصرفندي: حين تتحول القصيدة الخليلية إلى بندقية تقاوم النسيان – حوار عطا درغام
منذ النكبة، لم تكن القصيدة الفلسطينية مجرد ترفٍ جمالي أو مجازٍ لغوي، بل كانت على الدوام خط الدفاع الأول عن الذاكرة، والوثيقة التي تثبت أحقية أصحاب الأرض بأرضهم في وجه محاولات المحو والشتات. وفي هذا الفضاء الممتد بين وجع اللجوء وحتمية العودة، يبرز صوت الشاعر صالح الصرفندي، كأحد الحراس الأوفياء لهذه الذاكرة الحية.
ارتبط اسم الصرفندي بلقب “شاعر العودة”، ولم يكن اللقب مجرد تشريفٍ أدبي، بل هو انعكاس لرحلة عمرٍ وعقيدة شعرية لم تحد يوماً عن بوصلة الوطن. من حكايا الأجداد عن “يبنا” المحتلة، إلى تفاصيل الغربة ومحاورة مدن الصمود كـ “رفح”، ينحت الصرفندي حُرُوفه بجزالة البناء الخليلي، متمسكاً ببساطة الكلمة التي تصل إلى قلوب الناس وعامة الشعب دون تعقيد أو تغريب.
اليوم، وهو يقود منصة “مجلة العودة للإبداع الأدبي” كعميدٍ لها، ويطوع أدوات العصر الرقمي لخدمة القضية، نلتقي بالشاعر صالح الصرفندي في هذا الحوار الخاص. نفتح معه دفاتر الهوية والإنتاج، ونبحر في خلفيات ديوانه المركزي “أنا فلسطيني”، لنستشرف معه دور الكلمة والمقاومة الثقافية في زمن المتغيرات المتسارعة.
المحور الأول: الهوية والجذور (نشأة “شاعر العودة”)
كيف ساهمت نشأتك كلاجئ متمسك بجذوره في صياغة لقب “شاعر العودة” الذي ارتبط باسمك؟
صالح إبراهيم الصرفندي، لقبت بـ “شاعر العودة” وعميد مجلة العودة للإبداع الأدبي، أحد الأصوات الأدبية التي نذرت قلمها للدفاع عن الهوية الفلسطينية وترسيخ أدب المقاومة والعودة.
الجذور والانتساب الجغرافي
البلدة الأصلية: تنحدر جذور الشاعر من قرية صرفند الخراب (قضاء الرملة) في فلسطين المحتلة.يحمل الشاعر كنية “الصرفندي” كوثيقة هوياتية حية تعبر عن التمسك بالبلدة الأصلية التي هُجِّر منها أهلها قسراً إبان نكبة عام 1948.وينتمي إلى عائلة “إبراهيم” العريقة في صرفند، والتي تمتد جذورها التاريخية في المنطقة إلى مئات السنين .
ولدت بعد النكبة في مدينة رفح في قطاع غزة ، تلقيت تعليمي الابتدائي و الإعدادي في مدارس الأونروا. تم أكملت المرحلة الثانوية في المدرسة الوحيدة آنذاك الثانوية بئر السبع. ثم انتقلت إلى جمهورية مصر العربية لأكمل المرحلة الجامعية و حصلت على ليسانس لغة إنجليزية من جامعة عين شمس.
تصف “يبنا” بأنها محبوبتك في قصائدك؛ ما هي الذكريات الموروثة التي تشكل صورتها في خيالك الشعري اليوم؟
تُمثّل “يبنا” في خيالي الشعري قصيدةً أزلية صاغتها الروايات الشفوية والذاكرة الجمعية الموروثة، لتتحول من مجرد مسقط رأس للأجداد إلى رمز للمحبوبة الأبدية والجنة المفقودة. هذه الصورة الوجدانية تشكلت عبر تفاصيل دقيقة تناقلتها الأجيال:
إلى أي مدى أثرت تجربة “الغربة” في تحويل القصيدة عندك من مجرد نص أدبي إلى “وثيقة هوية”؟
تحولت الغربة في تجربتي من مجرد خلفية مكانية أو موضوع عابر إلى مختبر وجودي أعاد صياغة وظيفة القصيدة بالكامل، لتتحول من نص جمالي إلى وثيقة هوية حية…القصيدة كأرض بديلة حين يغيب المكان الفيزيائي، تصبح اللغة هي الجغرافيا الوحيدة المتاحة والمحمية.
في ديوانك “أنا فلسطيني”، كيف استطعت الموازنة بين ألم اللجوء والأمل المطلق في العودة؟
أربط ألم اللجوء بالتمسك بالهوية، حيث يتحول اللجوء من حالة ضعف إلى دافع للمقاومة.، استخدام تفاصيل البيت القديم، مفتاح العودة، وشجر الزيتون لكسر واقع اللجوء المرير وجعل العودة حتمية مرئية…لا أنظر إلى اللجوء كنهاية مطاف، بل كمرحلة مؤقتة أستمد منها الإصرار على الحق.
ما هو الدور الذي لعبته البيئة الثقافية الفلسطينية في توجيه طاقاتك الإبداعية نحو الشعر الوطني تحديداً؟البيئة الثقافية الفلسطينية ليست مجرد خلفية للمشهد الإبداعي، بل هي المحرك الأساسي و الدينامو الذي يوجه الطاقات الإبداعية نحو الشعر الوطني تحديداً…والبيئة الفلسطينية تعتمد بشكل كبير على الرواية الشفوية ونقل القصص من الجيل القديم إلى الجديد.
النكبة، اللجوء، والمقاومة ليست أحداثاً في كتاب، بل تفاصيل يومية يعيشها كل فلسطيني.هذا التدفق المستمر للقصص يشحن المخيلة بصور واقعية تبحث عن متنفس تعبيري، فيكون الشعر الوطني هو الوعاء الأنسب لها.
المحور الثاني: الإنتاج الأدبي (ديوان “أنا فلسطيني” وما بعده)
ديوان “أنا فلسطيني” يُعد محطة مركزية في مسيرتك؛ ما هي الرسالة الأساسية التي أردت تخليدها بين دفات هذا الكتاب؟
يُعد ديوان وقصيدة “أنا فلسطيني” وثيقة إبداعية و نضالية رسخت الهوية الوطنية. التي أسعى إلى تخليدها بين دفتي هذا النتاج الأدبي تتمثل في:تأكيد الهوية الفلسطينية كحقيقة مطلقة غير قابلة للمحو أو الطمس.
ربط الكلمة والشعر بـ “مفتاح العودة”، وتحويل اللجوء من حالة انكسار إلى قوة دافعة للنضال واستعادة الأرض والديار.
توجيه نداء مستمر للأمة العربية والإسلامية لاعتبار القضية الفلسطينية قضيتها المركزية، والنهوض من أجل تحرير القدس والمقدسات.
الموازنة بين جرح اللجوء وعتمة السجون وبين الإرادة الصلبة والتمسك بالأمل والحرية الحتمية.
قصيدتك “فلسطيني في الغربة” تعكس معاناة ملايين الفلسطينيين؛ ما هي الظروف التي كتبت فيها هذا النص المؤثر؟
الظروف الملهمة لأدب الغربة الفلسطيني التهجير القسري: عيش ملايين الفلسطينيين في مخيمات اللجوء أو الشتات بعيداً عن قراهم و مدنهم الأصلية…..الفقدان والحنين: الشوق المستمر لتفاصيل الأرض، شجر الزيتون، والعادات الاجتماعية في الوطن.
أزمة الهوية: المعاناة اليومية في مواجهة قوانين الإقامة، وصعوبات السفر، وتحدي الحفاظ على الهوية الوطنية في المجتمعات الجديدة……الأحداث المتصاعدة: الحروب والأزمات المتكررة داخل فلسطين، والتي تجعل المغترب في حالة قلق وخوف دائم على عائلته وأبناء شعبه.و الحرب على غزة وما تلاها من نزوح و جراح لا تندمل.
لماذا اخترت “رفح” لتكون محاوراً لك في قصائد مثل “رفح تحاورني” و”رفح في خاطري”؟
تمثل رفح نقطة الالتقاء والحد الفاصل، فهي معبر يربط بين فلسطين وعمقها العربي (مصر)، مما يجعلها رمزاً لانتظار الفرج، أو أمل اللقاء، أو المعاناة المرتبطة بالإغلاق والحصار.
عانت المدينة من انقسام شطريها (الفلسطيني والمصري) بعد اتفاقيات كامب ديفيد، مما جعلها في الوجدان الشعري تجسيداً حياً لآلام الفراق والتمزق الجغرافي.
تحويل رفح إلى “شخص” أحاوره (كما في “رفح تحاورني”) يعطي القصيدة بعداً تفاعلياً، حيث تبثه المدينة شكواها، أو تعبر عن صمودها و كبريائها، بدلاً من أن تكون مجرد مكان ساكن.
تصبح المدينة مرآة لهموم الشاعر، وما يدور في خاطرها (“رفح في خاطري”) هو في الحقيقة انعكاس لما يدور في خاطر الشعب بأكمله من تطلعات ونضال. و لا أنسى أنها قلبي النابض ولدت بها و ما زلت متمسكاً بترابها.
.البُعد التاريخي والنضالي
قلعة الجنوب: تحمل رفح إرثاً كبيراً من الصمود عبر مختلف المحطات التاريخية والحروب؛ لذا يراها الشعراء رمزاً للتحدي والكبرياء الذي يستحق أن يُفرد له خطاب شعري خاص
كيف ترى تطور تجربتك الشعرية منذ بداياتك وحتى اليوم، وهل هناك دواوين جديدة قيد التحضير؟
انطلقت تجربتي من رحم المعاناة والمأساة الفلسطينية، حيث ركزت قصائدي الأولى بشكل أساسي على تعزيز الهوية، والتمسك بالأرض، وإحياء الذاكرة الجماعية المرتبطة بالبلدات المهجرة (مثل يبنا ).
لم تنكفئ قصائدي على البُعد المحلي فقط، بل تطورت لتشمل الوجع العربي العام. وتجلى ذلك في تفاعلي مع الأحداث والمآسي الإقليمية ( كقصائدي التضامنية مع حلب ومعاناة الشعوب العربية الأخرى).
شهدت تجربتي نضوجاً لافتاً في الاتجاه نحو الشعر الوجداني والابتهالات الإيمانية التي تعكس مناجاة العبد لربه، والبحث عن السكينة وسط ركام الواقع الصعب، ومقاومة نزعات النفس البشرية…ولي دواوين عديدة تقوم بعض المجلات بتوثيقها و منها على سبيل المثال مجلة الوجدان و همسات فوق أوراق الصمت .
ما هي القصيدة الأقرب إلى قلب صالح الصرفندي، والتي تشعر أنها تلخص فلسفتك في الحياة والوطن؟
تُعتبر قصيدة “دون يا تاريخ هل يموت الوطن مرتين؟” (المعروفة أيضاً باستهلالها “تحت الرماد يا وطني”) من أقرب القصائد إلى وجداني وهي العمل الأدبي الذي ألخص بعمق فلسفتي تجاه الحياة، والمقاومة، والارتباط بالوطن.
المحور الثالث: الرؤية الفنية والأسلوب الشعري
تعتمد في أغلب نصوصك على “البناء الخليلي” أو التفعيلة؛ كيف يخدم هذا الجرس الموسيقي مواضيع الرثاء والحماسة عندك؟
إن البناء الخليلي (الشعر العمودي) وشعر التفعيلة يمثلان الهيكل النغمي الأقوى في التراث العربي، ويخدمان غرضي الرثاء والحماسة محاكاةً وتطبيقاً من خلال آليات موسيقية ونفسية محددة:
إجابة السؤال الثاني
توظف رموزاً مثل “الزيتون والجبال” بكثافة؛ كيف تتحول هذه العناصر الطبيعية إلى أدوات للمقاومة الثقافية في شعرك؟
تتحول عناصر الطبيعة كـ “الزيتون والجبال” في قصائدي من مجرد مظاهر جغرافية إلى رموز حية للمقاومة الثقافية عبر دلالات عميقة:شجرة الزيتون: الهوية والبقاء.. تمثل الشجرة الممتدة في الأرض دليلاً مادياً و تاريخياً على أصالة الوجود الفلسطيني ودحض روايات النفي…تتحول الزيتونة إلى كائن يمتلك ذاكرة، يوثق تفاصيل الحكاية اليومية ويحرس التراث من الطمس.
تعكس قدرة الشجرة على مواجهة الجفاف والظروف القاسية إرادة البقاء والتمسك بالأرض رغم سياسات الاقتلاع.
الجبال: الحصن والذاكرة العصية…تجسد الجبال الملاذ الحامي للثوار والحصن الطبيعي الذي يصعب اختراقه أو تطويعه.
ترمز القمم العالية إلى أنفة الإنسان الفلسطيني ورفضه الانكسار أو التنازل عن حقوقه.
تصبح التضاريس الصلبة معادلاً موضوعياً لـ ثبات الموقف الثقافي والسياسي في وجه المتغيرات العابرة.
تبتعد في أسلوبك عن الغموض المعقد لصالح “البساطة والجزالة”؛ هل ترى أن وضوح الرسالة الوطنية يتطلب لغة قريبة من عامة الناس؟
نعم، تماماً. وضوح الرسالة الوطنية يتطلب لغة تجمع بين البساطة و الجزالة لتبتعد عن الغموض المعقد وتصل إلى الجميع.
الرسالة الوطنية ليست ملكاً للنخبة، بل هي ملك للمجتمع بكامله…..القرب من عامة الناس لا يعني الهبوط بمستوى اللغة أو الاعتماد على العامية المبتذلة. ..المقصود هو “السهل الممتنع”: لغة فصيحة، بكلمات دارجة و مألوفة، و تراكيب قوية و موجزة تعبر عن هموم الناس وآمالهم بصدق.
كيف تدمج النزعة الدينية والاستغاثات الإيمانية (كما في قصيدة “يا خالقي”) ضمن السياق السياسي والمعاناة الإنسانية؟
يتحقق دمج النزعة الدينية و الاستغاثات الإيمانية ضمن السياق السياسي والمعاناة الإنسانية من خلال توظيف الدين كقوة دافعة للمقاومة وأداة للتعبير عن المأساة، وذلك عبر الآليات التالية:
تحويل الاستغاثة إلى فعل ثوري: لا تقف التجربة الإيمانية عند حدود التضرع السلبي، بل تتحول النداءات مثل “يا خالقي” إلى مصدر استمداد للقوة والصمود في وجه الظلم السياسي.
ربط المفاهيم الإيمانية بالوجع اليومي للإنسان (كالتهجير، الجوع، وفقدان الأحبة)، مما يجعل النص الديني يلامس الأرض ويعبر عن المعاناة الواقعية.
استدعاء معارك وصبر الأنبياء والصالحين لتعزيز الأمل والثبات في المعارك السياسية المعاصرة.
الموازنة بين عجز القوى السياسية والأرضية، واللجوء إلى القدرة الإلهية المطلقة لتحقيق العدالة ونصرة المظلومين.
استخدام ألفاظ العبادة (الصلاة، الصيام، الاستشهاد) كرموز للالتزام بالقضايا الوطنية والإنسانية.
ما هي أهمية الصورة البيانية (الاستعارة والتشبيه) في تجسيد المشاعر المجردة لـ “الفلسطيني المغترب” وتحويلها إلى صور حية؟
تُعد الصورة البيانية ( كالاستعارة والتشبيه ) الأداة الأقوى في أدب المغترب الفلسطيني؛ لأنها تحوّل مشاعره النفسية غير الملموسة إلى مشاهَد حية أمام القارئ.
. تحويل المشاعر المجردة إلى ماديات ملموسة
الشوق والاغتراب: مشاعر نفسية غير مرئية.
التجسيد بالتشبيه: يحول الكاتب الشوق إلى ثقل مادي (مثل: “الشوق صخرة جاثمة على الصدر”) ليقيس القارئ حجم المعاناة.
التجسيد بالاستعارة: يمنح الغربة أطرافاً تمزق الجسد (مثل: “مخالب الغربة تنهش عمري”).
. بث الروح في الجمادات والأمكنة (التشخيص)
تصوير فلسطين كأم تنتظر أو تنادي أبناءها.
تصوير “مفتاح العودة” أو “شجرة الزيتون” ككائنات حية تشعر، وتبكي، وتشتاق لصاحبها، مما يعزز الرابط العاطفي.
المحور الرابع: النشاط الثقافي والتواجد الرقمي
تشغل منصب عميد “مجلة العودة للإبداع الأدبي”؛ كيف تساهم هذه المنصة في دعم الأقلام الشابة وتسليط الضوء على القضية؟
بصفتي عميداً لـ “مجلة العودة للإبداع الأدبي”، أرى أن هذه المنصة تمثل جسراً ثقافياً و نضالياً يربط بين الفكر الشاب والقضية الفلسطينية العادلة.
تتحقق هذه الرسالة من خلال استراتيجية عمل واضحة تركز على محوريين أساسيين:
- دعم الأقلام الشابة وتطويرها
مساحات النشر الحرة: توفير منبر دوري ومجاني للمبدعين الجدد لنشر نصوصهم (شعر، قصة قصيرة، مقال) دون تعقيدات البيروقراطية الثقافية.
الورش والتحرير التوجيهي: تقديم تغذية راجعة نقديّة وبنّاءة من قِبلي و من قبل كتاب وأكاديميين متمرسين لمساعدة المواهب الشابة على صقل أدواتهم اللغوية و التعبيرية.
المسابقات الأدبية التنافسية: إطلاق جوائز دورية تحتفي بالتميز الأدبي الشاب، مما يحفز الاستمرارية ويرفع جودة المنتج الثقافي.
- تسليط الضوء على القضية الفلسطينية
أدب المقاومة الحديث: تشجيع الشباب على صياغة رواية فلسطينية بأساليب معاصرة تحاكي وعي الجيل الجديد وتخاطب العالم بجرأة وعمق.
ترسيخ الذاكرة والهوية: تخصيص ملفات خاصة في كل عدد لتوثيق القرى المهجرة، سير الشهداء، وأدبيات الأسرى، لضمان انتقال شعلة الوعي بين الأجيال.
مواجهة حرب الروايات: استخدام الكلمة كأداة دحض للمصطلحات التشويهية، وإبراز البُعد الإنساني والحضاري للحق الفلسطيني ضد محاولات الطمس والتهجير الثقافي.
إن “مجلة العودة” لا تبحث عن مجرد نصوص أدبية، بل تسعى لصناعة جيل من الأدباء المشتبكين بوعيهم مع قضايا أمتهم، فالإبداع الحقيقي هو الذي ينحاز للإنسان والحرية.
نلت تكريمات من جهات مثل مجلة “الصواب” العراقية؛ ما هو الأثر المعنوي لهذه التكريمات العربية على مسيرتك كشاعر فلسطيني؟
التكريمات العربية، مثل تكريم مجلة “الصواب” العراقية و غيرها ، تمنح الشاعر عمقاً قومياً و امتداداً إنسانياً يتجاوز حدود الحصار والواقع الجغرافي المعقد. تُشعر الشاعر بأن صوته عابر للحدود وغير محاصر…تُثبت أن الوجع والوجدان الفلسطيني والعربي واحد لا يتجزأ… تفرض على الشاعر الاستمرار في تطوير أدواته ليكون على قدر الثقة العربية… تُعد دافعاً معنوياً كبيراً يُشير إلى أن الرسالة الأدبية وصلت إلى قلب النخبة والجمهور العربي.
تمتلك قناة على يوتيوب وتنشر في منصات مثل “دنيا الرأي” و”شهرزاد”؛ كيف ترى دور “الإعلام الرقمي” في كسر الحصار الثقافي عن الأدب الفلسطيني؟
يلعب الإعلام الرقمي دوراً حاسماً في تحطيم الحدود الجغرافية، حيث تحول من مجرد وسيلة نشر إلى متنفس حقيقي يمنح الأدب الفلسطيني صوتاً حراً عابراً للحصار المعرفي.
تخطي الحواجز الجغرافية: يوصِل النص الفلسطيني فوراً إلى القارئ العربي والعالمي دون الحاجة لـ “معابر” أو “تأشيرات”.
تجاوز مقص الرقيب: يمنح منصات حرة للنشر المباشر دون قيود المؤسسات التقليدية أو دور النشر المقيدة.
تعدد الوسائط التعبيرية: يدمج الشعر بالصوت والصورة عبر يوتيوب، مما يجذب الأجيال الشابة ويسهل انتشار القصيدة.
بناء مجتمعات تفاعلية: يوفر منصات مثل “دنيا الرأي” و”شهرزاد” للتواصل المباشر مع النخب والقراء وتبادل النقد الأدبي.
أرشفة الذاكرة الوطنية: يحمي النتاج الأدبي من الضياع والتدمير عبر تخزينه سحابياً ليبقى شاهداً مستمراً على الهوية.
أجابة السؤال الرابع
من خلال احتكاكك بالأوساط الأدبية العربية، كيف تقيم مدى تفاعل المثقف العربي المعاصر مع “أدب العودة”؟
من خلال رصدي يمكن تقييم تفاعل المثقف العربي المعاصر مع “أدب العودة” (وهو الأدب الذي يناقش العودة إلى الأوطان، سواء كانت فلسطين، أو بلدان الشتات العربي الحديث نتيجة الحروب) كونه تفاعلاً عميقاً، مركباً، و متطوراً، ويمكن تلخيصه في النقاط التالية:
- تحول المفهوم من الرمزية إلى الواقعية
سابقاً: كان أدب العودة (خاصة الفلسطيني) يركز على الرمزية الحالمة، مثل “المفتاح” والبيت القديم.
حالياً: يتناول المثقف المعاصر “العودة” بمنظور أكثر واقعية وصدمة، حيث يصطدم البطل بتغير معالم الوطن، أو بغربة داخلية أقسى من غربة المنفى.
2. اتساع الجغرافيا الأدبية
لم يعد أدب العودة حكراً على القضية الفلسطينية فقط…امتد ليشمل نتاجات أدبية ضخمة من مثقفي سوريا، العراق، واليمن.
يناقش المثقفون اليوم أسئلة العودة المستحيلة أو “العودة المجتزأة” عبر معابر اللجوء والزيارات المؤقتة.
- بروز “أدب الجيل الثاني والثالث”
يتفاعل الوسط النقدي العربي بحفاوة مع ما يكتبه أبناء المهاجرين (المولودون في الغرب).
تُكتب هذه الروايات بلغات أجنبية وترجم إلى العربية….تبحث هذه الأعمال عن الهوية والعودة إلى جذور لم يروها، بل سمعوا عنها فقط.
ما هي المعايير التي تعتمدها في مجلة العودة لاختيار النصوص والمبدعين الذين يتم تكريمهم بـ “درع المحبة والسلام”؟
تعتمد مجلة العودة للإبداع الأدبي (والتي أ شرف عليها على معايير فنية وإنسانية واضحة لمنح “درع المحبة والسلام” للأدباء والشعراء والمبدعين العرب. تتلخص أبرز هذه المعايير في النقاط التالية:
نشر ثقافة التسامح و التعايش: التركيز على النصوص والقصائد التي تعزز القيم الإنسانية النبيلة، وتدعو إلى السلام والمحبة بين الشعوب والمجتمعات.
الأصالة والتميز الأدبي: تقييم القيمة الفنية والموضوعية للنصوص؛ حيث يُشترط تفوق القلم والتمكن الفكري واللغوي للمبدع.
الارتقاء بالثقافة والفكر: اختيار الكتابات التي تساهم في تطوير المشهد الثقافي العربي وتدعم الوعي المجتمعي و الوجداني.
التفاعل المستمر والعطاء الأدبي: تثمين الدور الفعال للأدباء والمبدعين الذين يثرون صفحات المجلة و منابرها الفكرية بإنتاجاتهم المتميزة باستمرار.
المحور الخامس: القضايا الراهنة واستشراف المستقبل
في ظل المتغيرات المتسارعة، كيف يمكن للشعر أن يظل أداة فاعلة في “المقاومة الثقافية” وتثبيت حق العودة؟
يظل الشعر أداة فاعلة في “المقاومة الثقافية” وتثبيت حق العودة من خلال تحوله من مجرد وثيقة عاطفية إلى أرشيف حي عابر للأجيال، يُبطل أدوات المحو وينقل الذاكرة الجمعية كحق سياسي وتاريخي غير قابل للتصرف.
يمتلك الشعر قدرة فريدة على صياغة الهوية و استدامتها عبر آليات محددة تنبض بالمرونة والاستمرارية:
+. توثيق الذاكرة البصرية والمكانية
تخليد الجغرافيا: يعيد الشعر رسم القرى والمدن المهجرة بأسمائها، وتفاصيل مواسمها، وشجر زيتونها وزعترها، مما يجعل المكان عصياً على النسيان.
تحصين الرواية: يعمل النص الشعري كـ “سجل طابو” ثقافي يفضح محاولات تزييف التاريخ أو إحلال روايات بديلة.
+. العبور عابر الأجيال (التوريث الثقافي)
سهولة الحفظ و التداول: بفضل الإيقاع والموسيقى الشعرية، تتناقل الأجيال الشابة التي ولدت في الشتات الأبيات بسلاسة، مما يربطها وجدانياً بأرض لم تروها.
شحن الهوية: يتحول الشعر إلى ركيزة أساسية في تشكيل وعي الأجيال الجديدة، مؤكداً أن “العودة” ليست خياراً بل حتمية وجودية.
+. مواكبة أدوات العصر والرقمنة
الشعر الرقمي والمرئي: لم يعد الشعر حبيس الدواوين الورقية، بل اندمج مع منصات التواصل الاجتماعي (فيديوهات قصيرة، تصميمات بصرية، وموسيقى تصويرية).
اختراق الخوارزميات: يمثل الشعر لغة رمزية مكثفة قادرة على تمرير رسائل المقاومة وتجاوز مقص الرقابة الرقمية التي تحارب المحتوى الوطني.
+. عولمة القضية ونزع الإنسانية عن المحتل
الترجمة والخطاب الإنساني: يترجم الشعر المعاناة الإنسانية الفردية والجماعية إلى لغات العالم، مما يبني جسور تضامن كوني مع حق العودة.
مخاطبة الضمير العالمي: يطرح الشعر قيم العدالة والحرية كقيم إنسانية مشتركة، ما يجرّد الخطاب الاستعماري من شرعيته الأخلاقية.
+. إعادة صياغة مفهوم “العودة”
فعل يومي مستمر: يخرج الشعر “العودة” من إطار التمني السلبي إلى فعل مقاومة يومي يبدأ بوعي الذات والتمسك بالهوية.
سلاح الأمل: يحارب الشعر سياسات التيئيس والإحباط، ويبث طاقة الأمل بالتحرير والعودة كحقيقة قادمة لا محالة.
ما هي رسالتك للأجيال الجديدة من الشعراء الفلسطينيين الذين ولدوا في الشتات ويبحثون عن هويتهم عبر الكلمة؟
رسالتي لكم هي أن كلماتكم هي خريطة العودة، وحبركم هو الجسر الذي يربط شتات الأرض بجذورها الأولى.
إن البحث عن الهوية عبر القصيدة ليس مجرد خيار أدبي، بل هو فعل صمود وامتداد لذاكرة تحاول الجغرافيا تمزيقها. إليكم هذه الركائز لترافقكم في مسيرتكم الشعرية:
كيف ترى علاقة الشعر بالقضايا الراهنة التي تمر بها المدن الفلسطينية، مثل القدس وغزة ورفح؟
يتشابك الشعر الفلسطيني بشكل عضوي وثيق مع القضايا الراهنة في المدن الفلسطينية، فهو ليس مجرد أداة لتوثيق الأحداث، بل يمثل جبهة مقاومة ثقافية وذاكرة حية تجسد الواقع وتصنع الأمل.
يمكن تلخيص طبيعة هذه العلاقة وأبعادها الحالية في النقاط التالية:
- الشعر كوثيقة تاريخية وشهادة حية
توثيق اللحظة: يرصد الشعراء تفاصيل الحياة اليومية تحت الحصار والقصف والتهجير في غزة ورفح والقدس.
تخليد الشهداء: تحولت القصائد إلى شواهد رقمية مكتوبة ومسموعة ترثي الضحايا وتمنع تحولهم إلى مجرد أرقام.
القصيدة الوجيزة: فرضت سرعة الأحداث نمط القصائد القصيرة والمكثفة التي تُكتب وتنشر عبر منصات التواصل الاجتماعي مواكبةً للحدث الراهن.
- تجسيد خصوصية كل مدينة فلسطينية
القدس (معركة الهوية والمقدسات): يركز الشعر الراهن على الصمود في وجه التهويد، وحماية المسجد الأقصى وكنيسة القيامة، والدفاع عن الأحياء المهددة بالإخلاء مثل الشيخ جراح وسلوان.
غزة (ملحمة الصمود والإبادة): يهيمن على قصائد غزة مشهد الدمار والأشلاء، لكنها تنبض في ذات الوقت بروح التحدي، ومقاومة الفناء، والتمسك بالحياة فوق الركام.
رفح (نزوح اللجوء الأخير): برزت رفح في الشعر الحديث كرمز للملاذ الأخير المكتظ بالخيام والمطارد بالخوف والترقب، لتجسد ذروة المأساة الإنسانية الراهنة. و اليوم نبك رفح و جاراتها . تحولت إلى إنقاض و هجر أهلها .
- تحولات لغوية و أسلوبية فرضها الواقع
تجاوز الرمزية التقليدية: انتقل الشعر من الرموز الفضفاضة إلى تسمية الأشياء بأسمائها الواقعية المباشرة (مثل: الخيمة، الطائرة المسيرة، سقف الإسمنت، المشفى).
شعر الأنقاض: ظهر جيل من الشعراء الشباب يكتبون نصوصهم من قلب مراكز النزوح وتحت القصف، مما أضفى على قصائدهم صدقاً تعبيرياً هائلاً.
عالمية الخطاب: تُرجمت الكثير من القصائد الراهنة فوراً إلى لغات عالمية، مما ساهم في نقل الصوت الفلسطيني والتأثير في الرأي العام الدولي.
- وظيفة الشعر في الوقت الراهن
التعافي النفسي: يمثل الشعر وسيلة للتفريغ والنجاة النفسية للشعراء والمجتمع وسط أهوال الحرب.
التعبئة والتحشيد: يعمل على رفع المعنويات وتثبيت الهوية الوطنية الجماعية عابراً للحصار والحدود.
هل تشعر أن الأدب الفلسطيني استطاع الوصول إلى القارئ العالمي، أم أنه ما زال محصوراً في دائرة اللغة العربية؟
نعم، استطاع الأدب الفلسطيني التحرر من النطاق المحلي والوصول بقوة إلى القارئ العالمي، ولم يعد محصوراً في دائرة اللغة العربية.
تحقق هذا الانتقال بفضل حركة الترجمة الواسعة، وبروز أجيال جديدة تكتب بلغات أجنبية مباشرة، بجانب الرغبة العالمية المتزايدة في فهم أبعاد القضية الفلسطينية من مصادرها الإنسانية.
عوامل عززت العالمية
الترجمة الاحترافية: تُرجمت أعمال الرواد كغسان كنفاني ومحمود درويش إلى عشرات اللغات العالمية.
الكتابة بلغات بديلة: يكتب أدباء فلسطينيون في الشتات بالإنجليزية والفرنسية والإسبانية مباشرة.
الجوائز الدولية: حصدت الرواية الفلسطينية ترشيحات وجوائز رفيعة مثل “البوكر الدولية” و”البوكر العربية”.
دقة النقد الإنساني: يركز الأدب المعاصر على قيم الحرية، و الفقد، والهوية الشاملة لا الموضعية فقط.
أخيراً، ما هو “الحلم الإبداعي” الذي لم يحققه صالح الصرفندي بعد، وماذا تقول لكل من ينتظر قصائدك القادمة؟
الحلم الإبداعي الذي أطمح إليه كساعر فلسطيني هو تأسيس رابطة أو ملتقى ثقافي يجمع المبدعين والشباب لتعزيز الهوية والوعي الإبداعي، مع استمرار سعيي لتوثيق القضية والوجدان الإنساني في دواوين شعرية متكاملة تترك أثراً باقياً للأجيال القادمة.
أما رسالتي لكل من ينتظر قصائدي القادمة، فهي تعبّر عن الامتنان العميق لوفاء الجمهور ومحبته، واعداً إياهم بأن القادم سيحمل نضجاً فكرياً وفنياً أكبر، حيث أرى في انتظارهم دافعاً ومسؤولية لتقديم نصوص تلامس قلوبهم وعقولهم، وتظل وفية لقضاياهم وآمالهم.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.