8:15 مساءً / 11 سبتمبر، 2026
آخر الاخبار

الشعر وقودُ المعارك، ونبضُ القلب، وسيفُ اللسان في الهجاء ، بقلم : نزار موسى أبو دهيم

الشعر وقودُ المعارك، ونبضُ القلب، وسيفُ اللسان في الهجاء ، بقلم : نزار موسى أبو دهيم

من الطبيعي أن يكون لكل إنسان مشاعر وعاطفة جياشة في أعماقه، تختزنها النفس في لحظات الفرح والحزن، والحب والاشتياق، والألم والأمل. ويحتاج الإنسان أحيانًا إلى أن يخرج ما في داخله، وأن يعبّر عن تلك المشاعر التي تعجز الكلمات عن حملها دفعة واحدة.

ولا يكون ذلك إلا بالكتابة والبوح؛ أن نلخّص ما في أعماقنا، ونترجمه إلى كلمات وحروف، فنحوّل الشعور إلى عبارة، والنبضة إلى كلمة، وما يختبئ في القلب إلى نصّ يستطيع الآخرون قراءته.

لذلك تستطيع أن تبدأ من هذه المحطة كتابتك من اليوم، بكل سهولة. لا تبحث في البداية عن الكلمات الكبيرة، ولا تُثقل نفسك بالتعقيد؛ اكتب كما تشعر، وبأسلوب عفوي يخرج من القلب. فالمهم في البداية أن تكتب، أما جمال ما ستكتب، فسيأتي مع القراءة والممارسة.

يقولون: ليس المهم أن تكتب، بل المهم ماذا كتبت.

وأنا أقول للمبتدئين: ليس المهم الآن ماذا تكتب، بل المهم أن تكتب.

ويكفي أن نتذكر قول جرير حين سمع شعر عمر بن أبي ربيعة:

أورد أبو الفرج الأصفهاني في كتابه «الأغاني» أن جريرًا كان إذا أُنشد شعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدته «أمِن آلِ نُعْمٍ أنتَ غادٍ فمُبكِرُ»، قال:

«ما زال هذا القرشيُّ يهذي حتى قال الشعر».

— أبو الفرج الأصفهاني، «الأغاني»، ج 1، ص 91.

فالبداية ليست مقياسًا للنهاية؛ فكل شاعر له بيتٌ أول، ولكل قصيدة لحظةٌ أولى.

المهم أن تكتب، أما ماذا ستكتب، فتلك حكاية أخرى.

ومن هنا يبدأ السؤال الطبيعي: ما هو الشعر؟ وهل يكفي أن نكتب ما نشعر به حتى يسمى شعرًا، أم أن للشعر خصائص تميّزه عن سائر الكلام؟

ما هو الشعر؟
عرّف قدامة بن جعفر الشعر في كتابه «نقد الشعر»، الطبعة الأولى، مطبعة الجوائب، قسطنطينية، 1302هـ، في 93 صفحة، فقال:

«إنه قولٌ موزونٌ مقفّى يدلّ على معنى.»

وهذا التعريف من أشهر التعريفات التراثية للشعر، وقد جعله قدامة حدًّا يميّز الشعر من غيره من الكلام.

وشرح عناصره فقال:

قول: أي كلام، وهو جنس الشعر وأصله.

موزون: أي جارٍ على وزنٍ مخصوص، فيخرج بذلك الكلام المنثور وغير الموزون.

مقفّى: أي له قافية ومقطع، فيخرج الكلام الموزون الذي لا قافية له.

يدلّ على معنى: أي لا يكفي أن يكون الكلام موزونًا مقفّى، بل لا بد أن يحمل دلالة ومعنى.

ومن هنا جعل قدامة للشعر أربعة عناصر أساسية هي:

اللفظ، والمعنى، والوزن، والقافية.

ثم نظر إلى الشعر بوصفه صناعةً لها مراتب في الجودة والرداءة، فليس كل كلام موزون مقفّى جيدًا بالضرورة، بل قد يكون جيدًا أو رديئًا أو متوسطًا، ولذلك جاء كتابه «نقد الشعر» للبحث في أسباب جودة الشعر وتمييز جيده من رديئه.

وعلى هذا الأساس يبدأ علم العَروض من أحد أهم أركان تعريف الشعر عند قدامة، وهو الوزن؛ فالوزن هو النظام الإيقاعي الذي تنتظم فيه أبيات الشعر، وقد ضبط الخليل بن أحمد الفراهيدي أوزانه في البحور الشعرية.

وهنا نصل إلى الأداة التي تضبط هذا الوزن وتكشف سلامته: علم العَروض.

ما هو علم العَروض؟
العَروض هو العلم الذي يُعرف به صحيح أوزان الشعر العربي من فاسدها، وما يطرأ عليها من زحافات وعلل.

والعَروض أيضًا اسمٌ للتفعيلة الأخيرة من صدر البيت، أما التفعيلة الأخيرة من عجزه فتسمّى الضرب.

وعند تفصيل علم العَروض وأبوابه، ستكتشف أنه علمٌ يمكنك إتقانه خلال خمسة أشهر؛ مدةٌ كافية لفهم قواعده، ومعرفة بحوره وتفعيلاته، وإتقان تقطيع أبياته، متى التزمت بالتدرّج والتدريب.

وبعد أن عرفنا وظيفة العَروض، يأتي السؤال عن الرجل الذي وضع هذا العلم، ونظّم أصوله، وضبط أوزان الشعر العربي.

واضع علم العَروض
واضعه هو الإمام الخليل بن أحمد الفراهيدي رحمه الله تعالى.

ومن هنا تبدأ الخطوة التالية في فهم البناء العروضي: فإذا كان الشعر موزونًا، وكان علم العَروض هو العلم الذي يكشف أوزانه، فممَّ يتكوّن هذا الوزن؟ وكيف تنتظم أجزاؤه؟

تفعيلات وأجزاؤها
ينبغي أن يُعلم أن بحور الشعر الخليلية مؤلفة من تفعيلات عشرة، وهي:

فاعلن – فاعلاتن – فاعِ لاتن – فعولن – مفاعيلن – مفاعلتن – مستفعلن – مستفعِ لن – متفاعلن – مفعولاتُ.

وخلاصة البناء العروضي أن الشعر يتألف من بحور، والبحور تتألف من تفعيلات، والتفعيلات تتألف من ثلاثة أقسام: السبب، والوتد، والفاصلة.

وبهذه التفعيلات تتكوّن البحور التي تنتظم فيها أبيات الشعر العربي، ولكل بحر بناءه الإيقاعي الذي يميّزه عن غيره.

عدد أبيات الشعر
وتُذكر في عدد الأبيات تسميات منها:

البيت الواحد: يتيم.

البيتان: توأمان.

3 أبيات: نُتفة.

من 3 إلى 9 أبيات: قِطعة.

من 9 أبيات فأكثر: قصيدة.

البحور الخليلية
يتكوّن الشعر من بحور، والبحور الخليلية المشهورة ستة عشر بحرًا، وهي:

الطويل – المديد – البسيط – الوافر – الكامل – الهزج – الرجز – الرمل – السريع – المنسرح – الخفيف – المضارع – المقتضب – المجتث – المتقارب – المتدارك.

ومعرفة هذه البحور لا تعني أن الشعر محصور في صورة واحدة؛ فقد تنوّعت أشكال الشعر العربي، وتنوّعت معها طرائق بنائه وكتابته.

أنواع الشعر من حيث البناء
بحر خليلي + شطران وقافية → شعر عمودي.

تفعيلة خليليّة + أسطر متفاوتة → شعر حرّ (شعر التفعيلة).

لا وزن ولا قافية + بناء شعري خاص → قصيدة نثر.

لا وزن ولا قافية + أسلوب نثري جميل → نثر أدبي ذو نفس شعري.

ومهما اختلف شكل القصيدة وبناؤها، ظل الشعر العربي مجالًا واسعًا للتعبير عن مشاعر الإنسان وأفكاره وتجربته، ولذلك تعددت أغراضه وتنوعت موضوعاته.

أغراض الشعر
ومن أغراض الشعر:

المديح، والهجاء، والرثاء، والنسيب والغزل، والفخر، والحماسة، والوصف، والحكمة، والاعتذار، والعتاب، والشكوى، والزهد، وغيرها من أغراض الشعر.

ولم يقف تنوّع الشعر عند الأغراض والموضوعات، بل عرف العرب فنونًا شعرية وأشكالًا أخرى ظهرت في عصور مختلفة، ومنها فنون الشعر الشعبي في العصر المملوكي.

فنون أخرى من الشعر
ولمن أراد الاستفادة من أنواع أخرى من فنون الشعر، فليراجع بحثًا بعنوان «من فنون الشعر الشعبي في العصر المملوكي» للدكتورة داليا عبد الباقي محمد مصطفى، في 26 صفحة.

ومن الفنون التي تناولها البحث: الموشح، والزجل، والمواليا، والقوما، والحماق، والكان وكان، والدوبيت، والبليق.

ومن أشهر هذه الفنون ما نقله صفي الدين الحلي، وهو شاعر وأديب من العصر المملوكي، عُرف باهتمامه بفنون الشعر وأوزانه وقوافيه، وله إسهام بارز في تدوين عدد من الفنون الشعرية الشعبية التي عُرفت في عصره.

والبحث يذكر أيضًا أن الحموي أطلق اصطلاح «الفنون الأربعة» على: الزجل، والمواليا، والكان وكان، والقوما؛ لأنها فنون يلزم حذف الإعراب منها، وتُنظم باللفظ العامي الرقيق.

شاهد أيضاً

استطلاع للرأي: ستة من كل عشرة أشخاص يرون دوراً متنامياً لـبريكس في الشؤون العالمية

استطلاع للرأي: ستة من كل عشرة أشخاص يرون دوراً متنامياً لـبريكس في الشؤون العالمية

شفا – قبيل انطلاق قمة بريكس الثامنة عشرة في نيودلهي بالهند يوم 12 سبتمبر الجاري، …