
شفا – مع حارس الضاد الدكتور غياث كراكية – حوار: عطا درغام
في زمنٍ تسارعت فيه خطى الحداثة، وكادت تفقد فيه الحروف أصالتها، يقف الأدباء الملتزمون كحراسٍ على ثغور لغة الضاد، يعيدون للكلمة هيبتها وللشعر ميزانه وصوابه. ضيفنا اليوم هو قامة تربوية عريقة، وشاعر صاغ من وهج الحكمة وعذوبة الشام قصائد تُحيي النفوس، وجعل من منابر التعليم صالوناتٍ للتذوق الأدبي الرفيع. نرحب بالدكتور غياث حمدي كركة في هذا الحوار الذي نبحر فيه بين فضاءات التربية، وبحور الشعر، ورسالة الكلمة.
المحور الأول: الامتداد التربوي وتدريس لغة الضاد
1.دكتور غياث، عُرفت في الأوساط الدمشقية بلقب “معلم الأجيال”؛ كيف نجحت في تحويل حصة اللغة العربية من مادة جافة إلى مساحة للتذوق الوجداني؟
اللغة ليست مادة جافة. إذا أحببت شيئاً أبدعت فقي تناوله وهذا ما فعلته أحببت اللغة العربية فنظرت إلى مواكن الجمال فيها واستخرجت لآلئها وجواهرها.
2.تترقب أعداد غفيرة من طلاب الشهادة الثانوية “جلساتك الامتحانية ومكثفاتك” سنوياً، ما السّر التربوي وراء هذا الإقبال والقبول؟
اقتناعهم بالشخص ،ومصداقيته، وحسن التعامل مع الطلاب .
3.هل ترى أن المناهج التعليمية الحالية في سوريا تخدم تذوق الطالب للشعر العربي، أم أنها تحتاج إلى ضخ دماء جديدة؟
المناهج وحدها لا تكفي، بل لابد من ثقافة واسعة لدى المدرّسين،وإبراز مواطن الجمال في الشعر والأدب، والتعامل مع النصوص الأدبية على أنها أرواح ونفوس. ولابد من غرس روح البحث عن ذلك الجمال.
4.من واقع خبرتك الميدانية، كيف يمكننا تحبيب جيل التكنولوجيا المعاصر في لغة الضاد وإبعادهم عن اللحن والهبوط اللغوي؟
من خلال تجديد اللغة ،وعدم حصرها في القوالب القديمة .والبعد عن التعقيد ومحاولة تبسيطها بالحديث بها ،واختيار ما يناسب كل عمر من الأعمار.
5.درّست في صروح عريقة كالمدرسة المحسنية بدمشق، ما الأثر الذي تركته هذه المدارس التاريخية في شخصيتك الأدبية؟
زرعت في نفسي البحث ،والسعي الحثيث لرفع شأن اللغة ،وترك أثر في الناشئة والطلاب والناس بشكل عام.
6.هل يخدم الشاعرُ المعلّمَ في قاعة الدرس، أم أن صرامة التدريس قد تقيد أحياناً عفوية الشاعر وخياله؟
الشاعر يدرك جوهر الأشياء ،ولذلك فإن الشاعرية تخدم التعليم .ولا يحدّ التعليم من الخيال والشاعرية، بل يزيد منهما من خلال الأمثلة التي يضربها المعلم .
7.ما هي النصيحة الذهبية التي توجهها اليوم للمدرسين الشباب الذين يحملون أمانة تعليم اللغة العربية؟
أحبّوا مهنتكم، أعطوها من أرواحكم، واجعلوا همّكم الفهم لا الحفظ
المحور الثاني: الكلاسيكية المتقنة وعلم العَروض (5 أسئلة)
8.في عصرٍ كثر فيه الهروب نحو قصيدة النثر، ما زلت مستمسكاً بالعمود الخليلي؛ لماذا يظل “بحر البسيط” و”الوافر” هما الأقرب لبوحك؟
كتبت على معظم البحور ،كتبت على الطويل والخفيف والكامل والسريع والرمل والمتقارب والمتدارك وغيرها،لكنّ الوافر والبسيط قريبان إلى النفس لما فيهما من إحساس ومشاعر وغنائية ووجدانية..وللتفعيلة أهميتها وقد كتبت قصائد التفعيلة أيضاً.
9.يرى البعض أن الالتزام التام بالوزن والقافية يقيد عاطفة الشاعر، كيف ترد على ذلك من خلال تجربتك؟
الشاعر المتمكن من اللغة ،وصاحب الثقافة الواسعة لا يحدّه وزن ولا روي ولا قوافي.
10.كيف تختار قوافي قصائدك (كالراء المكسورة أو المضمومة)؟ وهل تفرض الحالة النفسية قافيتها أم أنك تخطط لها مسبقاً؟
لا أخطط مسبقاً ،بل أجدها تنثال عفو الخاطر ،وفق الحالة النفسية والشعورية.
11.بصفتك خبيراً في علم العَروض، هل تظن أن الأذن الموسيقية الفطرية تكفي لولادة شاعر، أم أن الدراسة الأكاديمية للموازين شرط لا غنى عنه؟
كلاهما معاً .شاعر الفطرة إذا درس دراسة أكاديمية؛ ازداد قدرة وشاعرية.
12.كيف ترى مستقبل القصيدة العمودية الفصيحة في ظل التغيرات المتسارعة في الذائقة الأدبية العامة؟
مضى على الشعر العمودي أكثر من ألف وستمئة سنة ،وما زال موجودا.ً ولا أعتقد أن التغيرات المتسارعة ستؤدي إلى انتهائه.ربما تؤثر قليلاً،لكن الشعر العمودي باق بقاء اللغة العربية .
المحور الثالث: شعرية المبدأ والالتزام الأخلاقي (5 أسئلة)
13.في قصيدتك (قصتي مع الشعر) ترفض “الفحش والسفه” في القول؛ هل تعتقد أن رسالة الشعر أخلاقية بالدرجة الأولى قبل أن تكون جمالية؟
بالطبع ،رسالة الشعر أخلاقية قبل أن تكون جمالية .كل منا له دوره في الحياة. فإمّا أن يترك شيئاً يذكر به، أو يذهب في مجاهل التاريخ.
14.قلت في نصوصك: “ويكشفُ السِّترَ كِذبٌ للحروفِ فلا تحيا”، إلى أي مدى يسهم “صدق العاطفة” في خلود النص الشعري؟
صدق العاطفة من أهم الامور التي يجب أن تكون لدى الشاعر ؛فالتكلف وكذل العاطفة يظهر فوراً ،ولابد أن يتمثل الشعر صدق العاطفة والمشاعر .فما يخرج من القلب يدخل إلى القلوب.
15.تكرر في شعرك الرمزية الإنسانية العالية مثل (الغيث) و(الشمعة)، كيف تصوغ فلسفة “التضحية والعطاء” عبر الصور الأدبية؟
الصور الشعرية عندي تأتي عفو الخاطر وتساعد على إيصال أفكاري ،وربما ساهم التعليم في إبراز الصور بشكلها الرمزي.
16.كيف يوازن الدكتور غياث بين إعمال العقل وحكمته، وبين انطلاق العاطفة وجنونها في النص الواحد؟
العقل ليس بعيداً عن العاطفة فكلاهما في جسد واحد ولا يمكن لإنسان أن يعيش عقلاً وحكمة دون عاطفة ولا عاطفة دون عقل ،كلاهما يكمل الآخر.
17.هل أفسد التكسب بالمديح والشعر في العصور المختلفة رسالة الأدب السامية، وكيف يحمي الشاعر الحديث قلمه من ذلك؟
بالطبع التكسّب؛ يعني كذب المشاعر ،وقد أفسد الكثير من الأشعار .أمّا أنا ،فما كنت مدّاحاً يوماً، ولا أقول إلا ما يمليه عليّ واجبي وضميري.
المحور الرابع: فن المجارات والمعارضات الشِّعرية
18.جاريْتَ فحول الشعراء كابن المقرّب العيوني؛ ما الذي يدفع شاعراً معاصراً لدخول مباراة إبداعية مع شاعر تراثي؟
المجاراة الشعرية تبرز شخصية الشاعر ومقدرته الشعرية ،وحين أجاري شاعراً أغوص في أعماق شعره وروحه ونفسه ؛لأستطلع إبداعه .وأكتب من روح كلامه وشعره ،مع الحفاظ على خصوصيتي .
19.المعارضة الشعرية قد تقع في فخ التقليد الأعمى، كيف استطعت الحفاظ على بصمتك وشخصيتك الشامية الخاصة داخل هيكل ابن المقرب؟
لكلّ إنسان شخصيته، وحين أجاري أحداً أحاور روحه من خلال كتابته ،وأترك بصمتي وشخصيتي على مجاراتي.
20.اخترت في مجاراتك بث روح الأمل والنهار بدلاً من قتامة الحزن التراثي، هل تعمدت تحدي الفكرة العاطفية للنص الأصلي؟
نعم، لأنني لا أحب الحزن وقتامته؛ فأجعل الشمع ينير الظلمة، والحب يبعد الكره ،والأمل يدفع اليأس .
21.ما هي أصعب التحديات اللغوية التي تواجه الشاعر عندما يقرر مجاراة قصيدة عريقة ومشهورة؟
أصعب التحديات، ألا يفهم الشاعر ما أراد السلف من الشعراء ؛فلا يستطيع مجاراتهم .ومن ذلك عدم فهم المعنى ،وعدم وجود المقدرة اللغوية والمفردات والصور المناسبة.
المحور الخامس: الصالون الأدبي الرقمي وتأطير المشاعر
22.نقلت نشاطك الأدبي إلى فضاء التواصل الاجتماعي (فيسبوك) وجمعت حولك الآلاف؛ هل تعتقد أن المنصات الرقمية بديل ناجح عن الدواوين الورقية والمنابر التقليدية؟
في عصرنا هذا، قلّت قراءة الدواوين الورقية، وصار الناس يبحثون عن النص البسيط السهل والقصير. ولذلك اخذت المنصات الرقمية دورها الكبير ،مع أن الدواوين الورقية تبقى لها القيمة الكبيرة .ولذلك أوثّق قصائدي على الورق ،كما أوثقها على المنصات الرقمية.
23.قصائدك مثل (تساؤل) تلامس لوعة الفراق وصبر البين “الذي كالإبر”؛ كيف نجحت في تحويل صفحتك إلى صالون تفاعلي يبث الشجون الإنسانية المشتركة؟
أنا أتحدّث بما يعانيه البشر. فلا أقول إلا ما أعيشه ويعيشونه. ولذلك ،يتفاعل مع كتاباتي أصحاب النفوس الراقية و القضايا والشجون الإنسانية.
24.يلاحظ القارئ أنك ترفض الاستسلام للعتمة وتختم قصائدك الحزينة بنور الفجر واللقاء؛ من أين تستمد هذا التفاؤل الدمشقي؟
ربما علينا أن نتفاءل دوماً .دمشق عاشت تاريخاً من المآسي، وكانت تنتفض وتقوم من الموت كما طائر العنقاء ،.والفرق أنّ دمشق حقيقة والعنقاء خرافة. ومن هنا أجد أنّ الإنسان يجب ألّا يفقد الأمل في التغيير نحو حياة أفضل.
25.كيف يتعامل الدكتور غياث مع تعليقات وتفاعلات طلابه ومحبيه على المنصات الرقمية، وهل توجه كتاباتك القادمة بناءً على رجع صدى المتابعين؟
لله الحمد ،لا أجد تعليقات سلبية ،ومع ذلك يهمني أن أستمع للآخرين، وأنظر في تفاعلهم أو عدمه .
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.