
سلسلة «مِمّا عَرَفَهُ العرب» بقلم : نزار موسى أبو دهيم
قراءة في المُعَلَّقات العشر الطوال
القسم الأول: الوشم وصناعته وأدواته
الوشم في المُعَلَّقات: حين يصبح الجسد صفحة للنقش
لقد عرف العرب الوشم وصناعته قبل تحريمه في الإسلام، وتكشف لنا نصوص المُعَلَّقات العشر الطوال حضور هذه الصناعة في الشعر الجاهلي، لا بوصفها موضوعًا مستقلًا، وإنما من خلال صور شعرية وألفاظ دقيقة تصف الوشم وآثاره وبعض مواده وأشكاله.
لم يرد الوشم في المُعَلَّقات العشر بوصفه موضوعًا مستقلًا، لكنه ظهر في صور شعرية تكشف أن أثره كان حاضرًا في المخيلة العربية، حتى صار نموذجًا لتصوير بقاء العلامة ووضوحها على الجسد.
معنى الوشم ومواده
كما جاء تعريف الوشم في قاموس المعاني الجامع:
«وَشم: (اسم)
الجمع : وِشام و وُشوم
الوَشْمُ : ما يكون من غَرْز الإِبرة في البدن وذَرِّ النِّيلَج عليه حتى يزرقّ أَثرُه أَو يخضرّ»
وجاء في تعريف «وشَّم»:
«وشَّمَ فلانٌ يدَه ونحوَها: وشَمها؛ أي رسمها وخطَّطَها بأن غرزها بإبرة ثمَّ ذرَّ عليها دُخَّان الشَّحْم فصارت فيها رسوم وخطوط»
أما «النِّيلَج» فجاء تعريفه:
«النِّيلَجُ : الشَّحْمُ يُعالج به الوَشْمُ حتى يخضرّ
النِّيلَجُ :صِباغٌ أَزرقُ يُستخرج من ورق نبات النِّيل وهو المعروف في مصر بالنِّيلَة»
وجاء في تعريف «نيلة»:
«نيلة : (اسم)
نِيل، نِيلج، صِباغ أزرق يستخرج من ورق نبات النِّيل»
ومن خلال هذه التعريفات تتضح لنا صورة عملية الوشم كما كانت تُصوَّر في اللغة: غرز بالإبرة في الجلد، ثم وضع مادة التلوين في موضع الغرز حتى يثبت أثرها ويظهر بلون أزرق أو أخضر.
وتُخلط مع المسحوق الحجري، سواء كان مسحوق كحل الإثمد أو مسحوق ورق نبات النيلة.
الوشم في المُعَلَّقات العشر
امرؤ القيس
لا يظهر الوشم صراحة في المُعَلَّقة.
طرفة بن العبد
ورد الوشم في المُعَلَّقة.
قال:
«لِخَولَةَ أَطلالٌ بِبُرقَةِ ثَهمَدِ
تَلوحُ كَباقي الوَشمِ في ظاهِرِ اليَدِ»
يشبّه طرفة آثار الديار ببقايا الوشم التي تظل ظاهرة على ظاهر اليد. والمهم هنا أن الوشم يظهر بوصفه أثرًا باقيًا تراه العين.
فالشاعر لا يصف الوشم لذاته، وإنما يستدعيه ليجعل منه معيارًا بصريًا لبيان شدة بقاء الأثر؛ فكما تبقى آثار الوشم على الجسد بعد أن يبهت لونها، تبقى آثار الديار ماثلة للعين رغم مرور الزمن.
زهير بن أبي سلمى
ورد الوشم في المُعَلَّقة.
قال:
«وَدَارٌ لَها بِالرَّقمَتَينِ كَأَنَّها
مَراجِعُ وَشمٍ في نَواشِرِ مِعصَمِ»
في نواشر معصم: أي في منطقة المعصم، وهو الموضع الذي نضع فيه ساعة اليد، حيث تظهر العروق، وهي «النواشر».
ينقل زهير الصورة إلى هيئة الوشم وتوزع آثاره على موضع من اليد، فيجعل آثار الدار شبيهة بما تراه العين من خطوط الوشم ونقوشه.
وهنا يذكر النص نواشر المعصم، كما ذكر طرفة ظاهر اليد، ولا نثبت من المُعَلَّقات موضعًا آخر للوشم.
واللافت أن زهير لا يكتفي بفكرة الأثر الباقي، بل يستحضر هيئة الوشم وتوزع علاماته على الجلد، فتتحول آثار الدار إلى ما يشبه النقوش المتفرقة التي تراها العين على المعصم.
وهكذا يلتقي شعر طرفة وزهير في استثمار الوشم بوصفه صورة للأثر الباقي، وإن اختلفت زاوية التصوير بينهما.
لبيد بن ربيعة
ورد الوشم في المُعَلَّقة.
قال:
«أَو رَجعُ واشِمَةٍ أُسِفَّ نَؤورُها
كِفَفًا تَعَرَّضُ فَوقَهُنَّ وِشامُها»
وهنا لا يظهر الوشم بوصفه أثرًا فقط، بل تظهر الواشمة، والنؤور، والكفف، والوشام.
والواشمة هي المرأة التي تقوم بعملية الوشم، فتغرز الجلد بالإبرة وتضع مادة الوشم في مواضع الغرز.
أما «أُسِفَّ نؤورها» فتتصل بالفعل الذي يقع على مادة الوشم، أي ذرّها أو وضعها على موضع النقش بعد الغرز.
وجاء في قاموس المعاني الجامع تعريف «نؤور»:
«نؤور : دخان الشحم. – نؤور : حصاة تدق فتوضع على اللثة.»
والمقصود بدخان الشحم هنا دخان شحم السنام أو شحم الأنعام المحترق، والمعنى الأول هو المقصود في بيت لبيد، لأنه وارد في سياق الوشم.
وتظهر في صورة لبيد «الكفف» و«الوشام»، فتتسع الصورة من مجرد وجود الأثر إلى هيئة النقوش وتوزعها على الجلد.
ومن هذه الألفاظ القليلة تفتح المعلقة نافذة على جانب من صناعة الوشم: واشمة، ومادة تلوين، وخطوط، ودارات، ونقش ظاهر على الجلد.
وهنا يختلف حضور الوشم عند لبيد عن حضوره عند طرفة وزهير؛ فبينما يستعمله طرفة وزهير أساسًا لتصوير الأثر الباقي، يدخل لبيد إلى تفاصيل الصورة نفسها، فيستحضر الواشمة ومادة الوشم وأشكاله، فتغدو الصورة أكثر قربًا من مشهد النقش على الجسد.
عمرو بن كلثوم
لا يظهر الوشم صراحة في المُعَلَّقة.
عنترة بن شداد
لا يظهر الوشم صراحة في المُعَلَّقة.
الحارث بن حلزة
لا يظهر الوشم صراحة في المُعَلَّقة.
الأعشى
لا يظهر الوشم صراحة في المُعَلَّقة.
النابغة الذبياني
لا يظهر الوشم صراحة في المُعَلَّقة.
عبيد بن الأبرص
لا يظهر الوشم صراحة في المُعَلَّقة.
الوشم بين الأثر والزينة
عند جمع هذه المواضع، يتضح أن الوشم في المُعَلَّقات لا يأتي بوصفه موضوعًا قائمًا بذاته، وإنما يظهر داخل بنية الصورة الشعرية.
فعند طرفة، يصبح الوشم نموذجًا لبقاء أثر الديار، وعند زهير يصبح صورة لهيئة النقش وتوزعه على المعصم، أما عند لبيد فتتسع الصورة لتكشف عن الواشمة ومادة الوشم وأشكاله.
وهذا يمنح الوشم وظيفة شعرية تتجاوز مجرد الإشارة إلى الزينة. فالوشم علامة تثبت على الجسد، ولذلك كان صالحًا لأن يتحول إلى صورة شعرية للأثر الذي يقاوم المحو.
فالجسد يحمل العلامة، والأرض تحمل الأثر، والقصيدة تجمع بينهما في صورة واحدة: شيء كان حاضرًا ثم مضى، لكن علامته بقيت.
فالشاعر الجاهلي استطاع أن يحوّل تفصيلًا حسيًا من تفاصيل الحياة اليومية إلى أداة فنية للتعبير عن الزمن والذاكرة وبقاء الأثر.
حدود ما يسمح به النص
لكن المُعَلَّقات لا تخبرنا صراحة عن جميع تفاصيل هذه الصناعة، ولا عن وظيفتها الاجتماعية أو أسبابها أو انتشارها؛ ولذلك ينبغي أن نقف عند حدود ما يسمح به النص.
إن ما نستطيع إثباته من المُعَلَّقات هو حضور صورة الوشم في شعر طرفة وزهير ولبيد، وما ارتبط بها من ألفاظ وصور. أما بناء تصور شامل عن تاريخ الوشم في المجتمع العربي القديم، أي المجتمع الجاهلي ما قبل الإسلام، وقبل أن يأتي الإسلام بتحريم الوشم كما ورد في الأحاديث النبوية الشريفة، أو تحديد أغراضه الاجتماعية ومكانته وانتشاره، فيحتاج إلى الرجوع إلى مصادر أخرى من كتب اللغة والمعاجم والأخبار والآثار.
خلاصة
وهكذا يكشف الوشم في المُعَلَّقات عن فكرة أعمق من الزينة: إنه أثر يثبت على الجسد، حتى يصبح مثالًا شعريًا لبقاء العلامة بعد مرور الزمن.
فالوشم عند هؤلاء الشعراء ليس مجرد نقش على الجلد؛ إنه صورة للذاكرة نفسها. أثر يبهت ولا يختفي، وعلامة تصمد حين يزول ما حولها.
ولعل أجمل ما تكشفه هذه الصور أن الشاعر الجاهلي استطاع أن يحوّل تفصيلًا حسيًا من تفاصيل الحياة اليومية إلى أداة فنية للتعبير عن الزمن والذاكرة وبقاء الأثر.
فكما يبقى الوشم على ظاهر اليد أو نواشر المعصم، تبقى أطلال المكان في الذاكرة؛ وكما يحمل الجسد علامة الماضي، تحمل القصيدة آثار عالم مضى.
وهنا يصبح الجسد صفحة للنقش، وتصبح القصيدة صفحة أخرى تحفظ ما كاد الزمن أن يمحوه.
وهذا هو ما ورد في المُعَلَّقات العشر، وليس حكمًا على ما عرفه العرب في أشعارهم كلها؛ إذ إن أساس هذه السلسلة قائم على قاعدة «مما عرفه العرب» وفق استقراء المُعَلَّقات العشر فقط، والوقوف عند ما حفظته لنا نصوصها، دون أن يتجاوز ذلك إلى نسبة الأمر إلى الشعر العربي عامة.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.