
الحمار يدخل التاريخ ، بقلم : نزار موسى أبو دهيم
رحلة من الجاهلية إلى شاشات السينما
من كان يظن أن نهيق حمار يمكن أن يتحول إلى شعر، ثم إلى نقد، ثم إلى حكاية وطرفة، ثم إلى صورة على شاشة السينما؟
ذلك الحيوان الذي رافق الإنسان في الطريق والحقل والسفر، وحمل متاعه وأثقاله، لم يبقَ خارج عالم الثقافة العربية؛ بل دخل اللغة والشعر والأمثال والحكايات، حتى أصبح له حضور في النقد الأدبي، ثم انتقل من صفحات الكتب إلى عالم الحكاية وشاشة السينما.
إنها رحلة طويلة، بدأت بصوت في الصحراء، وانتهت بصورة يعرفها المشاهد العربي.
الشماخ… حين صار النهيق شعرًا
من اللافت في الشعر العربي القديم أن الشاعر لم يكن يكتفي أحيانًا بذكر الحيوان، بل كان يتوقف عند تفاصيل حركته وصوته، وكأنه يرسمه بالكلمات.
ومن هؤلاء الشماخ بن ضرار الغطفاني، الشاعر المخضرم الذي أدرك الجاهلية والإسلام وأسلم، وكان له مكان بارز بين شعراء عصره، حتى وضعه بعض النقاد في منزلة عالية بين الشعراء.
وفي وصفه لنهيق الحمار يقول:
إِذا نَبَرَ التَّعْشيرُ نَبْرًا كَأَنَّهُ
بِقارِحِهِ مِنْ خَلْفِ ناجِذِهِ شَجِيُّ
بَعيدُ مَدَى التَّطْريبِ أَوَّلُ صَوتِهِ
سَحيلٌ وَأَدْناهُ شَحيجٌ مُحَشْرَجُ
نحن أمام شاعر يتعامل مع الصوت نفسه بوصفه مادة شعرية.
إنه، في هذه اللحظة، يبدو كأنه مهندسٌ للصوت؛ يفككه، ويعيد تركيبه، ويرصد بدايته ونهايته، ويمنح كل تحول فيه اسمًا ودلالة.
فالصوت عنده ليس كتلة واحدة.
هناك بداية، وهناك امتداد، وهناك خشونة، وهناك تغير في النبرة، وهناك نهاية.
هنا لا يقول الشماخ ببساطة: «نهق الحمار».
إنه يصغي إلى الصوت نفسه، ويرصد مراحله وتحولاته؛ فالنهيق عنده ليس صوتًا واحدًا عابرًا، بل له بداية وامتداد ونهاية، وله خشونة وبُحّة وترجيع.
وهكذا يتحول صوت الحيوان إلى مادة شعرية دقيقة، حتى يكاد القارئ يسمع النهيق وهو يقرأ الأبيات.
لبيد… الحمار في قلب المعركة
أما لبيد بن ربيعة، صاحب المعلقة الشهيرة، فقد قدّم صورة مختلفة للحمار الوحشي؛ صورة تقوم على الحركة والصراع والقوة.
يقول:
أَوْ مُلْمِعٌ وَسَقَتْ لِأَحْقَبَ لَاحَهُ
طَرْدُ الْفُحُولِ وَضَرْبُهَا وَكِدَامُهَا
يَعْلُو بِهَا حُدُبَ الإِكَامِ مُسَحَّجٌ
قَدْ رَابَهُ عِصْيَانُهَا وَوِحَامُهَا
بِأَحْزَّةِ الثَّلَبُوتِ يَرْبَأُ فَوْقَهَا
قَفْرَ الْمَرَاقِبِ خَوْفُهَا آرَامُهَا
في هذا المشهد تظهر الأتان، أي أنثى الحمار الوحشي، ويظهر معها فحلها الذي يغار عليها ويدافع عنها.
إنه حمار وحشي ليس مجرد عنصر في منظر طبيعي؛ بل كائن له غيرة وغضب ودفاع وصراع.
ويصف لبيد الفحل وهو يصعد المرتفعات، وقد أثرت فيه آثار القتال والجراح والخدوش، نتيجة دفاعه عن أتانِه ومواجهته للفحول الأخرى.
وهنا تتضح زاوية أخرى من حضور الحمار في الشعر الجاهلي: فإذا كان الشماخ قد جعلنا نسمع الحمار، فإن لبيد يجعلنا نراه يتحرك ويقاتل ويصعد الجبل.
بين الصوت والجسد، وبين النهيق والحركة، كان الحمار قد بدأ يأخذ مساحة حقيقية في المخيلة الشعرية العربية.
من الصحراء إلى مختبر النقد
ولم يتوقف الأمر عند الشعراء.
فقد دخل الحمار أيضًا إلى كتب النقد العربي، وأصبح شاهدًا على قضية أدبية وبلاغية.
ومن أشهر المواضع التي تستحق التوقف ما أورده قدامة بن جعفر في كتابه «نقد الشعر»،باب النعت حين يقول:
«ومنه بيتان للشماخ يذكر نهيق الحمار»
ثم يورد بيتي الشماخ في وصف النهيق.
وهنا تحدث مفارقة جميلة:
ذلك الصوت الذي خرج من حنجرة حمار في الصحراء، التقطه الشاعر وحوّله إلى شعر، ثم التقطه الناقد بعد ذلك وحوّله إلى شاهد نقدي.
أي أن الحمار لم يعد مجرد حيوان في قصيدة؛ لقد أصبح مثالًا يُستشهد به في كتاب من كتب النقد العربي.
والكتاب المقصود هو «نقد الشعر» لقدامة بن جعفر، في طبعته الأولى الصادرة عن مطبعة الجوائب بقسطنطينية سنة 1302هـ، في 93 صفحة.
وهكذا انتقل الحمار من فضاء الصحراء إلى فضاء النقد.
«لو كان شعري شعيرًا لاستطابته الحمير»
ثم تظهر صورة أخرى للحمار في الذاكرة الأدبية الساخرة، في العبارة المتداولة:
«لو كان شعري شعيرًا لاستطابته الحمير.»
وهي عبارة تُروى في بعض المصادر على أنها من قول ابن الرومي، وتُنسب كذلك إلى ابن لنكك البصري، ولذلك فالأحوط ألا نجزم بنسبة القول إلى أحدهما.
لكن قيمة العبارة لا تتوقف على صاحبها.
ففيها مفارقة ساخرة تقوم على تحويل الشعر إلى شعير، وعلى تخيل أن الشاعر لو جعل شعره شعيرًا لاستطابته الحمير.
الحمار هنا لم يعد موضوعًا للوصف كما عند الشماخ ولبيد، بل أصبح طرفًا في السخرية الأدبية، وأداة لإنتاج المفارقة.
جحا وحميره… حين أصبح الحمار جزءًا من تاريخ الطرائف والنوادر
ومع انتقال الثقافة العربية من فضاء القصيدة إلى فضاء الحكاية والطرفة، بقي الحمار حاضرًا.
ولعل أشهر الأسماء المرتبطة بهذا الحضور هو جحا.
ارتبطت شخصية جحا في الذاكرة الشعبية بعدد كبير من النوادر، وكان الحمار رفيقًا متكررًا في هذه الحكايات.
ومن أشهرها حكاية جحا وابنه وحماره، حيث تتبدل طريقة ركوب الحمار ومشيهما كلما سمعا تعليقًا من أحد المارة؛ فإذا ركب جحا وحده عابه الناس، وإذا ركب ابنه وحده عابوه، وإذا ركبا معًا عابوهما، وإذا مشيا خلف الحمار لم يسلما من الكلام، حتى تنتهي الحكاية إلى مفارقة ساخرة تكشف استحالة إرضاء الناس جميعًا.
وقد تعددت روايات هذه الحكاية وتفاصيلها، كما تعددت النوادر المنسوبة إلى جحا، ولذلك فالمقصود هنا ليس إثبات الحكاية بوصفها واقعة تاريخية، وإنما تتبع حضور الحمار في تراث الطرفة والنوادر.
وهنا يدخل الحمار مرحلة جديدة من رحلته:
لم يعد حيوانًا يصفه الشاعر، ولا شاهدًا يستعمله الناقد، ولا أداة للمفارقة في بيت ساخر؛ بل أصبح شخصيةً مرافقة في الحكاية الشعبية.
الحمار… وGPS الذي سبق عصره
وربما كان من أكثر ما ظلمنا فيه أننا اختصرناه في صورة الحيوان البليد.
فالحمار الذي عاش طويلًا إلى جوار الإنسان كان يمتلك قدرة لافتة على تذكّر الطرق والعودة إلى الأماكن التي ألفها. وفي الرحلات القديمة، لم يكن الإنسان يعتمد دائمًا على الخرائط كما نعرفها اليوم؛ كان الطريق يُحفظ بالعلامات، وبالذاكرة، وبمعرفة الحيوان نفسه بالمكان.
ولذلك ارتبط الحمار في التجربة الشعبية بقدرته على العودة إلى مألوفه، حتى ليبدو أحيانًا كأنه يحمل في رأسه خريطة لا نراها.
ولو أردنا أن نسخر من الأمر قليلًا، لقلنا: كان لدى الإنسان قديمًا GPS غريب الطراز… حمار يعرف طريق الدار!
فربما لم يكن الحمار يحتاج إلى أن يسأل: «أين نحن؟»
كان يعرف ببساطة: «إلى أين نعود؟»
ومن الكتب إلى الشاشة
ومع انتقال الحكاية العربية من الكتب والمجالس إلى المسرح والسينما، لم يختفِ الحمار.
بل انتقل معه إلى الصورة.
وفي السينما المصرية، وخصوصًا في الأعمال التي تستحضر البيئة الريفية والشعبية، ظهر الحمار بوصفه جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية؛ فهو وسيلة للنقل، ورفيق للفلاح، وعنصر حاضر في المشهد الشعبي، وأحيانًا وسيلة لصناعة المفارقة والكوميديا.
وهنا تكتمل دائرة غريبة:
الحيوان الذي كان يمشي في طرق الصحراء القديمة أصبح جزءًا من الصورة السينمائية الحديثة.
لقد تغير الوسط، لكن الحضور بقي.
من القصيدة إلى الحكاية، ومن الحكاية إلى الشاشة.
لماذا بقي الحمار؟
ربما لأن الحمار يمتلك شيئًا نادرًا في علاقتنا بالحيوانات.
إنه قريب منا أكثر مما نتصور.
لم يكن حيوانًا أسطوريًا بعيدًا عن الإنسان.
كان أمامه.
في طريقه.
في حقله.
في سفره.
في يومه العادي.
ولهذا استطاع أن يدخل الأدب من الباب نفسه الذي دخل منه إلى الحياة.
الحيوان الذي يعرفه الإنسان عن قرب، ويسمع صوته، ويرى مشيته، ويستعين به في حمله وسفره، يصبح مادة طبيعية للذاكرة الأدبية والشعبية.
ولذلك لم يكن غريبًا أن يبدأ حضوره من النهيق، ثم ينتقل إلى الوصف، ثم إلى النقد، ثم إلى السخرية والطرفة، ثم يصل في النهاية إلى السينما.
من النهيق إلى التاريخ
من نهيقٍ سمعه الشماخ، إلى جسدٍ رسمه لبيد وهو يقاتل دفاعًا عن أتانِه، إلى بيتٍ حفظه النقد عند قدامة، إلى مثلٍ ساخرٍ في الذاكرة الأدبية، إلى جحا وحماره في عالم الطرائف والنوادر، ثم إلى صورة على شاشة السينما.
هكذا لم يكن الحمار مجرد حيوان مرّ في التراث العربي.
لقد كان حاضرًا في تفاصيل الحياة، ولذلك بقي حاضرًا في اللغة.
وحين دخل اللغة، دخل الشعر.
وحين دخل الشعر، دخل النقد.
وحين دخل الحكاية، دخل الطرفة.
وحين دخل الطرفة، وجد طريقه إلى الشاشة.
وهكذا دخل الحمار التاريخ.
لكن التاريخ يقول شيئًا آخر.
حيوان حمل الإنسان، وساعده في السفر والعمل، ودخل شعره وحكاياته وأمثاله وسينماه، وامتلك ذاكرة وقدرة على التعلم… ثم اختصره الإنسان كله في كلمة «يا حمار».
ربما آن الأوان لإعادة النظر في القضية.
فقد لا يكون الحمار غبيًا كما اعتقدنا؛ ربما كان فقط سيئ العلاقات العامة… أو أن الإنسان كان مستعجلًا أكثر من اللازم!
ومن يدري؟
ربما يرجع عهد اقتناء الحمير قريبًا.
ليس إلى عصر القوافل هذه المرة، بل إلى زمن يبحث فيه الإنسان عن وسائل نقل أبسط، وأقل كلفة، وأكثر قدرة على التكيف مع الطرق والبيئات.
وعندها قد نكتشف المفارقة الأخيرة:
الحمار الذي ضحكنا عليه طويلًا، ربما يعود ليعلّمنا كيف نمشي من جديد.
نزار موسى أبو دهيم
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.