3:11 مساءً / 4 سبتمبر، 2026
آخر الاخبار

حارس الحكاية الليبية: الإعلامي والروائي فتحي محمد مسعود في حوار مفتوح حول سحر السرد وشغف الميكروفون

حارس الحكاية الليبية: الإعلامي والروائي فتحي محمد مسعود في حوار مفتوح حول سحر السرد وشغف الميكروفون

شفا – حارس الحكاية الليبية: الإعلامي والروائي فتحي محمد مسعود في حوار مفتوح حول سحر السرد وشغف الميكروفون حوار:عطا درغام


في المشهد الثقافي الليبي المعاصر، يبرز اسم الأديب والإعلامي فتحي محمد مسعود كأحد الأصوات الدؤوبة التي تجمع بين عمق الكلمة المكتوبة وحيوية الأثير الإذاعي. من طبرق التي تنفس تاريخها، صاغ مسعود عوالمه الروائية مثل “الميتافيزيقا” و”لن ترضى عنك روما”، بالتوازي مع إدارته لدفة الحوارات الثقافية عبر راديو طبرق. في هذا الحوار، نبحر معه في خمسة محاور تجمع بين مختبره الروائي، هويته الإعلامية، وإنتاجه الغزير، لنكشف عن كواليس مشروعه الإبداعي.
المحور الأول: الفلسفة السردية والمختبر الروائي
الميتافيزيقيا تدور أحداثها حول سؤال: أين تقع الروح في الجسد؟ هل في الرأس أم في القلب؟ كان هذا هو السؤال المحوري الذي تدور حوله الرواية، ومؤكد أن سؤالًا مثل هذا سيكون جذابًا للقارئ.
البطل أجرى، دون أن يخبرنا، عمليات لزراعة القلب، كما أجرى عملية أيضًا لزراعة رأس ذئب في جسد كلب، وعاش الكلب أو الذئب ثمانية عشر يومًا.أيضًا، تدور معظم أحداث الرواية في أستراليا، وبعضها في بريطانيا، ولكن بنسبة أقل، وكذلك في الهند. واخترت أستراليا لمعرفتي بطبيعة المنطقة المختارة، وتدور أحداث الرواية قبيل الحرب العالمية الثانية. كل هذا خدم النص الفلسفي.
في “أسطورة شفاء جرف” و”أوره سالم”، نلحظ ميلاً لتوظيف الأسطورة والتاريخ، ما الحدود الفاصلة في مشروعكم بين الحقيقة التاريخية والخيال الروائي المحض؟
توظيف التاريخ في أسطورة أوره سالم كان للهروب من الواقع ومن عين المراقبة، لكن الرواية تتحدث عن عصرنا الآن. وهي سياسية بامتياز، وتتحدث عن البطل الذي فقدناه في وطننا العربي؛ عن البطل الذي يخدم من أجل المواطن، وليس من أجل أن ينال الكرسي.أما رواية شفا جرف، فتطرح نظرية الإلحاد والسحر والفلسفة، وكيف يمكن للشيخ، أي مُحفِّظ القرآن، أو المدرس، أن يخطئ في تعامله مع أطفالنا، فيجعل منهم ملحدين أو متطرفين. لذا تنصح الرواية بضرورة متابعة من يعلّم أطفالنا، حتى لا يكونوا مثل حال الدكتور وسيم، بطل الرواية.
يتهم البعض الرواية الليبية المعاصرة بالانغلاق على المحلية، كيف توازن في أعمالك بين الخصوصية الليبية والهوية الإنسانية الشاملة؟
مؤكد، عندما أكتب عن رواية، أتأثر بما يدور حولي محليًا، وبما يدور في العالم عامة، والعالم الآن أصبح قرية صغيرة جدًا.
تحدثت عن بريطانيا في أكثر من رواية؛ ففي رواية إيروس، على سبيل المثال، تحدثت عن المواطن الإنجليزي وما يعانيه من فراغ روحي، وكيف يفر من فكرة الزواج أو الارتباط، ولماذا أصبح يفضل علاقة الصداقة مع النساء على الزواج.
وفي رواية خليفة النمرود، وهي الأخيرة، أحدثت ضجة كبيرة؛ لأنني تحدثت فيها عن الرجل الذي حكم العالم كما يشاء، وأظهرت فيها أن هناك مجموعة معينة هي التي تسيطر على مجريات الأحداث.
ومن يروي هذه الأحداث أبٌ عمل في السلك الدبلوماسي في نظام القذافي، وابنه المصاب بسرطان في الدماغ، وكيف تدخلت ملكة بريطانيا، وهي من تكفلت بعلاجه.

  • الانتقال من “حكايات حكيم” في بداياتكم إلى رواية “السرداب” عام 2024 يُظهر نضجاً بنيوياً واضحاً، ما الذي تغير في طقوس كتابتكم وتصوركم لبناء الشخصيات عبر هذه السنوات؟
    مؤكد أن تفكيري تطور، وكذلك نظرتي إلى الحياة. أصبحت أركز في هذه المرحلة على نفسية الإنسان أكثر من ذي قبل، كما أحاول أن أجعل لكل شخصية كيانًا مستقلًا.وفي هذه الرواية تحديدًا، حاولت أن أدخل إلى علم الجن. كما أن لدي رواية حاولت فيها مجاراة الأديب العالمي جبران خليل جبران، وهي رواية “بروبر”
    طقوسي في الكتابة:
    كنت في البداية لا أكتب إلا في الليل، وخصوصًا في فصل الشتاء، عندما تكون الأسرة نائمة.أما في السرداب وما بعدها، فأكتب طوال اليوم إن لم يكن لدي عمل. وأنا بطبيعتي معظم عملي في الشتاء والخريف؛ لأنني معلم لمادة الجغرافيا، لكن في السرداب وغيرها أصبحت أكتب في الصيف، بل وفي كل فصول السنة، سواء كان أهل البيت موجودين أم غير موجودين.
    عوالمك الروائية غالباً ما تحمل مسحة من الغموض والتشويق، هل ترى في هذا الأسلوب وسيلة لجذب القارئ أم أنه انعكاس لرؤيتكم الفلسفية للواقع؟
    أتعمد الغموض، و هذا الغموض هو من يشد القارئ حتى يحب ما بين يديه وأجعله يفكر وأحيانًا يتعاطف مع الشخصية ،وأحيانا يبغضها .هذا كله يجعل القارئ الليبي والعربي يقرأ حتى آخر سطر .وكثير مما توصل معي يقول:” تمنيت أن الرواية لم تنته”، فأنا دائما أحاولأان اشد القارئ من أول سطر ، وهذا كماأاشد البعض أن أتميز به
    المحور الثاني: ميكروفون الإذاعة وشغف الإعلام الثقافي
    1.تقفون خلف الميكروفون في إذاعة طبرق المحلية لسنوات، كيف يؤثر “الإيجاز” الإذاعي وسرعة الإيقاع على “استرسال” الكاتب الروائي بداخلك؟
    كانت الإذاعة محطة فارقة في مسيرتي، وأدين بمدخلي إليها عبر راديو طبرق للدكتور حسن الدمنهوري الذي قدمني لهذا المجال. هناك، وجدت الفرصة سانحة لأسير على خطى الأديب الكبير الدكتور عبد الله مليطان، متأثرًا بتجربته الإعلامية والأدبية الملهمة في التسعينيات؛ حيث انطلقت رحلتي في رمضان 2017 بتقديم برنامج «محطات أدبية» محاكيًا برناجَ الدكتور مليطان. ثم تتالت البرامج لتشمل: «الهوية الليبية»، و«براعم الأمل» الـمُخصص لإبراز مواهب الأطفال، و«شموع» الذي يُكرم نخبة المبدعين والرواد ممن تركوا أثرًا في تاريخ مدينتي، وصولًا إلى «ثورة فكرية» و«مرافئ». إن العمل الإذاعي والتواصل مع هذه القامات قد أثرى حياتي الفكرية، وغذّى شغفي الدائم باكتشاف كل جديد وطريف في مختلف العلوم ماضيها وحاضرها؛ لذا أعتبر هذه التجربة إضافة نوعية ومحورية في مسيرتي.”
    كمعد ومقدم برامج، ما هو السؤال الذي تطرحه دائماً على ضيوفك من المبدعين، ولم تجد له إجابة شافية حتى الآن؟
    الجرأة كانت الغائب الأكبر عن كثير من الضيوف.ولعل ذلك لم يكن عجزًا عن القول، بقدر ما كان انعكاسًا للبيئة التي نعيش فيها؛ فنحن مجتمع قبلي للكلمة فيه حساباتها، وللرأي أحيانًا أثمانه. ثم تأتي الظروف السياسية التي مرت بها ليبيا، وما تركته من ظلال ثقيلة على مساحة التعبير. لذلك أقول دائمًا إن الحرية في ليبيا ما زالت حلمًا لم يكتمل.
    أما إدارة الحلقة، فأراها أمرًا بسيطًا بالنسبة إلى الإعلامي، لكن الأمر يختلف عندما أجلس أمام روائي. حينها لا أكتفي بما أسمعه بأذني، بل أحاول أن أسمع ما وراء الكلمات، وأن أتخيل الروائي وهو يبني عوالمه وشخصياته، وأدخل معه إلى المساحات التي لا تظهر في النص بسهولة.
    من خلال منبركم الإذاعي، كيف تقيمون الحراك الثقافي الحالي في الشرق الليبي، وهل نجحت الإذاعات المحلية في ردم الفجوة بين المبدع والجمهور؟
    وأعتقد أن الإذاعة، رغم كل ما قدمته، لم تنجح بصورة كاملة في ردم الفجوة بين المبدع والجمهور. والسبب في ذلك يعود إلى عوامل كثيرة، يأتي في مقدمتها الوضع الاقتصادي الذي تمر به البلاد؛ فالمواطن أصبح مشغولًا بمعركة يومية من أجل لقمة العيش، وحين تصبح الحياة نفسها معركة، تتراجع أشياء كثيرة، وتصبح القراءة في مؤخرة قائمة الاهتمامات.
    ثم إن المواطن الليبي لا يزال يميل إلى الاستماع أكثر من القراءة، ولذلك كان من الممكن للإذاعة أن تكون جسرًا حقيقيًا بين الكاتب والقارئ، وبين المبدع والجمهور.
    وكان لدينا في السنوات الماضية مركز ثقافي يجتمع فيه المثقفون والكتاب، ويتحاورون ويناقشون ويبحثون عن حلول، وكان المكان أشبه ببيت مفتوح للفكرة. لكن هذا المركز أُغلق بتدخل من البلدية، وتحول إلى شيء آخر يخص البلدية، وبإغلاقه خسرنا مساحة كانت تجمع أهل الثقافة والفكر تحت سقف واحد.
    المحور الثالث: ببليوغرافيا غنية وتنوع الإنتاج الأدبي
    1.أصدرتم أعمالاً تتنوع بين القصة والرواية والنصوص الوجدانية مثل “أنين.. من حنايا القلب”، في أي هذه القوالب يجد فتحي محمد مسعود حريته المطلقة؟
    أما عن التنوع في أعمالي، فأعتقد أن الحياة نفسها هي التي صنعت هذا التنوع.أنا أكتب مما أراه وأشعر به، وأحيانًا تأتي الفكرة من وجع عابر، أو من مشهد صغير لا يلتفت إليه أحد.
    وأرى أن أنين من حنايا القلب كان الأكثر صدقًا بين أعمالي؛ لأن ما كتبته فيه كان وليد اللحظة، خرج دون رتوش أو محاولات للتجميل. كان خوفًا وألمًا، وأحيانًا فرحًا، ولذلك أشعر أنه الأقرب إلى الواقع بكل ما يحمله الواقع من تناقضات.
    أما القصة القصيرة، فأنا لم أجرب كتابتها، ولا أقول إنني أجيدها، بل أراها من أصعب الأجناس الأدبية، وربما تأتي بعد الشعر في صعوبتها. فأنا بطبيعتي لا أحب القيود، والرواية تمنحني المساحة التي أبحث عنها؛ أقدم الأحداث أو أؤخرها، أفتح بابًا ثم أغلقه، وأترك شخصية تتقدم وأخرى تتراجع، دون أن أشعر أن هناك سياجًا يفرض عليّ كيف أكتب.
    في الرواية أشعر أنني حر. حرية مطلقة.وقبل أن أبدأ الكتابة، أبدأ أولًا بالتفكير في مشروع الرواية، ثم أبحث عن المكان الذي يمكن أن أبني فيه عالمي. أحيانًا أقضي فترة أبحث في الطب، لأنني أحتاج إلى معلومة أو فكرة تقودني إلى ما أريد، كما حدث في «الميتافيزيقيا»، وموسيقى بلا أوتار ، وخليفة النمرود.
    وأحيانًا يأخذني البحث إلى الطب النفسي، كما حدث في عطرشان وإيروس. وبعد ذلك لا أبدأ الكتابة إلا عندما أشعر أن الفكرة قد اكتملت في داخلي، وعندها يصبح الأمر أشبه بفتح الباب؛ تدخل الشخصيات، وتتحرك الأحداث، وأجد نفسي أكتب حتى يكتمل العالم.
    ولهذا قد لا يستغرق إنجاز الرواية أكثر من شهرين أو ثلاثة، لأن مرحلة الكتابة عندي تأتي بعد أن تكون الفكرة قد نضجت وأصبحت واضحة.
    وأحيانًا لا تحتاج الرواية إلى أكثر من لحظة.
    ذات مرة، وبينما كنت أمر في السوق، رأيت امرأة تحمل في عينيها كآبة وحزنًا شديدًا. لم أعرفها، ولم أتحدث إليها، لكن عينيها تركتا في داخلي أثرًا عميقًا. وفي اللحظة نفسها جاءتني فكرة رواية: امرأة على حافة الموت .
    هكذا أكتب؛ لا أعتمد على الإلهام وحده، ولا على التخطيط وحده، وإنما أمزج بين الاثنين. فقد تأتي شرارة الرواية من امرأة عابرة في سوق، أو من جملة أسمعها، أو من سؤال يؤرقني، ثم يأتي التخطيط ليمنح تلك الشرارة جسدًا، ويحوّلها من لحظة عابرة إلى عالم كامل من الشخصيات والأحداث.
    فالروائي، في رأيي، لا يبحث دائمًا عن الرواية؛ أحيانًا تكون الرواية هي التي تبحث عنه.
    في رواية “لن ترضى عنك روما”، يحضر التاريخ السياسي بظلاله، ما هي الرسالة الفكرية التي أردت تمريرها من خلال هذا العنوان الصادم والمباشر؟
    إن الشدائد القاسية وحدها هي التي تصقل معادن الرجال وتصنع الأبطال. وإن الأوطان لا تُقاس بميزان ولا تُثمّن بثمن.
    لقد تعمدت أقلام التاريخ أن تطمس أسماء من بذلوا أرواحهم رخيصة فداءً لليبيا.للأسف، ونحن لا نزال على قيد الحياة، رأينا بأعيننا من يزور الحقائق ويعيد كتابة الماضي على هواه، فكان لزاماً علينا أن نكتب هذا الكتاب شهادة للتاريخ.
    كما رأينا كيف استباح العدو الإيطالي الغاشم الأرض والعرض بكل وحشية، والعالم يقف متفرجاً صامتاً. فماذا قدمنا نحن الأحفاد لوطن دفع فيه الأجداد كل شيء؟
    وأقولها بفخر وألم: إن طبرق وإقليم البطنان قدما الكثير، ولا يزالان يعطيان،
    رغم أن أبناءهما تجرعوا مرارة التهميش قرناً بعد قرن.
  • عملكم الصادر حديثاً “عرين الكرامة (2025)”، هل يمكن اعتباره توثيقاً روائياً لتحولات الواقع الليبي المعاصر، أم أنه يسبح في فلك رمزي آخر؟
    في هذه الرواية الرمزية، وضعتُ ليبيا على ميزان المقارنة مع السويد، عبر حكوماتها المتعاقبة.
    وطن أنهكته العشوائية والتخبط، مقابل وطن بنته العقول واحترمت الإنسان. ومن خلال السطور اكتشفت حقيقة موجعة:
    أن الجهل هو أخطر سلاح على الإطلاق… أخطر من النووي والذري. فهو سلاح صامت، يقتل الوعي أولاً، ثم يدفع بالإنسان إلى أن يرفع يده على أخيه، ويقتل أبناء جلدته وهو يظن أنه يدافع عن الحق. توصلت إلى يقين لا يتزعزع: أن كرامة الإنسان هي تاج الأوطان، إذا ما هُدرت الكرامة، ضاع الوطن، وضاع التاريخ، وضاع كل شيء.
    مع هذا التنوع الممتد من 2013 وحتى اليوم، كيف تضمن ألا تقع نصوصك الجديدة في فخ تكرار التيمات أو الأفكار السابقة؟
    منهجي واحد لا يتغير. أحياناً تمر الأيام ثم أعود إلى رواية قديمة، فأكتشف أن الفكرة التي حملتها لم تنضج بعد، فأمنحها حياة جديدة.
    وهذا ما حدث معي في “الميتافيزيقيا” و “موسيقى بلا أوتار”.في الأولى بحثت عن موطن الروح في الجسد. وفي الثانية طرحت سؤالاً مؤلماً: إذا استبدلنا قلب الإنسان، فمن الذي بقي حياً ومن الذي مات؟
    ثم تساءلت: هل الذاكرة والعقل يسكنان القلب أم المخ؟ قد تظن أنهما متشابهتان، لكن الحقيقة أنهما مختلفتان. أو لعلهما وجهان لفكرة واحدة، تكمل إحداهما الأخرى.
    المحور الرابع: الأنشطة الثقافية والمشهد العام
    1.بصفتكم فاعلاً في المشهد الثقافي الليبي، ما الذي ينقص الكاتب الروائي في ليبيا اليوم ليحقق الانتشار العربي والدولي الذي يستحقه؟
    بالعكس تماماً. كما قلت لحضرتك في السابق الرواية الليبية حاضرة بقوة في الوطن العربي والعالم. خير دليل على ذلك تصنيف رواية “الكوني” ضمن أفضل مائة رواية عربية. كذلك أعمال الراحلين الكبيرين الصادق النيهوم و أحمد إبراهيم الفقيه. ولا ننسى محمد النعاس الحاصل على جائزة البوكر، والروائية نجوى بن شتوان. كل هذه الأسماء شواهد حيّة على قوة الرواية الليبية، وعلى مكانتها الراسخة عربياً وعالمياً.
    الجوائز الأدبية (كجائزة طيوب التي نلتموها) تشكل دفعة معنوية كبيرة، لكن هل ترى أنها أحياناً تخلق حالة من التنافس المستقطب في الوسط الثقافي؟
    لتنافس مطلوب، بل هو ضرورة. فالتنافس وحده هو الذي يفرز لنا أفضل الأعمال وأجودها. في ظل التنافس الحقي سنرى النقاد الحقيقيين، وسنرى القراء،هذا هو المطلوب بعينه.أما ما نعيشه اليوم فهو موت بطيء. موت سببه غياب المنافسة، وغياب الناقد الجيد، وتناقص أعداد القراء.
  • • الندوات والملتقيات الأدبية في طبرق وخارجها، هل ما زالت قادرة على إنتاج وعي حقيقي أم أنها تحولت إلى طقوس احتفالية بروتوكولية؟
    بل طقوس احتفالية بروتوكولية وهذا إن وجدت
    كيف تصف علاقة جيلكم الأدبي بالجيل الروائي الليبي الرائد (مثل الكوني والفقيه)، هل هي علاقة امتداد وتطوير أم رغبة في التمرد والتجاوز؟
    بل علاقة امتداد وتطوير وانا شخصيا أتمنى أن اصل لما وصل له اديبنا العالمي إبراهيم الكوني سيظل حلم أحاول الإمساك به.
    • في ظل غياب حركة نقدية مواكبة وممنهجة في ليبيا، كيف يستدل فتحي مسعود على عيوب ونقاط قوة نصوصه بعد صدوره
    سؤال جوهري، لا يمكن الإجابة عليه دون الرجوع إلى أهل الاختصاص. اعتمدتُ فيه على آراء نخبة من النقاد في الشقيقة العزيزة مصر، ومنهم أديبنا الكبير سليمان محمود المتخصص في الأدب الفرنسي، والقاص والناقد رزق فرج رزق، والأستاذ الأديب رامز النويسري، ودكتورنا الغالي عبدالله مليطان الذي آمن بي منذ انطلاقتي الأولى..
    المحور الخامس: رؤى مستقبلية وشهادة على العصر
    ونحن نعيش في عام 2026، كيف ترى تأثير الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا على مستقبل السرد الروائي، وهل تخشى على “أصالة” النص الأدبي؟
    كلا، سيظل للحكي البشري نبض لا يموت، وروح لا يستطيع الخوارزمي أن يقلدها، وطعم لا تستطيع الآلة استنساخه. لكن… ما المانع أن نمد يدنا للتكنولوجيا؟ لقد اقتحمت كل الميادين. وأنا ممن يؤمنون بالانفتاح، وبأن نأخذ من الجديد ما يخدم قلمنا، لا ما يلغي وجودنا.
    • ما هي الحكاية أو القضية الليبية التي تشعر أنك لم تمنحها حقها الكامل بعد في رواياتك، وتعتبرها مشروعك القادم؟
    المواضيع كثيرة صراحة. منها على سبيل المثال: الأخت الكبرى التي تضحي من أجل إخوتها، وخاصة بعد وفاة أحد الوالدين أو كليهما. ثم كيف يتنكر الإخوة للمعروف، وهنا تكون الكارثة. ومنها العقوق… ما الدافع إليه؟
    هل هي التربية؟ أم أنها ضريبة السرعة التي نعيشها؟ ومنها نظرة الشباب للواقع من خلال عيون الآخرين. وغيرها كثير. أما الآن فأنا أنهيت “القمم الطبرقية – الجزء الثاني”، وأحاول كتابة رواية جديدة بعنوان “الحب والألم”.
  • لو أتيحت لك الفرصة لتحويل أحد أعمالك الروائية إلى عمل درامي مرئي، أي الروايات تختار، ولماذا ترى أنها الأنسب للشاشة؟
    لدي عملين: “عطر شان” و “ولن ترضى عنك روما”.”عطر شان” تتحدث عن الظلم الاجتماعي، وعن إهمال بعض الأسر لأبنائها من مرضى التوحد. أحداثها شيقة ومثيرة، ونحن نحتاج لمثل هذه الأعمال كي تتضح الصورة أمام المشاهدين. أما “ولن ترضى عنك روما” فهي ملحمة تحتاج إلى إنتاج ضخم لكي تتحقق. وهي تظهر المكان الليبي، وتحديداً الطبرقي، وما عاناه أبان الحرب الإيطالية.
  • كيف استطاعت طبرق -بخصوصيتها الجغرافية والتاريخية- أن تشكل وعيك الإبداعي، وماذا أخذت المدينة منك وماذا وهبتك؟
    طبرق شبه الجزيرة، وعروس البحر المتوسط. طبرق التي تعاقبت على ترابها الحضارات، وترك كل عابرٍ من تاريخها شيئًا من روحه، حتى غدت الأرض كتابًا مفتوحًا على صفحات من المجد والذاكرة. يجاورها البحر من الشمال، كأنه رفيقها الأزلي، وتحتضنها الصحراء من الجنوب، كأنها تحرس أسرارها القديمة. وعلى أرضها دارت فصول من أكثر صفحات التاريخ قسوةً؛ فشهدت معارك الحربين العالميتين الأولى والثانية، وبقيت آثار تلك الأيام محفورة في ذاكرتها، كما تُحفر الندوب في جسد لا ينسى. لكن طبرق بالنسبة إليّ ليست تاريخًا وحسب، ولا بحرًا وصحراء، ولا أرضًا عبرتها الجيوش والحضارات. إنها طبرق الصِّبا، طبرق الذاكرة الأولى، طبرق العطاء الذي لا ينفد، وطبرق الناس الطيبين الذين يمنحونك من قلوبهم قبل أن يسألوك من أنت.كل ذلك شكّل كياني، وصاغ شيئًا من ملامحي، وعلّمني الحب والتفكير والإصرار. فيها عرفت معنى أن ينتمي الإنسان إلى مكان، وأن يصبح المكان جزءًا من الإنسان؛ حتى يصعب عليه أن يفرّق بين ما صنعته الأيام فيه، وما صنعه هو في ذاكرة المكان.
    ولو تحدثت عن طبرق عامًا كاملًا، فلن أوفيها حقها؛ فبعض المدن لا تكفيها الكلمات، وبعض الأمكنة أكبر من أن تحيط بها اللغة.لقد وهبتني طبرق الكثير: وهبتني الحب، وعلّمتني أن أفكر، ومنحتني الإصرار على أن أواصل الطريق مهما طال.وأمام كل هذا العطاء، أشعر أنني ما زلت مدينًا لها. لم أقدم لطبرق شيئًا يوازي ما قدمته لي، وربما كان هذا الدين هو الذي يدفعني إلى الكتابة عنها، وإلى محاولة رد شيء من جميلها. أحاول… وسأظل أحاول. فقد يستطيع الإنسان أن يترك مدينته، لكن المدينة التي تسكن القلب لا يستطيع الإنسان أن يغادرها أبدًا.
  • • ختاماً، بين صخب الإعلام وعزلة الكتابة، لو خُيرت يوماً بين الانحياز التام للميكروفون أو التفرغ المطلق للحبر، أي الخيارين سينتصر؟
    الكتابة فقط… هي ملاذي وعشقي وروحي.قد لا تمنحني الكتابة مردودًا ماديًا، وقد لا تكون في نظر البعض مجدية، لكنها بالنسبة إليّ ليست مهنة أمارسها، بل حياة أعيشها، وشيء يسكنني قبل أن أسكنه.أكتب لأنني لا أستطيع أن أفعل غير ذلك، ولأن في داخلي كلمات لا تهدأ، وأفكارًا تبحث عن طريقها إلى الورق. أكتب لأحفظ شيئًا من روحي، ولأترك أثرًا صغيرًا في هذا العالم قبل أن أغادره.قد لا تمنحني الكتابة مالًا، لكنها تمنحني ما هو أثمن: أن أكون أنا.ولهذا سأظل أكتب… سأظل أكتب ما دمت أتنفس، حتى آخر رمق من حياتي؛ فإذا عجز القلم يومًا عن الكتابة، فليكن ذلك لأن اليد قد توقفت عن الحياة، لا لأن الروح قد توقفت عن الحلم.

شاهد أيضاً

الأمم المتحدة: تهجير سكان ثلاثة مخيمات بالضفة انتهاك للقانون الدولي

الأمم المتحدة: تهجير سكان ثلاثة مخيمات بالضفة انتهاك للقانون الدولي

شفا – أفاد تقرير صادر عن مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، اليوم الجمعة، بأن القوات …