3:19 مساءً / 3 سبتمبر، 2026
آخر الاخبار

السَّريرة.. حين يصبح الخفاء شكلاً من أشكال الحضور ، في شعرية محمد علوش بين الذاكرة والغياب والمقدّس ، بقلم: د. محمد مبروك

السَّريرة.. حين يصبح الخفاء شكلاً من أشكال الحضور ، في شعرية محمد علوش بين الذاكرة والغياب والمقدّس ، بقلم: د. محمد مبروك

في عددها الصادر يوم الأربعاء 2 سبتمبر/أيلول 2026، نشرت صحيفة «القدس العربي» قصيدة «السَّريرة» للشاعر الفلسطيني محمد علوش، ومنذ عتبتها الأولى، تبدو القصيدة وكأنها تهيئ قارئها للدخول إلى منطقة لا ترى بسهولة؛ منطقة داخلية تتجاور فيها الذاكرة مع الحب، والغياب مع الحضور، والماضي مع الحاضر، ويصبح فيها ما لا يقال أحياناً أكثر دلالة مما تقوله اللغة صراحة.


وهذه ليست قصيدة تستمد شعريتها من موضوع الحب وحده، ولا من الحنين إلى ما مضى، وإنما من قدرتها على تحويل التجربة الخاصة إلى سؤال أوسع حول ما يبقى من الإنسان حين تتراجع الأشياء من حوله، وحين لا يعود الحضور مرهوناً بالجسد، ولا الذاكرة مجرد استعادة للماضي، ولا الغياب مرادفاً للعدم.


ثمة شعر يكتب لكي يقول، وشعر آخر يكتب لأن في الداخل ما لا يمكن قوله كاملاً، وبين القول والصمت تتشكل إحدى أكثر مناطق الشعر حساسية؛ حيث لا تصبح الكتابة كشفاً للذات بقدر ما تصبح اقتراباً منها، وحيث تتحول اللغة إلى محاولة للإصغاء إلى ما تخفيه الذات حتى عن نفسها.


من هنا يمكن الدخول إلى عالم «السَّريرة»، فالعنوان ليس مجرد اسم للقصيدة، وإنما هو عتبتها التأويلية الأهم، والسَّريرة، في دلالتها العميقة، ليست السر الذي يخفى عن الآخرين فحسب، بل هي ذلك العالم الباطني الذي تتجمع فيه التجربة قبل أن تجد طريقها إلى الكلام؛ موضع الذاكرة والرغبة والخوف والحنين، وما يستعصي على الاعتراف المباشر، لذلك تبدو القصيدة، منذ عنوانها، وكأنها لا تتحدث عن شيء ظاهر بقدر ما تحاول استنطاق شيء خفي، وهي بمثابة كتابة من الداخل إلى الداخل؛ كتابة تبحث عما يبقى حين تسقط عن التجربة تفاصيلها الخارجية، ولا يبقى منها سوى أثرها.


ولعل هذا ما يفسر الطريقة التي يستقبل بها الشاعر الذاكرة في قوله: «عطّري خديك بالذكريات الجميلة»، ففعل «التعطير» هنا يتجاوز معناه المباشر؛ إذ ينقل الذكرى من كونها صورة ذهنية إلى كونها حضوراً حسياً، فالذاكرة تصبح رائحة، والرائحة تصبح جسداً، والجسد يستعيد ما غاب، وهذه النقلة من المجرد إلى المحسوس تكشف جانباً مهماً من شعرية محمد علوش؛ فهو لا يتعامل مع الذاكرة بوصفها أرشيفاً للماضي، وإنما بوصفها مادة حية يمكن أن تستعاد عبر الحواس، فالذي مضى لا يعود كما كان، لكنه يعود في هيئة أثر: رائحة، صوت، ملمح، مكان، طقس، أو كلمة.


وهنا يبدأ الزمن نفسه في التحول، فالقصيدة لا تنظر إلى الماضي باعتباره زمناً منتهياً، وإنما باعتباره زمناً لا يزال يعمل داخل الحاضر، ولهذا تأتي الجمعة في سياق النص أكثر من مجرد تحديد زمني، فهي لحظة يتغير فيها إيقاع الحياة، وتتراجع حركة الخارج قليلاً، كي تستعيد الذات شيئاً من عالمها الأول.


في الجمعة يستعيد الشاعر الأم والجد والبيت والدعاء والطفولة؛ أي يستعيد الأشياء التي لا تبدو، في ظاهرها، استثنائية، لكنها كانت في مرحلة التكوين تحمل للإنسان معنى العالم كله، فالأم هنا ليست مجرد شخصية في الذاكرة، والجد ليس مجرد صورة عائلية، والبيت ليس جدراناً وأبواباً، بل إنها جميعاً علامات على زمن كان للوجود فيه طمأنينة مختلفة، وكانت التفاصيل الصغيرة تحمل معنى يتجاوز ماديتها، فرائحة الأم ليست مجرد رائحة؛ بل إنها استعادة للأمان الأول، وصوت الجد ليس مجرد صوت؛ بل إنه بقايا سلطة الذاكرة وحكمة الزمن، والبيت ليس مكاناً للسكن؛ بل إنه المكان الذي تتكون فيه الذات قبل أن تبدأ رحلة ابتعادها، أما الدعاء، فهو محاولة لاستعادة الصلة بما يتجاوز الإنسان، ومن اجتماع هذه العناصر تتشكل في القصيدة ذاكرة ليست فردية تماماً، وإن انطلقت من تجربة فردية.


وهنا تحديداً يبدأ البعد الفلسطيني في الظهور، ولكن بطريقة لا تحتاج إلى شعار أو تصريح مباشر، ففلسطين في «السَّريرة» لا تدخل باعتبارها موضوعاً سياسياً، وإنما تتسلل من خلال البيت والغياب والذاكرة والمفتاح والحنين إلى المكان، وهذا الحضور غير المباشر ربما يكون أكثر شعرية من الحضور الصريح؛ لأن المكان الفلسطيني لا يحتاج دائماً إلى أن يسمّى كي يكون حاضراً، بل يكفي أن يصبح البيت ذاكرة، وأن يصبح الغياب جرحاً، وأن يتحول المفتاح إلى أكثر من أداة، حتى تتسع التجربة الخاصة لتلامس تجربة جمعية يعرفها الفلسطيني جيداً.


إن علوش لا يكتب فلسطين من خارج القصيدة، بل يتركها تتسرب من داخل التفاصيل، وهذه إحدى طاقات الشعر الكبرى، أن يجعل الخاص قابلاً لأن يرى فيه العام نفسه، من دون أن يتحول الخاص إلى مجرد ذريعة للحديث عن العام، لكن إذا كانت الذاكرة هي إحدى ركائز النص، فإن الغياب هو مركزه الأكثر توتراً وعمقاً.


يقول الشاعر: «كلما أمعنتُ في غيابكِ، وجدتكِ أقرب»، وليست هذه المفارقة مجرد لعبة لغوية، وإنما هي القانون الداخلي الذي تتحرك القصيدة وفقه، فالمحبوبة لا تصبح أقرب رغم الغياب، وإنما تصبح أقرب بسببه، ففي الحضور يكون الآخر خارج الذات؛ أمامها، في المكان، قابلاً للرؤية واللمس، أما في الغياب فإنه ينتقل إلى الداخل، ويتحول من شخص حاضر في العالم إلى أثر حاضر في الوعي، وهنا يعيد الشاعر تعريف العلاقة بين القرب والبعد، فالمسافة المكانية يمكن أن تتسع، بينما تضيق المسافة الروحية، والجسد قد يبتعد، لكن الأثر يزداد رسوخاً، ولهذا لا يكون الغياب في «السَّريرة» فراغاً، وإنما يصبح شكلاً آخر من أشكال الحضور، وهذه واحدة من المفارقات التي تمنح النص قوته: أن ما يغيب عن العين قد يصبح أكثر حضوراً في الوجدان.


ومن هنا تأتي العبارة التي تجعل المسافة قائمة «بين سرّين يعرف أحدهما الآخر ولا يبوح»، فالقصيدة لا تبني العلاقة بين عاشقين على الاعتراف الكامل، وإنما على معرفة صامتة؛ شيء يعرفه الطرفان، لكنهما لا يحتاجان إلى تحويله إلى كلام، وهنا يعود العنوان مرة أخرى ليضيء النص من الداخل، فالسَّريرة ليست ما يختبئ داخل كل واحد منهما فقط، وإنما هي المساحة الخفية المشتركة بينهما، بل إنها منطقة لا تحتاج إلى الكلام كي تكون موجودة، ومن هذه النقطة تحديداً تتضح إحدى أهم سمات القصيدة:

وعيها بحدود اللغة، فالشاعر لا يبدو راغباً في تفسير الحب أو تفصيله أو إخضاعه لخطاب مباشر، بل إنه يعرف، بصورة شعرية، أن بعض المشاعر تفقد جزءاً من كثافتها حين تقال كاملة، لذلك يترك في النص فراغات، ومساحات صمت، وإيحاءات لا تغلق على معنى واحد، وهو لا يقول للقارئ ماذا ينبغي أن يشعر، وإنما يمنحه مجالاً كي يشعر، وهذا ما يميز الشعر عن اللغة العاطفية المباشرة: الشعر لا يشرح الانفعال، بل يخلق شروط حضوره.


ومن هنا أيضاً يمكن فهم حضور المقدّس في القصيدة، فالمقدس لا يدخل النص بوصفه خطاباً دينياً مباشراً، ولا يتحول إلى موعظة أو تقرير، وإنما يتشكل من خلال الصلاة والدعاء والسماء، ومن خلال ذلك الشعور بأن الإنسان، في أكثر لحظاته هشاشة، يبحث عن معنى يتجاوز قدرته المحدودة على الفهم، وحين تظهر الصلاة بوصفها صلاة «لم تكتمل»، فإن عدم اكتمالها لا يبدو نقصاً فنياً أو دلالياً، وإنما يتحول إلى جزء من جمال التجربة نفسها.


ثمة أشياء لا تكتمل لأن اكتمالها يعني نهايتها، وثمة دعاء تظل قيمته في بقائه مفتوحاً على السماء، وثمة رجاء لا يحتاج إلى إجابة فورية لكي يكون صادقاً، وهنا تنجح القصيدة في إقامة مسافة دقيقة بين الشعر والمقدس؛ فهي لا تستعمل المقدس لإثبات حقيقة جاهزة، وإنما تستدعيه لتوسيع سؤال الحب والغياب والرجاء.


ومن اللافت أن الحب نفسه لا يبقى في حدود العلاقة العاطفية، بل يرتفع إلى معنى وجودي حين يقول الشاعر إن الحب يفتح «جهة أخرى لله»، وهذه العبارة تستحق التوقف؛ لأنها تنقل الحب من كونه تعلقاً بالآخر إلى كونه إمكانية لاكتشاف الذات والعالم بصورة مختلفة، فالحب هنا ليس امتلاكاً، بل اتساع، وليس إغلاقاً للذات على شخص، بل فتحاً لها على معنى آخر، وبهذا تصبح المحبوبة، في عمق النص، أكثر من موضوع للحب؛ تصبح وسيطاً لاكتشاف جهة جديدة في الروح.


وهذا يقودنا إلى سمة أخرى أساسية في تجربة علوش: الكتابة من منطقة الأثر لا من منطقة الحدث، فالحدث نفسه ليس مركز اهتمامه، فالذي يعنيه هو ما يتركه الحدث بعد انقضائه، فالأشخاص يغيبون، لكن أصواتهم تبقى، والأماكن تتغير، لكن صورتها تستقر في الذاكرة، واللحظات تنتهي، لكن أثرها يواصل تشكيل الحاضر، والحب قد لا يكتمل، لكنه يترك في الروح شيئاً لا يمكن استعادته إلى ما كان عليه قبل التجربة.


ولهذا فإن الذاكرة في «السَّريرة» ليست حنيناً بالمعنى التقليدي، وإنما هي فعل مقاومة للفقد، فحين يستعيد الشاعر الأم والجد والبيت والطفولة، فهو لا يستعيد الماضي فقط، وإنما يمنع هذا الماضي من أن يتحول إلى عدم، وهنا تصبح القصيدة شكلاً من أشكال الإنقاذ، إنقاذ الوجوه من النسيان، وإنقاذ الأمكنة من المحو، وإنقاذ الأصوات من الصمت، وإنقاذ الذات نفسها من أن تفقد جذورها.


ولذلك تبدو الذاكرة في النص ذات بعد يتجاوز التجربة الشخصية، فالحساسية الفلسطينية تجاه الذاكرة ليست أمراً عابراً؛ فالذاكرة في التجربة الفلسطينية كثيراً ما كانت وسيلة لمقاومة المحو، واستعادة المكان، وحماية ما حاول الزمن أو الاقتلاع أو الغياب أن ينتزعه، ومن هنا يمكن قراءة «السَّريرة» بوصفها قصيدة شخصية في ظاهرها، لكنها تحمل في عمقها وعياً جمعياً بالفقد، من دون أن تضحي بخصوصيتها الشعرية، وهذه نقطة مهمة؛ فالنص لا يصبح فلسطينياً لأنه يتحدث عن فلسطين، وإنما لأن بعض طبقات التجربة الفلسطينية يمكن أن تتعرف إلى نفسها فيه.


على المستوى الفني، تقوم القصيدة على اقتصاد واضح في الصورة، فهي لا تبحث عن الإدهاش المجاني، ولا تكدس الاستعارات، وإنما تستثمر مفردات قليلة ذات قدرة على إنتاج أكثر من معنى: الأم، الجد، الجمعة، الندى، الصلاة، السماء، البيت، المفتاح، الغياب، وهذه المفردات، في منفردها، بسيطة وقريبة من الحياة اليومية، لكن اجتماعها يخلق شبكة من العلاقات بين الأرض والذاكرة، وبين الجسد والروح، وبين الماضي والحاضر، وهنا تكمن قيمة الاقتصاد الشعري: ليست الصورة العميقة هي الأكثر غرابة بالضرورة، وإنما الأكثر قدرة على أن تفتح داخل المألوف معنى جديداً.


أما موسيقى النص، فلا تتأسس على الوزن وحده، وإنما تنشأ من إيقاع الجمل، والتكرار، والوقفات، وتوزيع المقاطع، وحركة النداء والمخاطبة، وتكتسب صيغة الأمر، ولا سيما تكرار «أضيفي»، وظيفة تتجاوز معناها النحوي؛ فهي تصنع نبرة مناجاة، وتمنح النص حركة داخلية متصاعدة، كما لو أن الشاعر يحاول إضافة طبقات جديدة إلى ذاكرة مشتركة آخذة في التشكل، لكن المخاطبة المؤنثة لا تبقى موجهة إلى الآخر وحده، فالشاعر، وهو يخاطب المرأة، يبدو في لحظات كثيرة وكأنه يخاطب نفسه، يستعيد من خلالها ذاكرته، ويختبر بها علاقته بالغياب، ويعيد ترتيب ما تراكم في داخله من صور وأصوات وأمكنة، ومن هنا تصبح المخاطبة نوعاً من الحوار الداخلي المقنّع؛ فالآخر حاضر، لكن الذات هي التي تكتشف نفسها من خلاله، ولعل هذا ما يمنح القصيدة حميميتها الخاصة؛ فهي لا تنظر إلى الحب بوصفه علاقة بين شخصين فقط، وإنما بوصفه مرآة ترى الذات نفسها فيها بصورة مختلفة.


كما أن القصيدة لا تبدو معنية بإغلاق المعنى في نهايتها، وهذا الانفتاح ليس نقصاً في البناء، بل انسجام مع فلسفتها الداخلية؛ فالسر الذي لا يقال كله لا يمكن أن تكون له خاتمة حاسمة، والذكرى التي تستعيدها الذات لا تعود إلى مكانها الأول، والغياب الذي يتحول إلى حضور لا يمكن أن يحسم بكلمة أخيرة.


إن جمال «السَّريرة» يكمن، في جانب أساسي منه، في أنها لا تحاول الانتصار على الغياب بإلغائه، وهي تفعل شيئاً أكثر نضجاً: تتعلم كيف تمنحه شكلاً آخر من الحضور، ولا تحاول الذاكرة أن تعيد الماضي كما كان، بل تكتفي بأن تبقي أثره حياً، ولا يحاول الحب أن يمتلك الآخر، بل يحتفظ بمكانه في الروح، ولا يحاول المقدس أن يقدم إجابة جاهزة، بل يفتح نافذة على الرجاء، وهكذا تتجاور في القصيدة ثلاثة أفعال: الذاكرة تستعيد، والغياب يحوّل، والحب يمنح المعنى.


وهنا ربما تكمن خصوصية هذه التجربة الشعرية، فمحمد علوش لا يبدو معنياً بإظهار براعة لغوية منفصلة عن التجربة، بقدر ما يبدو مشغولاً بالعثور على نبرة شعرية تخصه؛ نبرة تتجاور فيها الحميمية مع الروحانية، واليومي مع الرمزي، والذاكرة الفردية مع الذاكرة الجمعية، فهو يكتب من منطقة هادئة، لكنها ليست بسيطة؛ منطقة تتجاور فيها الأشياء الصغيرة مع الأسئلة الكبيرة، ولهذا فإن «السَّريرة» لا تستمد قيمتها من كونها قصيدة حب فحسب، وإنما من قدرتها على تحويل الحب إلى سؤال عن الإنسان: ماذا يبقى منا حين يغيب الآخر؟ ماذا تفعل الذاكرة بما فقدناه؟ وهل يستطيع الغياب أن يكون شكلاً من أشكال الحضور؟ وأين تنتهي حدود اللغة، وأين تبدأ السريرة؟
ربما لهذا تبدو القصيدة أقرب إلى كتابة الأثر منها إلى كتابة الحدث، فهي


لا تسأل: ماذا حدث؟ بل تسأل، بصورة أكثر خفاءً: ماذا ترك ما حدث فينا؟ وهذا السؤال هو الذي يمنح النص قابليته للاستمرار بعد انتهاء القراءة، فالقارئ لا يخرج من «السَّريرة» بإجابة نهائية، وإنما يخرج محمّلاً بشيء من ذاكرته هو، حيث يستعيد، ربما، شخصاً غاب، أو بيتاً ابتعد، أو صوتاً لم يعد يسمعه، أو دعاءً لم يكتمل، أو حباً ظل في منطقة لا تستطيع اللغة الوصول إليها تماماً.


وهنا تتحول التجربة الشخصية للشاعر إلى مساحة مشتركة مع القارئ، وهذا، في النهاية، أحد الاختبارات الحقيقية للشعر: أن يبدأ من خصوصية التجربة، ثم يجد طريقه إلى المشترك الإنساني من دون أن يفقد خصوصيته، ففي «السَّريرة» ينجح محمد علوش، إلى حد بعيد، في هذا العبور، فالقصيدة عن الحب، نعم، لكنها في عمقها قصيدة عن ما يفعله الحب بالإنسان؛ وعن ذلك التحول الذي يجعل الغائب أكثر حضوراً، والذكرى أكثر حياة، والصمت أكثر بلاغة، والمقدس أكثر قرباً، والماضي أقل انقضاءً، وفي النهاية، لا تتركنا القصيدة أمام إجابة، بل أمام سؤال يظل مفتوحاً: ماذا يبقى من الإنسان حين يغيب كل شيء؟


ربما يبقى ما لم يقله، وربما تبقى رائحة أم، وصوت جد، وعتبة بيت، ومفتاح، وذكرى، وصلاة لم تكتمل، وربما يبقى ذلك الجزء الأكثر غموضاً وصدقاً في الإنسان: سريرته، وهناك، في تلك المنطقة التي لا تصل إليها يد النسيان تماماً، يجد محمد علوش مادته الشعرية؛ وهناك أيضاً، وربما للمفارقة، يجد القارئ شيئاً من نفسه.

⦁ أستاذ جامعي وناقد

شاهد أيضاً

القدس: الاحتلال يعتقل موظفي بلدية حزما ويستولي على مركبة

القدس: الاحتلال يعتقل موظفي بلدية حزما ويستولي على مركبة

شفا – اعتقلت قوات الاحتلال الإسرائيلي، ظهر اليوم الخميس عددًا من موظفي بلدية حزما شمال …