11:45 صباحًا / 24 أغسطس، 2026
آخر الاخبار

صباحٌ لم يعد يشبه صباح الأطفال ، بقلم : منى سامي موسى

صباحٌ لم يعد يشبه صباح الأطفال ، بقلم : منى سامي موسى

كان الصباح بالنسبة للأطفال يحمل طقوسًا جميلة وبسيطة، لكنها كانت تصنع يومًا كاملًا من الحياة. يستيقظ الطفل باكرًا، يرتدي ملابس مدرسته، وتبدأ الحركة في البيوت والشوارع. البنات يلبسن المريول الأخضر، وبعضهن يرتدين زي الوكالة المخطط بالأبيض والأسود، والولاد يلبسون البلوزة الزرقاء مع الجينز. ملابس المدرسة وحدها كانت كفيلة بأن تخبرك أن اليوم بدأ، وأن هناك موعدًا ينتظر الأطفال.

كان الطفل يخرج من بيته متجهًا إلى مدرسته، وهناك يقف مع زملائه في طابور الصباح. يقفون جميعًا لتحية العلم، ثم تبدأ الفقرات الصباحية والأنشطة الرياضية والألعاب والحركة. كان للجسد نصيبه من النشاط، وللصوت نصيبه من الضحك والحكايات، وكانت تلك الدقائق الأولى من اليوم تمنح الأطفال طاقة تكفيهم ليكملوا يومهم.

ثم تبدأ الحصص، وبعد انتهاء المدرسة يعود الأطفال إلى بيوتهم. يأكلون ويشربون، يخلعون ملابس المدرسة ويرتدون ملابس البيت، ثم يعود كل واحد منهم إلى برنامجه المعتاد. هناك من يفتح كتبه ليدرس، ومن يذهب إلى درس خصوصي، ومن لديه مهارة يحب أن يتعلمها أو ينميها، ومن ينتظر وقت اللعب مع أصدقائه. كان لكل طفل تفاصيل يومه الخاصة، لكن جميعها كانت تدور حول أشياء تشبه عمره.

وعندما يأتي الليل، كان التعب جميلًا؛ تعب يوم مدرسة طويل. ينام الطفل وهو يعرف أن هناك صباحًا جديدًا ينتظره، ومدرسة سيعود إليها، ومعلمًا، وأصدقاء، وطابور صباح، ولعبة، وفسحة.

لكن صورة الصباح اليوم أصبحت مختلفة.

يستيقظ الطفل، يفتح عينيه بصعوبة، وقبل أن يفكر في غسل وجهه أو تغيير ملابسه، يبدأ بالتفكير في الماء. يسمع صوت الماء، فيخرج بملابس النوم، مسرعًا حتى يلحق بدوره ويعود بما يكفي من المياه. طفل آخر يستيقظ وهو يفكر في طابور الخبز، وآخر ينتظر طابور التكية، وآخر يحمل همّ شحن الهاتف، وأطفال آخرون أصبحوا يعرفون تفاصيل طوابير كثيرة لم تكن يومًا جزءًا من حياة الطفل.

لم يعد الصباح يبدأ بالبحث عن الحقيبة المدرسية أو التأكد من الكتب والدفاتر.

أصبح يبدأ بالسؤال: أين الماء؟ متى يأتي الخبز؟ هل وصلت التكية؟ أين سأشحن هاتفي؟

حتى عندما تتوفر المدرسة، وحتى عندما يذهب الطفل إليها، تشعر أن شيئًا من صورة الصباح القديمة لم يعد موجودًا. فالشوارع فقدت الكثير من تفاصيلها التي كانت تمنحها طعم المدرسة. لم تعد حركة الأطفال وملابسهم وحقائبهم وأصواتهم في الصباح هي المشهد الوحيد الذي يلفت الانتباه. أصبحت هناك طوابير أخرى، ومسؤوليات أخرى، وأشياء كثيرة تشغل عقل الطفل قبل أن يبدأ يومه.

الفرق ليس فقط في المكان أو في شكل الصباح، بل في الأشياء التي أصبح الطفل مضطرًا للتفكير فيها.

فالطفل الذي كان يحمل حقيبته إلى المدرسة، أصبح يحمل مسؤولية الحصول على الماء. والذي كان يقف في طابور الصباح لتحية العلم، أصبح يقف في طابور الخبز. والذي كان ينتظر الفسحة ليلعب مع أصدقائه، أصبح ينتظر دوره في طابور آخر.

وهكذا، تغيّرت تفاصيل صغيرة في حياة الأطفال، لكنها حين تجمعت أصبحت تغيّر شكل الطفولة نفسها.

كان الطفل ينهي يومه وهو يفكر في الغد: ماذا سأتعلم؟ متى سأرى أصدقائي؟ ماذا سأفعل في المدرسة؟

أما اليوم، فقد أصبح الغد مرتبطًا بأسئلة أخرى أكثر قسوة: هل سيكون هناك ماء؟ هل سنحصل على الطعام؟ هل سأتمكن من شحن الهاتف؟ وهل سأستطيع الحصول على احتياجاتي الأساسية؟

ربما لهذا السبب يبدو صباح الأطفال اليوم مختلفًا حتى لو عادت بعض الأشياء إلى مكانها.

لأن الصباح ليس مجرد ساعة نستيقظ فيها، والصباح ليس فقط مدرسة وطابورًا وملابس جميلة.

الصباح هو الشعور الذي يبدأ به الطفل يومه.

وكان هذا الشعور يومًا مليئًا بالحماس؛ مريول أخضر، بلوزة زرقاء، حقيبة على الظهر، طابور صباح، تحية علم، ألعاب، ضحكات، وأصدقاء.

أما اليوم، فقد أصبح الصباح يحمل الكثير من الانتظار.

والطفل الذي كان من حقه أن يبدأ يومه بالحلم والتعلم واللعب، أصبح يبدأه بتدبير احتياجات الحياة.

وهنا لا نتحدث فقط عن كيف تغير صباح الأطفال، بل عن كيف يمكن أن تمرّ السنوات على الطفل، بينما تأخذ منه الحياة بالتدريج تلك التفاصيل الصغيرة التي كانت تصنع طفولته.

شاهد أيضاً

نائب الرئيس الصيني يلتقي وزير الخارجية الكويتي

نائب الرئيس الصيني يلتقي وزير الخارجية الكويتي

شفا – التقى هان تشنغ، نائب الرئيس الصيني، وزير الخارجية الكويتي الشيخ جراح جابر الأحمد …